ARTICLE AD BOX
عمر الطالب
ثم ماذا بعد اعتذار بنكيران لمستشاري الملك؟
الجمعة 10 يوليو 2026 | 09:55
كان يلزم مرور خمسة أيام كاملة على خرجته المثيرة في تجمع حزبي بمدينة الصويرة، لكي يدرك عبد الإله بنكيران أن التصريحات التي قذف بها في خطابه أمام ما تبقى من أنصاره، في حق مستشاري الملك، أندريه أزولاي وفؤاد عالي الهمة، اللذين وصفهما بـ“القنادح“، كانت تستلزم تراجعاً سريعاً واعتذاراً مكتوباً؛ ليس رغبة في ترميم جسور علاقته الفاترة بمحيط الملك، بل لتخفيف وطأة ارتدادها العكسي على حزب العدالة والتنمية، وهو يستعد لدخول غمار انتخابات 23 شتنبر في سياق يطبعه جفاء حاد بين أمينه العام والجهات العليا في الدولة.
آراء أخرى
وإذا كانت الحماسة الزائدة قد غلبت على بنكيران، كما هي عادته كلما اعتلى منصة الخطابة أمام حشد من الناس، وقادته جينات الاندفاع إلى نعت مستشاري الملك بـ“القنادح“، في سابقة لم يجرؤ عليها حتى أعتى الزعماء السياسيين في زمن الحسن الثاني، فإن “برودية الراس” قد نزلت أخيراً على الرجل، وهو متكئ في صالون بيته بحي الليمون، وهمست في أذنه حقيقة باردة مفادها أن اللعب بالنار في باحة القصر لن يمر هذه المرة برداً وسلاماً، وأن قفشته “القندوحية” ستُدفع فاتورتها نقداً من رصيد المقاعد البرلمانية الهزيلة لـ“المصباح“.
والراجح أن ما قاد بنكيران إلى التراجع عن عبارة “القندوح” التي وصف بها أزولاي والهمة، هو أنه استدعى شريط ذكريات سياسي مرعب؛ تذكر فيه كيف أن صديقه “الحاج الشيوعي“، نبيل بنعبد الله، دفع في زمن مضى ضريبة باهظة بسبب التصريحات التي أدلى بها لأسبوعية “الأيام“، عشية انتخابات 7 أكتوبر 2016، حين اتهم فؤاد عالي الهمة بتجسيد روح “التحكم” من خلال وقوفه وراء حزب الأصالة والمعاصرة؛ ما دفع الديوان الملكي حينها إلى إشهار “العين الحمراء” والخروج ببلاغ شديد اللهجة، اتهم فيه أمين عام التقدم والاشتراكية باستعمال مفاهيم تسيء إلى سمعة الوطن وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات لكسب تعاطف الناخبين؛ لتكون النتيجة لاحقاً هي تقهقر الـPPS في الانتخابات وحصوله على 12 مقعداً، بعدما كان يتوفر على 18 مقعداً حين شارك في حكومة بنكيران بخمس حقائب وزارية غداة انتخابات 2011.
وإذا أضفنا إلى كل هذا تلك الصور والفيديوهات التي تتناقلها هذه الأيام عدد من الصفحات والمواقع الإخبارية، والتي يظهر فيها الملك محمد السادس، الذي يقضي عطلة الصيف في مدن الشمال، وهو يجلس في المقعد الأمامي لسيارته، بينما يتولى فؤاد عالي الهمة القيادة بجانبه؛ فإن بنكيران قد استوعب يقيناً، بعد صحوة الأيام الخمسة، أن نعت مستشار الملك بـ“القندوح” لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، بل خطأً جسيماً ومجازفة غير محسوبة العواقب فرضت عليه إصدار بلاغ اعتذار مقتضب صباح الخميس؛ بعدما انتبه إلى أن التأويلات السياسية التي فجّرتها عبارته تلك بدأت تتسع لتأخذ أبعاداً بالغة الحساسية، تكمن حساسيتها في تلميحها المباشر إلى أن الجالس على العرش يقضي عطلته مرفوقاً بـ“قنادح” من طينة مستشاره فؤاد عالي الهمة.
وبعيداً عن هذه الزوبعة التي أثارتها عبارة “القندوح“، فإن الجزء الخفي من جبل الجليد في هذه النازلة يكمن في تفكيك الدوافع الحقيقية التي ما فتئت تقود بنكيران، في محطات متعددة، إلى تصويب مدفعيته صوب محيط الملك بالذات؛ وهو الذي خبر جيداً، على مدار أزيد من خمس سنوات من مقامه في مكتب رئيس الحكومة المقابل لمكاتب مستشاري محمد السادس، كواليس تدبير شؤون الدولة، ودرجة حرارة المطبخ الداخلي للمملكة. لقد أدرك بنكيران، من واقع تجربته كرئيس للحكومة، حدود القوة وحجم التدخل الذي يباشره الفريق الملكي في صناعة القرار، وهي المعرفة التي تجعله اليوم يقوم بخرجات مشاغبة ليس من باب الجهل بالخطوط الحمراء أو من باب “التّشيار بالحجر“، بل كمناورة سياسية يبتغي من ورائها دغدغة مشاعر الغاضبين من أحوال السياسية في المرحلة الحالية، وإعادة التذكير بوجوده كرقم صعب لا يمكن تجاوزه في توازنات مغرب اليوم والغد، رغم عزلته خلف أسوار فيلا شارع جون جوريس، التي فرضها بشكل من الأشكال إعراض القصر ومحيط الملك عنه، منذ طي صفحة العدالة والتنمية وطرده من الحكومة سنة 2021.
من المؤكد أننا نجهل الشيء الكثير، عكس بنكيران، عن حدود تدخل محيط الملك في صناعة القرار، وعما إذا كان الدور الذي يلعبه فؤاد عالي الهمة، وأندريه أزولاي، وعمر القباج، والطيب الفاسي الفهري، وباقي المستشارين، إيجابياً أم سلبياً في مسار تقدم المغرب والإسهام في نمائه؛ لكن الواقع اليوم، أننا نعيش مرحلة لم يعد يجدي فيها هذا النقاش المتجدد حول المحيط الملكي نفعاً، لسبب بسيط، وهو أن أسلوب محمد السادس في تدبير الحكم قد ترسخ واستقر، ولأن الفريق الذي يشتغل معه أصبح ركيزة ثابتة وقارة منذ خمسة عشر سنة على الأقل، ولأن الرهانات الكبرى التي تستعد المملكة لرفع تحدياتها في المرحلة القادمة، أصبحت أكبر بكثير من الغرق في مناوشات سياسوية عابرة في باحة القصر.. إذا كان بنكيران يحب الملك حقاً، وقلبه على حال البلاد ومستقبلها، فالأجدر به أن يستبدل قفشاته بتقديم مذكرة سياسية يعرض فيها على الملك، بكل صراحة، رؤيته لإدارة شؤون البلاد وما يراه مناسباً لمستقبل المغرب؛ تجسيداً وترجمة للقاعدة الذهبية التي صاغها رفيقه السابق في الشبيبة الاتحادية مطلع السبعينيات، محمد الساسي، حين خرج بعد أقل من أسبوعين على اعتلاء محمد السادس العرش ليقول بشهامة فكرية لم نتعود عليها كثيراً : «إن من يحب ملكه عليه أن يقول له الحقيقة كاملة».
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







