خسارة مستحقة أمام فرنسا أما الهزيمة أمام الجهل فليست مستحقة

منذ 1 ساعة 3
ARTICLE AD BOX

أمينة الخبيزي

خسارة مستحقة أمام فرنسا أما الهزيمة أمام الجهل فليست مستحقة

الجمعة 10 يوليو 2026 | 11:04

عندما كتبت مقالتي السابقة بعنوان أنا أرفض كأس العالم للمغرب لم أكن أرفض كرة القدم ولم أكن أهاجم المنتخب المغربي ولم أكن أرفض فرحة الناس كما حاول البعض أن يصور الأمر كنت أتحدث عن شيء أعمق من كرة القدم وأكبر من مباراة وأبعد من نتيجة قد تتغير في تسعين دقيقة كنت أتحدث عن الوعي وعن الأسئلة التي نهرب منها كلما جاءت مناسبة جديدة تشغلنا عن واقعنا

غضب البعض من العنوان أكثر مما فكر في الفكرة وهاجمني كثيرون وكأنني ارتكبت جرما لأنني طرحت سؤالا مختلفا وقرأت تعليقات مؤيدة وأخرى معارضة وثالثة ساخرة ورابعة غاضبة لكنني لم أكتب يوما لأبحث عن التصفيق ولم أكتب لأجمع المؤيدين حولي كما أنني لم أتوقف عند عدد المعارضين لأن قيمة الفكرة لا تقاس بعدد من يوافق عليها بل بقدرتها على إيقاظ العقول وإثارة الأسئلة

لقد كان أكثر ما أثار دهشتي أن بعض الناس دافعوا عن كأس العالم بحماس لم أره منهم وهم يدافعون عن التعليم أو الصحة أو محاربة الفساد أو إنصاف القرى المهمشة وكأن الكأس أصبحت قضية مصيرية بينما تحولت قضايا المجتمع الحقيقية إلى تفاصيل هامشية لا تستحق كل ذلك الانفعال

واليوم خسر المغرب أمام فرنسا وانتهت المباراة وعاد اللاعبون إلى غرف الملابس وعاد الجمهور إلى بيوته وعادت الشوارع إلى هدوئها وعادت الحياة إلى طبيعتها لكن سؤالا واحدا ظل يطاردني ماذا تغير بعد كل ذلك

هل امتلأت المستشفيات بالأطباء والتجهيزات

هل انتهى التهميش الذي تعيشه القرى المنسية

هل تغير واقع الشباب الذي ينتظر فرصة للحياة الكريمة

الحقيقة المؤلمة أن شيئا من ذلك لم يحدث

لقد انتهت مباراة المغرب وفرنسا لكن المباراة الحقيقية ما زالت مستمرة وهي المباراة التي نخوضها كل يوم بين الوعي والجهل بين التنمية والتخلف بين النزاهة والفساد بين بناء الإنسان وإهماله

لقد فرح الناس عندما انتصر المنتخب وحزنوا عندما خسر لكنني كنت أفكر في أننا نعطي لكرة القدم مساحة هائلة من اهتمامنا بينما نعطي قضايا مصيرنا مساحة صغيرة جدا من التفكير والنقاش وكأن الأهداف أهم من المدارس وكأن المباريات أهم من المستشفيات وكأن الكؤوس أهم من الإنسان

أنا لا أقول إن الرياضة غير مهمة ولا أقول إن الفرح ممنوع بل أقول إن الأوطان لا تبنى بالفرح وحده ولا تنهض بالأهداف وحدها ولا تتقدم بالاحتفالات وحدها لأن الكؤوس مهما عظمت تبقى مجرد كؤوس أما الوعي فهو الذي يصنع الحضارات والتعليم هو الذي يبني الأمم والتنمية هي التي تصنع المستقبل

لقد أثبت المنتخب المغربي أنه قادر على تشريف الوطن وأثبت اللاعبون أنهم قادرون على تحقيق ما ظنه البعض مستحيلا لكن بقي علينا نحن أن نثبت أننا قادرزون أيضا على الانتصار في معارك أخرى لا تقل أهمية عن كرة القدم معركة محاربة الفساد ومعركة بناء التعليم ومعركة إنقاذ الصحة ومعركة الدفاع عن الكرامة والعدالة والوعي فوز فرنسا على المغرب أو فوز المغرب على فرنسا يعني شيئا واحدا فقط نهاية مباراة أما فوز الوعي على الجهل وفوز التنمية على التخلف وفوز النزاهة على الفساد فذلك يعني بداية وطن جديد

ولهذا أقول اليوم إن كأس العالم قد انتهى لكن كأس الوعي ما زال مستمرا وكأس التنمية ما زال مستمرا وكأس محاربة الفساد ما زال مستمرا وهذه هي البطولات

التي يجب أن نربحها لأن خسارتها ليست خسارة تسعين دقيقة بل خسارة أجيال كاملة

قد يخرج منتخب من بطولة ويعود بعدها أقوى مما كان لكن الأوطان التي تتصالح مع الفساد والجهل والتهميش لا يمكن أن تتقدم إلا إذا امتلكت شجاعة مواجهة نفسها والاعتراف بجراحها والعمل على علاجها ولذلك لم أخف يوما من خسارة مباراة كرة قدم بقدر خوفي من أن نعتاد الهزائم اليومية في واقعنا حتى نتوقف عن رؤيتهافالمباريات تنتهي بصافرة الحكم أما معركة بناء الوطن فلا تنتهي إلا عندما ينتصر الإنسان على الجهل وينتصر الوعي على الصمت وينتصر العمل على الشعارات وينتصر الوطن على كل ما يؤخره عن المكانة التي يستحقها.

صاحبة ديوان قلم عنيد

ابنة تاونات المنسية وقرية أولاد دحو

آراء أخرى

  • مستقبل التعليم الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي

  • اليسار الأمريكي بين المهام والمطالب والتحديات في بعض الدوائر السياسية والثقافية

  • هاتوا الديك الفرنسي الشهي!

المصدر