ARTICLE AD BOX
عمر الطالب
مولاي هشام يطفئ شمعته 62.. ثم ماذا بعد ؟
الإثنين 09 مارس 2026 | 21:06
يوم الأربعاء 4 مارس، احتفل الأمير مولاي هشام، أو هشام العلوي كما يحلو له أن يقدّم نفسه، بعيد ميلاده 62 في جو عائلي بإقامة والده المقابلة للقصر الملكي بالرباط.
آراء أخرى
لم يعد الأمير الأحمر شاباً مندفعاً، بل أصبح رجلاً هادئاً يضع قدمه الأولى في العقد السابع، بعدما عاش الحياة بطولها وعرضها، في القصور كما في المنفى الاختياري؛ بين الرباط ونيوجيرسي، في قلب العائلة الملكية حيناً وعلى هامشها أحياناً أخرى، وبين ضجيج السياسة وصخب الآراء والمواقف التي ظلّ يعبّر عنها، والتي كلّفته ما نعرفه وما لا نعرفه.. وتلك قصة أخرى.
أتساءل أحياناً : ألا يفكر مولاي هشام في كتابة الجزء الثاني من مذكراته؟
أتذكر عندما تسرّب، أواخر سنة 2013، لأول مرة خبر استعداده لإصدار كتاب مذكراته، كيف أحدثَ الخبر صدمة في الأوساط المغربية.. وقتها، اعتقد الكثيرون أن حفيد محمد الخامس يستعد لنشر كتاب القطيعة مع عائلته، غير أنه، وكما هي عادته دائماً، فاجأ الجميع يوم صدور الكتاب في المكتبات الفرنسية، في أبريل 2014 : فما كان ينتظر البعض أن يكون كتاباً انتحارياً يهزّ أركان العائلة الملكية، لم يكن في النهاية سوى مذكرات شخصية لأمير يروي، بهدوء ونوستالجيا، حكايات خمسين سنة من الحياة العائلية في قلب الملكية.
اليوم، وقد جاوز هشام العلوي عقده السادس، وتبدّدت أسطوانة الأمير الذي يريد أن يصبح ملكاً، أو خليفة مكان الخليفة، كما في قصة Iznogoud الشهيرة في عالم القصص المُصوّرة، حيث جرى، لسنوات طويلة، إسقاط هذه الحكاية الكاريكاتورية على ابن عم الملك محمد السادس، إلى أن تحوّلت، بفعل التكرار والاجترار، إلى لازمة جاهزة تُستدعى كلما ذُكرَ اسمه في النقاش العمومي.. اليوم، وقد تبيّن أن الرجل لم يكن يسعى لشيء آخر سوى المساهمة، بأسلوبه وقناعاته، في بناء مغرب أكثر انفتاحاً وديمقراطية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة التي ظلّت تُلاحقه منذ أوّل مقال كتبه سنة 1995 على صفحات لوموند ديبلوماتيك؛ ألم يحن الوقت ليُخصّص ما بقي من عمره للعب دور المثقف العضوي كما ينبغي أن يكون : ناقداً حقيقياً، صادقاً مع نفسه ومع محيطه، مشاركاً في صناعة الرأي العام، حاملاً للمسؤولية الفكرية التي تفرضها تجربته ومكانته كامير؛ بدل الاكتفاء بمشاهدة نفسه مُحاصَرًا في قوالب جاهزة وتسطيح مبالغ فيه، كما تكرّر مؤخراً مع خرجات رضا الطاوجني التي جاءت لاقتطاف بقايا كلام مهلهل يُعيد نفسه بلا جديد منذ يوليوز 1999.
عندما أصدر عبد الله العروي، سنة 2015، الجزء الرابع من خواطره الصباحية التي تناول فيها تسجيل ملاحظاته على الخطوات الأولى لمحمد السادس في الحكم، خصصّت جريدة “أخبار اليوم” المتوقفة عن الصدور ملفاً لتحليل ما جاء في أوراق العروي بعنوان “المثقف يقول الحقيقة للملك”.
بالمناسبة، أين اختفى العروي ؟ قرأتُ الصيف الماضي “دفاتر الكوفيد” التي أصدَرها بعد نهاية الجائحة، وشعرتُ أنني أقرأ لرجل يُعلن فكّ ارتباطه بانتظارات الحياة.. يبدو ذلك طبيعياً ومفهوماً لمن جاوز التسعين؛ فما الذي يمكن للمرء أن يرجوه وهو يرى العالم من شرفة العُمر الأخيرة ؟
تساءل العروي، في أوراقه تلك، عمّا كان يشغل بال ابن خلدون وابن رشد وهم على مشارف توديع الوجود لبدء رحلة الهُنَالِكَ.. يبدو أن المفكر العجوز، أو “الشيباني” كما وصف نفسه في مذكراته الوبائية، قد أصبح في الوقت الحالي مسكوناً بهاجس الوداع الأخير؛ هو الذي كتب بوضوح جارح : “إنني أفكر أكثر فأكثر في طريقة توديع العالم دون معاناة كبيرة، وقبل كل شيء، دون إزعاج المقربين مني.”
غير أنه، ومنذ أن أصدر الجزء الرابع والأخير من “خواطر الصباح” قبل أزيد من 10 سنوات، صام بلا انقطاع عن الكلام في السياسة : لم يتحدّث عبد الله العروي عن وأد تجربة عبد الإله بنكيران الثانية، ولا عن كيف أصبحت تُمارس السياسة في البلد بعد إغلاق قوس 2011، لم يُبدِ غضباً ولا تعاطفاً مع شباب الريف الذين وُزِّعَت عليهم عقود من السجن لمجرد أنهم طالبوا بكرامة العيش في مغرب السرعتين، تابعَ بصمت مُريب عملية الإجهاز المُمنهج على ما تبقى من صحافة مستقلة، وسلسلة الملاحقات الجنائية التي تقاطرت فجأة على آخر الأقلام الحرة.. كل هذا دون أن ينبس ولو ببنت شفة.
دعونا نقولها بصراحة : ما حاجتنا لمثقف، اكتفى طيلة حياته بالتنظير من بُرجه العاجي، دون أن يجرؤ مرة واحدة على تبنّي القضايا الحقيقية التي تُحدد مصير الأمة وتؤرق بال جيل كامل يعيش في قاعة انتظار كبرى ؟
هنا بالضبط تظهر الحاجة إلى مثقفين من طينة هشام العلوي. فإذا أصبح اليوم جزء كبير من المثقفين يخشون التعبير عن قناعاتهم وأفكارهم (مع استثناء بعض الأصوات القليلة جدا) فإن هشام العلوي يحظى بحرية وامتياز التعبير عن آرائه كما يريد ومتى يريد، دون الخوف من أي مضايقات أو متابعات. أوليس الرجل أميراً ابن عم الملك، ما يجعله محصّناً ضد أي صيحات من هنا أو تهديدات من هناك ؟ شكون بحالو !
في حديث قديم عن الحياة داخل القصر الملكي، قال مولاي هشام كلاماً يستحق الوقوف عنده جاء فيه : «إننا في القصر نعيش في فقاعة.. إنه تشويه رهيب للواقع يمكن أن يؤدي إلى الخراب ! فلو كنتُ أردتُ تثبيت مكاني كأمير، ما كنتُ لأترك مكاني بجوار الحسن الثاني».
اليوم، وقد غادرتَ “الفقاعة” لتعيش كل الإمكانات المتاحة لك، وأنتَ تُطفئ شمعتك الثانية والستين، تَذكّر أن أجمل ما في الحرية ليس التخلص من الأغلال، بل القدرة على قول الحقيقة في زمن الصمت.. وكما قال محمد الساسي غداة اعتلاء ابن عمّك العرش : “إن من يُحب ملكه عليه أن يقول له الحقيقة كاملة”. عيد ميلاد سعيد وعُمر مديد.
.jpg)
منذ 1 شهر
14







