ما السبيل للخروج من حالة الجمود البنيوي؟

منذ 6 أشهر 10
ARTICLE AD BOX

ما السبيل للخروج من حالة الجمود البنيوي؟

الأحد 12 أكتوبر 2025 | 13:14

إن الاحتجاجات التي امتدت لأكثر من عشرة أيام هي بمثابة “صفعة لاسترجاع الذاكرة” أو صدمة اجتماعية، تتجلى أهميتها القصوى في كونها لم تكن مُنشئة للاستياء، بل كانت كاشفة له؛ أي لوجود إحساس عميق ومزمن بالتهميش وفقدان الأفق الاقتصادي والسياسي، الذي كان مخبأ تحت السطح الهادئ، ليتجسد الآن في صورة انفصال بنيوي بين الفاعلين الاجتماعيين وبين النسق العام. يمثل هذا الانفصال مؤشراً لا يمكن تجاهله على تآكل “التضامن العضوي” (Organic Solidarity)بالمعنى الدوركايمي، الذي يفترض التكامل الوظيفي والترابط الآلي بين مكونات المجتمع الحديث والمعقد. لأن غياب هذا التكامل ينذر بتفكك الشبكة الاجتماعية الجامعة.

آراء أخرى

  • لماذا انتصر الملك لمؤسسات  الدولة الدستورية؟

  • المغرب الصاعد.. إلى أين؟

  • استراحة في حرب طويلة

تبرز هذه الاحتجاجات بشكل جلي رفضاً عميقاً للانخراط في الممارسة السياسية التقليدية (كالانضمام للأحزاب القائمة، أو التفاوض معها). وتُصنَّف المؤسسات السياسية من قبل المحتجين بأنها غير صاغية، ويُنظر إليها كجهاز مغلق (Closed Apparatus) وفاقد للقدرة على التمثيل الفعلي والموضوعي لهموم الطبقات الشعبية، والقضايا المجتمعية الأساسية. وعليه، يصبح التحدي الأكبر هو مواجهة ما يمكن تسميته بـ”الأنساق المغلقة” (Closed Systems) التي تفرضها البيروقراطية الصلبة والنخب الحاكمة المتشبثة.وأمام هذا التحدي البنيوي المعقد، يكمن الحل في ضرورة صياغة رؤية جماعية استراتيجية لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي المرفوض، وذلك عبر تبني مسارات ثلاثية الأبعاد تركز على الفعل داخل البنية وخارجها:

إعادة هيكلة الفاعلين وتجاوز الحتمية البنيوية

تستلزم هذه الخطوة انخراطاً واسعاً ومُعاد التنظيم من جميع مكونات المجتمع المدني والطبقات الاجتماعية لـتأسيس إطار عمل جديد يخرج عن عباءة القوى التقليدية. والأهم هو ظهور “وجوه جديدة” قيادية، قادرة على تبني مشروع التغيير الاجتماعي بجرأة ورؤية واضحة. يشدد هذا المسار على الأهمية المحورية للفاعل في تجاوز الحتمية البنيوية (Structural Determinism) التي تحاول فرضها البنى القائمة. يجب أن يكون التفكير استراتيجياً، لا يقتصر فقط على العمل ضمن البُنى المؤسساتية المتاحة (كالمشاركة السياسية العادية)، بل يمتد إلى ابتكار بنيات جديدة تتجاوز مقاومة النسق التقليدي وتخلق قنوات فعل بديلة.

الاستثمار في الرأسمال الاجتماعي

من الضروري بمكان مرافقة الجيل الجديد والفاعلين في عملية الفهم العميق والتحليلي للبنية السياسية وشبكة تعقيداتها وتبعياتها الإقليمية والدولية. يجب إدراك أن التغيير ليس حدثاً لحظياً، بل هو مسار تاريخي من الصراع الاجتماعي وتبادل القوى. هذا المسار يستلهم رؤية “كارل ماركس” في إطار الصراع الطبقي كمحرك للتاريخ، كما يلامس تحليل “ماكس فيبر” لـصراع القوى وأنواع الشرعية. إن استجابة الدولة للتحديات قد يكون نتاج مباشر لـموازين القوى التي قد تميل حالياً لصالح النخب الانتهازية والجهات الفاقدة للشرعية المجتمعية. وبالتالي يصبح الاستثمار في الرأسمال الاجتماعي (Social Capital)ضرورة ملحة، أي بناء شبكة قوية من العلاقات، الثقة المتبادلة، والمعايير الأخلاقية والاجتماعية المشتركة التي تُمكّن من الفعل الجماعي الفعال والمنسق وتزيد من قدرة المجتمع على الضغط والمقاومة.

تفكيك آليات الهيمنة عبر التموقع التكتيكي

قبل الشروع الكامل في خارطة طريق بديلة كبرى، هناك حاجة ملحة إلى “لعب تكتيكي” يهدف إلى تقويض ممنهج لنفوذ الشبكات الفاسدة. يكمن هذا التكتيك، ربما في المشاركة الفعالة والاستراتيجية في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. الهدف هنا ليس بالضرورة تحقيق التغيير الجذري الفوري، بل إحداث اختراق كمي ونوعي في عملية التدبير عبر إدخال فاعلين جدد ونظيفين لمنافسة الطبقة السياسية المهيمنة على مواقع القرار.هذا المسار قد يشبه محاولة تغيير توزيع “رأس المال السياسي” (Political Capital) في حقل السلطة وفقاً لمفاهيم “بيير بورديو”. يمكن لهذا المسار المزدوج (الضغط الجماهيري من الخارج والمشاركة المؤسساتية التكتيكية من الداخل) أن يحقق على المدى البعيد إعادة تموضع البوصلة الاجتماعية، وتشكيل ملامح المجتمع البديل المنشود القائم على العدالة والشرعية الحقيقية.

وعلى رأي عالم الاجتماع ” روبرت ميرتون” “يمكن للبنيات الاجتماعية التي كانت فعالة (وظيفية) في وقت ما، أن تصبح مع الزمن معيقة للتغير أو غير قادرة على تلبية الاحتياجات المتطورة للمجتمع (خلل وظيفي). هذا الخلل هو جوهر الجمود، حيث يستمر الهيكل القائم رغم تسببه في نتائج سلبية”.

المصدر