ARTICLE AD BOX
تلقيتُ قبل أيام رسالةً بالغة الأهمية من أحد القراء الأعزاء، يعلق فيها على مقالٍ سابق كنتُ قد نشرتُه بعنوان: “عندما تصبح ‘المستديرة’ أعتى أسلحة القوة الناعمة!”. كان القارئ يطرح سؤالاً ملحاً، يضمر في طياته رغبةً واضحة في التقليل من شأن الأبعاد الجيوسياسية لكرة القدم، ومحاولةً مبطنة للتهوين من حجم وعمق الإنجاز التاريخي والملحمي الذي حققه المنتخب المغربي في المحافل الدولية؛ حيث تساءل مستنكراً: “إذا كانت كرة القدم بهذه الأهمية الاستراتيجية في عالم اليوم، وإذا كانت تصنع للأمم نفوذاً ووجاهة دولية، فأين هو موقع الصين—بثقلها الاقتصادي المرعب ونفوذها العالمي—من هذه اللعبة؟ ولماذا لا نرى قوتها الناعمة تتجسد في المستطيل الأخضر؟”
آراء أخرى
والحقيقة أن هذا السؤال، رغم حمولته التشكيكية، يفتح الباب على مصراعيه لتفكيك معضلة بنيوية تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والثقافة بالاجتماع. فالإجابة عن سؤال القارئ لا تدعم طرحه في تقزيم الدور المحوري للكرة، بل تكشف كيف تقف القوى العظمى عاجزة أمام قوانين “القوة الناعمة” العفوية. ومن هذا المنطلق، نأخذ القارئ العزيز في رحلة تفكيك معمقة للغز الصيني، لنثبت له بالدليل القاطع أن المجد الكروي لا يُشترى بصكوك مالية، وأن الإنجاز المغربي لم يكن ضربة حظ، بل إفراز لثقافة شعبية حية تمتد جذورها من الشارع إلى العقل الجمعي، وهو تماماً ما تفتقده بكين.
أعتى أسلحة القوة الناعمة
لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة من الركض وراء قطعة من الجلد المنفوخ، بل تحولت في عالمنا المعاصر إلى أحد أبرز تجليات “القوة الناعمة” (Soft Power)، وأداة استراتيجية لإعادة تموقع الدول وتأكيد سيادتها الثقافية والهوياتية على الساحة الدولية. وما يصنعه أسود الأطلس اليوم ليس مجرد إنجاز رياضي عابر، بل هو اختراق جيو-ثقافي يفرض احترام المغرب على كبريات المدارس الكروية العالمية. لقد كان الفوز المستحق والتاريخي على المنتخب الهولندي العتيد بمثابة صك اعتراف دولي جديد بأن المغرب لم يعد يكتفي بموقع “المشارك الشرفي”، بل أضحى رقماً صعباً في معادلة الكبار، يملك من رباطة الجأش والجرأة التكتيكية ما يمكنه من قلب الطاولات وتفكيك أعقد المنظومات الدفاعية والهجومية. هذا النجاح في اللعبة يمنح الدول اختراقاً دبلوماسياً وثقافياً عابراً للقارات لا يمكن للجيوش أو المليارات تحقيقه؛ وهو تماماً ما جسده النموذج المغربي الذي استطاع من خلال وهجه الكروي أن يعيد رسم الخارطة الذهنية لشعوب الأرض حول الهوية والمؤهلات المغربية، محققاً قفزة جيوسياسية غير مسبوقة في مجال الجاذبية الدولية. الصعود الكروي يعني باختصار احتلال الشاشات، وتصدر منصات التواصل، وكسب تعاطف مليارات البشر عفوياً دون الحاجة لحملات دعائية موجهة. هذا النفوذ غير المرئي هو ما تفتقده الصين بشدة؛ فرغم ترسانتها الاقتصادية، تظل صورتها الدولية تفتقر إلى “العنصر العاطفي الجاذب” الذي تصنعه كرة القدم، مما جعل القيادة الصينية ترى في عجزها الكروي ثغرة استراتيجية كبرى في جدار نفوذها العالمي وقوتها الناعمة.
عشق الرئيس الصيني
في يونيو من عام 2011، كان نائب الرئيس الصيني آنذاك، “شي جين بينغ”، يجلس في اجتماع سياسي رفيع المستوى مع “سون هاكيو” زعيم الحزب الديمقراطي المعارض بكوريا الجنوبية. لم يكن اللقاء يدور حول معاهدات تجارية أو تحالفات عسكرية، بل كان يتمحور حول هدية فريدة: كرة قدم ممهورة بتوقيع الأسطورة الآسيوي “بارك جي سونغ”. في تلك اللحظة، التمعت عينا الزعيم وعبر عن شغفه الدفين بثلاث أمنيات صاغت مستقبل البلاد لاحقاً: أن تتأهل الصين لكأس العالم، وأن تستضيف البطولة، وأن تفوز بها.
وحين صعد إلى سدة الحكم عام 2013، تحول هذا العشق الشخصي الجارف إلى أولوية سياسية مطاعة ضمن مشروع نهضة الصين الكبرى، وبلورته الدولة رسمياً في مارس 2015 عبر “البرنامج الشامل لإصلاح وتطوير كرة القدم الصينية” الصادر عن المكتب العام لمجلس الدول الصينية. لكن المفارقة الصادمة أنه بعد سنوات من هذا العشق الملياري، انحدر المنتخب الصيني إلى المركز 93 في تصنيف الفيفا (المرتبة 14 آسيوياً) لعام 2025. هذه المفارقة تثبت بالدليل القاطع أن “رأس المال الاقتصادي” لا يمكنه صناعة “رأس مال ثقافي ورياضي” ما لم يتوافق مع جينات المجتمع وبنيته التحتية الأخلاقية.
الاستعراض الرأسمالي الفاشل
اندفعت الأندية الصينية والقطاع الخاص، تلبيةً لتوجهات القيادة وسعياً لبناء هذه القوة الناعمة المفقودة، نحو سيكولوجية الاستعراض الرأسمالي وضخ الفلوس بكثافة لدرجة شراء أندية أوروبية بمليارات الدولارات لنقل الخبرات. داخلياً، أنفقت أندية الدوري الصيني الممتاز في عام 2016 وحده أكثر من 451 مليون دولار على الانتقالات، وجذبت نجوماً عالميين في قمة عطائهم برواتب خيالية—كصفقتي أوسكار وتيفيز—حيث كلفت صفقة أوسكار وحده 60 مليون جنيه إسترليني لنادي تشيلسي مع راتب أسبوعي يبلغ 400 ألف إسترليني. هذا النموذج، المعروف بـ”كرة القدم الذهبية، كان مجرد قشرة براقة أخفت تحتها إنفاقاً عشوائياً غير منضبط غاب عنه الضمير والأخلاق؛
فبمجرد أن حلت جائحة كورونا عام 2020 وتراجع الملف في سلم الأولويات، انفجرت هذه الفقاعة وتهاوت الأندية الكبرى. فمنذ عام 2004، اختفى أكثر من 50 نادياً من خريطة الكرة الاحترافية، وفي مقدمتها نادي “غوانغجو” الفائز بـ 8 ألقاب دوري وبطولة آسيا مرتين، والذي سجل خسائر سنوية هائلة جعلت قيمته السوقية تُقيم بصفر دولار بحسب بلومبرغ، ليُعلن حله رسمياً في مطلع عام 2025 بسبب الديون المتراكمة، كما أُغلق قبله نادي “جيانغسو” بطل دوري 2020 للسبب ذاته.
سرطان الفساد المؤسسي
تحول قطاع كرة القدم في الصين من “مشروع نهضة وطني” إلى دجاجة تبيض ذهباً لجيوب الفاسدين والمنتفعين. في مارس 2024، صُعق الشارع الصيني بالحكم بالسجن المؤبد على رئيس الاتحاد السابق، تشن شو يوان بعد ثبوت تلقيه رشاوى بلغت 81.03 مليون يوان (حوالي 11.2 مليون دولار) على مدار 13 عاماً في 217 واقعة رشوة، وتلاه حكم بالسجن 20 عاماً على مدرب المنتخب واللاعب السابق لي تي بعد اعترافه بدفع رشاوى بـ 421 ألف دولار لشراء منصبه وتلقي 16 مليون دولار لاحقاً لاختيار لاعبين بأعينهم. وفي يوليو 2025، صدر حكم بالسجن 10 سنوات ونصف على وانغ شياو بينغ (رئيس لجنة الانضباط السابق)، و11 سنة على ليو جون (الرئيس السابق لشركة الدوري الممتاز)، ليصل عدد المدانين إلى 18 مسؤولاً. وبحلول يناير 2026، أعلنت وزارة الأمن العام والاتحاد حظر 73 شخصاً مدى الحياة، وتغريم وخصم نقاط من 13 نادياً محترفاً شملت حامل اللقب “شانغهاي بورت” بسبب التلاعب والمراهنات، واضطرت 9 فرق لبدء موسم 2026 برصيد سالب من النقاط، مما يثبت أن المليارات تسربت لجيوب الوسطاء بدلاً من بناء ملاعب شعبية أو أكاديميات، ليصبح الفساد جزءاً من بنية النظام نفسه.
مقصلة سن الثانية عشرة
إذا كان الفساد هو العائق الهيكلي، فإن الجدار الثقافي هو الأشد قسوة، وتلخصه معضلة ديموغرافية غريبة؛ فبينما ينفجر المغرب بطاقات شابة تعشق الكرة وتتنفسها من الشارع إلى مراكز التكوين الحديثة، نجد أن الصين بأسرها (1.4 مليار نسمة) لا تمتلك سوى 109,220 لاعباً شاباً مسجلاً (تحت 21 عاماً) حتى عام 2025، ورغم نموه بنسبة 17.5% عن العام السابق، فإنه يظل هزيلاً مقارنة بألمانيا (أكثر من 1% من سكانها) أو فرنسا (1.9%). تكمن العلة هنا في ظاهرة اجتماعية مروعة تُعرف بـ” التقاعد في الثانية عشرة”..
فوفقاً لتقرير التنمية الكروية للشباب لعام 2023، يبلغ عدد اللاعبين في المرحلة الابتدائية (6-12 سنة) نحو 100 ألف، بينما يهبط في المرحلة الإعدادية (13-15 سنة) إلى 10 آلاف فقط؛ أي أن 90% من المواهب الكروية (9 آلاف طفل سنوياً) تتسرب عند سن الثانية عشرة. يعود ذلك لكونها نقطة تحول مصيرية يتضاعف فيها الواجب الدراسي وتتصاعد ضغوط الامتحانات، فيتدخل الآباء بحسم قائلين لأبنائهم: “كرة القدم حلم.. والدراسة هي الواقع والمستقبل”.
رعب امتحان الجاوكاو
يخضع المجتمع الصيني لسلطة وجدانية وعقلية مطلقة يمثلها امتحان القبول الجامعي الوطني المرعب “الجاوكاو” (Gaokao)، وهو المعبر الوحيد والمنفذ المضمون للعبور نحو الطبقة المتوسطة والوظيفة المرموقة. يرى الأب الصيني في احتراف ابنه لكرة القدم مقامرة متهورة بنسبة نجاح تقل عن 0.01% (وهي أقل من نسبة القبول في جامعتي بكين أو شينغوا)، بينما يرى في التعليم رصيداً آمناً لا يمكن التضحية به، إذ إن إصابة واحدة للاعب قد تنهي مسيرته بلا شهادة تدعمه. هذا المنطق يحرم البلاد من قاعدة مواهب حقيقية؛ فرغم وجود 289 مليون مشجع للعبة في الصين ، ووجود 980 ألف لاعب هاوي في 2025، فإن اللعبة تظل بلا جذور شعبية عفوية كتلك التي تنمو في أزقة المغرب أو البرازيل.
وهم عقلية المصنع
وتكمن العقدة الكبرى في التعامل البيروقراطي مع كرة القدم ومحاولة إنتاجها بنفس عقلية “الإنتاج المصنعي” للألعاب الأولمبية. في دورة باريس 2024، حشدت الصين 40 ميدالية ذهبية عادلت بها صدارة الولايات المتحدة، وتركزت بنسبة 67.5% (27 ميدالية) في ست ألعاب رئيسية: تنس الطاولة، الغطس، رفع الأثقال، الرماية، الجمباز.. هذه الرياضات الفردية أو الثنائية تعتمد على التكرار الآلي والقياس الكمي الصارم، ويمكن هندستها بإنتاج آلي داخل “حلبات زجاجية مغلقة” بمعزل عن المجتمع. أما كرة القدم، فهي لعبة سائلة، حرة، تعتمد على الإبداع الجماعي، والذكاء اللحظي، والتفاعل الاجتماعي العفوي؛ ولا يمكن إخضاعها لخطط خمسية أو قرارات فوقية بزيادة المدارس الكروية اسمياً (والتي استهدفت الخطط رفعها من 5 آلاف عام 2015 إلى 50 ألف مدرسة بحلول 2025)، لأن اللعبة لا تُدار بعقلية المصانع، بل تولد عفوية من طاقة الأحياء والشوارع.
نفاد الصبر الاستراتيجي
حتى مع الاستفاقة البيروقراطية المتأخرة في يناير 2025، وإطلاق ما سُمي بـ “الاتحاد الصيني لدوري كرة القدم المحترف” لتطبيق صيغة “فصل الإدارة عن التشغيل” وتفريغ الاتحاد للمنتخبات، بقيت المقاربات الإدارية عاجزة عن مداواة جرح ثقافي غائر في بنية المجتمع. فالنجاح الكروي لا يولد برخصة تشغيل، بل بنَفَس استراتيجي طويل؛ تماماً كما فعلت ألمانيا عقب نكسة عام 2000، حين شيدت منظومتها من الصفر لتصل اليوم إلى 23 ألف نادي و339 مركزاً لاكتشاف المواهب. وتماماً كما صنعت اليابان عام 1996 بـ “خطة المائة عام” التي زرعت اللعبة في المدارس والأحياء قبل الأموال. كان المجد لديهم مشروعاً مجتمعياً وليد القاعدة، بينما ظل في بكين مجرد رهان مالي مستعجل أجهضته سيكولوجية المليارات المستنفدة.
العقول قبل الأقدام
وعودةً لتعليق القارئ الكريم، فإنني أجد نفسي متفقاً معه إلى حد بعيد في رسالته المبطنة وفي جوهر طرحه الوجيه؛ ولأني أرى المشهد بعين الأكاديمي والأستاذ الجامعي، لا بد من وضع الأمور في نصابها الصحيح بعيداً عن صخب المدرجات وضجيج العواطف العابرة. إن بناء الأمم الحقيقي، والنهوض الهيكلي بالمجتمعات، يرتكز بالدرجة الأولى على العقول قبل الأقدام، ويحتاج إلى تشييد المصانع والمعامل قبل تعبيد الملاعب. ومهما تضخم حجم كرة القدم في عالمنا المعاصر كأداة من أدوات القوة الناعمة، لا ينبغي بأي حال من الأحوال إعطاؤها أدواراً تتجاوز حجمها الحقيقي والمنطقي؛ فهي في نهاية المطاف لا تزيد عن كونها “جلدة منفوخة بالريح” ومادة للترفيه، والاستعراض، والترويج السياحي العابر.
بيب غوارديولا
إن الأمة التي تنشد السيادة الحقيقية، والريادة الاستراتيجية، والاستقلال الفعلي في هذا العصر، هي تلك التي تبني المدارس والمستشفيات، وتستثمر في التحصيل العلمي الرصين، والابتكار التكنولوجي، والإنتاج المادي الملموس الذي يقي الشعوب غوائل الأزمات والتقلبات الجيوسياسية. وهنا أستحضر، بتأييد تام ومطلق، التصريح التاريخي والوعي الصادق الذي نطق به أحد دهاة اللعبة ومدربيها الكبار، بيب غوارديولا، حين وضع النقاط على الحروف بشجاعة صريحة قائلاً: “يجب أن يكون المعلمون والأطباء هم الأعلى أجراً في المجتمع، وهم الأهم، وليس لاعبو كرة القدم ومدربوها”.
هذا هو منطق العقل والرزانة الحقيقية، وهو ذاته المنطق الذي تنحاز إليه الدولة الصينية في عمقها الثقافي والفلسفي، ولعل هذا “الزهد الكروي” غير المعلن هو السر وراء عدم الاكتراث الفعلي بالنتائج؛ حيث تدرك بكين أن إنتاج مهندس فضاء، أو طبيب جراح، أو باحث علمي، هو الكسب الاستراتيجي المستدام الذي يصنع ثقل الأمم وهيبتها، وأن الجري خلف المستديرة يظل ترفاً ثانوياً وهوامش مستهلكة أمام معركة الوعي، والسيادة، والإنتاج الحقيقي.
و في الختام، نرقب مواجهة الخميس 9 يوليوز 2026 التاريخية ، واليقين يملأ قلوبنا بأن قطار الريادة الكروية المغربية قد انطلق بلا عودة. وفي هذا السياق الملحمي، تتوجه قلوبنا ودعواتنا الصادقة بنصر أسود الأطلس في نزالهم المرتقب ضد المنتخب الفرنسي؛ مواجهةٌ نريدها لتأكيد السيادة الكروية والندية الحضارية في أبهى تجلياتها. كما نرجو صادقين ألا تُفسد المناورات السياسية والبروتوكولات الاستعراضية نقاء هذا النزال، وألا نرى إيمانويل ماكرون في المدرجات أو متسللاً إلى مستودع ملابس لاعبينا لاستغلال الوهج المغربي في حسابات ضيقة، كما فعل سابقاً في قطر. نريدها معركة عقول وأقدام مغربية خالصة تصنع التاريخ بكرامة وثبات. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتب و أكاديمي مغربي
.jpg)
منذ 53 دقيقة
3







