ARTICLE AD BOX
سعيد أهمان
بلاغة الجمهور
الأحد 17 ماي 2026 | 13:48
في المغرب، لا شيء يضاهي عبقرية “الجمهور”، ذلك الكائن الجماعي العجيب الذي لا يظهر في البطاقة الوطنية، لكنه حاضر في كل البلاغات والتبريرات والخطب والتقارير والانتخابات والمهرجانات والندوات وحتى في حفلات توزيع “الميكروفونات” على المتقاعدين من الكلام.
الجمهور عندنا ليس مجرد ناس يجلسون على الكراسي البلاستيكية ونحوها في القاعات المغلقة، بل مؤسسة قائمة الذات، لها وظائف متعددة: التصفيق عند الطلب، الغضب عند الحاجة، النسيان عند الضرورة، والدهشة الدائمة أمام الأشياء التي يعرفها مسبقا.
في المغرب، لا أحد يخاطب المواطن، بل الجميع يخاطب “الجمهور”. وشتان بين المواطن والجمهور.
المواطن يسأل: أين ذهبت الميزانيات؟ لماذا تعثرت المشاريع؟ إلى أين صارت الثروة؟ من يحاسب؟
من المسؤول عن انهيار مدرسة؟ كيف تحولت جماعة قروية إلى ضيعة انتخابية؟
أما الجمهور، فيكتفي بالتصفيق بعد سماع عبارة: هناك إرادة قوية للإصلاح.
الجمهور المغربي، كما يبدو من بعض المشاهد اليومية وفي الأحداث اليومية وما يتلوها، يملك موهبة خارقة في التعايش مع التناقضات. يشتكي من الغلاء صباحا، ثم يرقص مساء في مهرجان ممول من جيبه الضريبي. يلعن الفساد في المقاهي، ثم ينتخب ابن الفساد في الصندوق. يغضب من “الريع”، لكنه يبحث عن نصيبه الصغير منه. يهاجم الزبونية علنا، ثم يسأل سرّا: واش ما كاينش شي تدخل؟
لقد أصبحنا نعيش في زمن “بلاغة الجمهور”، لا بلاغة الدولة ولا بلاغة السياسة.
بلاغةٌ تقوم على مهارة عجيبة في تحويل الفشل إلى فرجة، والأزمة إلى مهرجان، والكارثة إلى “ترند”.
فحينما تعطلت مشاريع تنموية بملايين الدراهم، خرج البعض يتحدث عن “الإكراهات الموضوعية”، وحين غرقت مدن مع أولى قطرات المطر، قيل إن الأمطار كانت “استثنائية”.
وفي سنوات الجفاف، اكتشفنا أن الماء نفسه صار يتآمر على المسؤولين. أما الطرق التي تبتلعها الحفر، والمستشفيات التي تستقبل المرضى بأبواب مغلقة أو بخدمات متلكّئة، والمدارس التي تحولت إلى أقسام للاكتظاظ الجماعي، فكلها تدخل ضمن فلسفة مغربية عميقة اسمها: الله يدير تاويل الخير.
في المغرب، البلاغة أخطر من الفساد أحيانا، لأن الفساد يسرق المال، أما البلاغة فتسرق الوعي.
كم من مسؤول فشل في التدبير ونجح في الخطابة! وكم من منتخب لا يفرق بين الميزانية الجماعية ووصفة إعداد “الحريرة”، لكنه يتقن استعمال كلمات من قبيل: “المقاربة التشاركية”، و”الحكامة الجيدة”، و”التنزيل الأمثل”، و”الالتقائية”. وهي كلمات تُقال غالبا بنفس الطريقة التي تُستعمل بها البهارات لإخفاء رائحة الطعام الفاسد.
ولعل أعظم اختراع سياسي مغربي هو ذلك التصفيق الجماعي الذي يحدث حتى قبل انتهاء الكلام، وكأنّ الجمهور لا يصفق للفكرة بل لنجاته المؤقتة من التّفكير.
نتذكر جميعا كيف تحولت بعض الحملات الانتخابية إلى مواسم للوعود الخارقة: تشغيل الشباب، حل أزمة الماء، بناء المستشفيات، خلق الثروة، إرجاع الثقة، وأحيانا يكاد المرشح، ومن يدفعه في الخلف، يعد بإصلاح طبقة الأوزون إذا توفرت له الأغلبية…ثم تمر السنوات…، فيكتشف الجمهور أن “البرنامج الانتخابي” كان مجرد نص أدبي ينتمي إلى الواقعية السحرية.
في كل مرة، يعود المشهد نفسه: وجوه تتغير، خطابات تتشابه، والجمهور يواصل لعب دور “الكومبارس الوطني” في فيلم طويل عنوانه: الغد سيكون أفضل.
لكن، وسط هذا الضجيج، هناك مغرب آخر لا يراه كثيرون…مغرب المدرس الذي يشتغل في قرية نائية دون نقل ولا تحفيز…مغرب الطبيب الذي يقاوم نقص الإمكانيات…مغرب الصحفي المهني الذي يحاول النّجاة وسط الرّداءة والتّطبيل والابتزاز..مغرب الشباب الذين يصنعون مبادرات صغيرة بأحلام كبيرة. هؤلاء لا يتقنون بلاغة الجمهور، بل بلاغة العمل.
الدرس الحقيقي الذي علمتنا إياه وقائع المغرب ليس أن النّاس ساذجة، بل أن التّكرار يصنع التّبلد، فحين يسمع المواطن الوعود نفسها لعقود، يصبح التصفيق أحيانا مجرد وسيلة نفسية لتحمل العبث.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائما، لأن أخطر لحظة بالنسبة لأي رديء ليست حين يغضب الناس، بل حين يتوقفون عن التصفيق، عندها فقط سيفهم الجميع أن الجمهور لم يكن غبيّا كما تصوّروا، بل كان صبورا أكثر من اللاّزم.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







