وظيفة الدين الإسلامي في المجتمع الحداثي

منذ 1 ساعة 4
ARTICLE AD BOX

عبد السلام فزازي

وظيفة الدين الإسلامي في المجتمع الحداثي

الأحد 17 ماي 2026 | 13:55

في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية، والتكنولوجية، والاجتماعية، يجد المجتمع الإسلامي نفسه أمام سؤال جوهري يتعلق بوظيفة الدين الإسلامي داخل واقع حداثي متغير؛ واقع لم يعد يقبل الجمود ولا يطمئن إلى التفسيرات المغلقة، بقدر ما يبحث عن المعنى، والعدالة، والتوازن الروحي وسط عالم تحكمه المادة، والمصلحة، والاستهلاك. ومن هنا، لم يعد الدين مجرد طقوس معزولة عن الحياة، بل أصبح مطالباً بأن يستعيد دوره الحضاري والإنساني في بناء الإنسان والمجتمع معاً.

آراء أخرى

  • الأحزاب واستحمار المواطنين: حين تتحول الانتخابات إلى موسم لامتصاص الأمل..!

  • حول معتقد الأمس القديم ..

  • ما جدوى الصرف المبكر للأجور؟!

لقد جاء الإسلام، منذ بداياته الأولى، ليؤسس مجتمعاً قائماً على قيم الكرامة، والعدل، والتكافل، والمعرفة؛ لا باعتبارها شعارات أخلاقية فقط، بل باعتبارها أُسساً لتنظيم الحياة العامة. ولذلك، فإن اختزال الدين في بعض المظاهر الشكلية أو في دائرة الوعظ الضيق، يمثل ظلماً لوظيفته الحضارية الكبرى؛ فالدين في جوهره مشروع لتحرير الإنسان من الخوف، والجهل، والاستبداد، ودعوة دائمة إلى التفكير، والعمل، والإصلاح.

وفي المجتمع الحداثي، حيث تتعدد المرجعيات وتتقاطع الثقافات، تصبح وظيفة الدين أكثر حساسية وعمقاً؛ فهو مطالب أولاً بحماية التوازن النفسي والروحي للإنسان المعاصر الذي يعيش اغتراباً داخلياً وسط صخب التكنولوجيا والاستهلاك. فكلما توسعت المادة، اتسعت معها الحاجة إلى المعنى، وهنا يبرز الدين كقوة روحية تعيد للإنسان إنسانيته المهددة بالتحول إلى مجرد رقم داخل آلة اقتصادية ضخمة.

كما أن الدين الإسلامي، في سياقه الحداثي، لا ينبغي أن يكون أداة صراع، أو إقصاء، أو احتكار للحقيقة، بل فضاء للحوار، والتسامح، والتعايش. فالإسلام الذي احتضن عبر تاريخه تنوع الأعراق، والثقافات، والمذاهب، قادر اليوم على تقديم نموذج حضاري يوفق بين الأصالة والانفتاح، وبين الثوابت والتجديد؛ بعيداً عن خطاب التطرف من جهة، وبعيداً أيضاً عن الذوبان الكامل في النموذج الاستهلاكي الغربي من جهة أخرى.

ومن الوظائف الأساسية للدين كذلك، ترسيخ البعد الأخلاقي داخل المجتمع؛ فالتقدم العلمي وحده لا يصنع مجتمعاً متوازناً إذا غابت الأخلاق. إن أزمة العالم المعاصر ليست أزمة اقتصاد أو سياسة فحسب، بل هي أيضاً أزمة قيم. لذلك، يبقى الدين رافعة أخلاقية تذكر الإنسان بحدود القوة والمصلحة، وتدفعه نحو احترام الآخر والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية والإنسانية.

غير أن نجاح الدين في أداء هذه الوظيفة رهين بقدرته على تجديد خطابه، والانفتاح على أسئلة العصر، والتخلص من القراءات الجامدة التي جعلت بعض الناس ينفرون من الدين بدل أن يقتربوا منه. فالمجتمع الحداثي لا يقبل الوصاية الفكرية، بل يبحث عن خطاب عقلاني يقنع ولا يرهب، يحاور ولا يكفر، ويبني الإنسان بدل أن يسجنه داخل قوالب الماضي.

إن الدين الإسلامي، حين يتحول إلى قوة وعي وإصلاح وأخلاق، يستطيع أن يكون أحد أهم عناصر استقرار المجتمع الحديث. أما حين يتم توظيفه سياسياً، أو مذهبياً، أو تجارياً، فإنه يفقد رسالته النبيلة ويتحول إلى أداة انقسام وتشويه. لذلك، تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى إعادة الاعتبار للدين باعتباره طاقة روحية، وثقافية، وأخلاقية قادرة على المساهمة في بناء مجتمع حداثي أكثر عدلاً، وتوازناً، وإنسانية.

وفي النهاية، فإن الحداثة الحقيقية لا تعني القطيعة مع الدين، كما أن التدين الحقيقي لا يعني العداء للحداثة. وبين هذين الطرفين، يظل الإنسان هو القضية الكبرى، ويظل الدين في أنقى معانيه محاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من السقوط في الفراغ الروحي والأخلاقي، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت الوجوه.

المصدر