ARTICLE AD BOX
الطيب آيت أبـاه
مول الحانوت: قَضيّةٌ أوسَع مِن مساحة دُكّان!!
الجمعة 01 ماي 2026 | 14:40
تحت لقب “مول الحانوت” لمع كأحد أبرز الأصوات المدافعة عن قطاع تجار القرب في المغرب. هو فاعل مهني وكاتب رأي مغربي، جمع في مسيرته بين الشرعية الميدانية والمؤسساتية والإعلامية، ما جعله حالة استثنائية نقلت هَمّ “مول الحانوت” من المحلي إلى الإقليمي والوطني ثم إلى الفضاء الدولي.
آراء أخرى
ينحدر من منطقة طاطا، ومزداد بمدينة الرباط، هذا المزج بين جذور الجنوب المنغرسة في تربة المقاومة وجيش التحرير ونشأته بعاصمة المغرب المتحادث والديناميكي صقل وعيه بهموم الهامش والمركز معاً. مارس تجارة القرب لأكثر من ربع قرن بمدينتي الرباط وتمارة. اضطر لترك الدراسة في شعبة العلوم التجريبية على مستوى البكالوريا ليتفرغ للتجارة، إثر وفاة عمه، دعماً لوالده الذي كان يعيل أسرة كبيرة. ذلك الانتقال القسري من حلم التحصيل العلمي إلى “الكونطوار” شكّل هاجسه النضالي لاحقاً.
تدرج في العمل المؤسساتي حتى شغل منصب رئيس لجنة الإعلام والتواصل بالغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات لجهة الرباط–سلا–القنيطرة. كما نشط في عدة تنظيمات وطنية مهنية، وساهم في تأسيس جمعيات مهنية لتجار القرب بهدف إخراجهم من العزلة وإيجاد صوت جماعي لهم. لم يكتفِ بالنضال من خارج الإطارات، بل خاض معركته من داخلها أيضاً.
انطلقت تجربته في الكتابة من جريدة “الأسبوع الصحفي” العريقة، المنبر الذي احتضن بواكير قلمه ومنحه مساحة للتعبير عن هموم “مول الحانوت“. ومن هناك تميز بقلمه الفصيح الذي وثّق معاناة القطاع. يعرّف نفسه قائلاً: “أنا لستُ كاتباً يترف في برجٍ عاجي، ولا محللاً يرصف الأرقام على الورق. أنا المُكنّى بين الناس بـ مول الحانوت. أنا الشاهد، والمشهود عليه. أنا الضحية، والقضية“.
أسلوبه مباشر وصارم، يصف وضعية القطاع بـ “الموت السريري” و“جسداً مسجّى على قارعة الطريق الاقتصادي“. ويؤكد: “لا يهادن بضميرٍ مستتر من خلف الكواليس اقتناصاً للفرص، بل يجلد جِهاراً، نهاراً، بلغة الضاد“. اختار الكتابة بالفصحى عن وعي، مردداً: “فإن لم تنصفنا لغة الضاد، فمن ينصفنا؟“. ومن تشخيصه الدقيق قوله: “هوى هامش الربح، فانطفأ التنفس.. استشرى الدين، فتوقف النبض“.
وهو لا يكتب من باب “خالف تُعرف“، بل على أساس أن الاختلاف محفز على ابتكار أفكار جديدة لا تفسد للود قضية. لذلك جاءت كتاباته صريحة في النقد، رصينة في الطرح، تحترم المؤسسات وتجلد الاختلالات.
نقل قضية “مول الحانوت” إلى تحت قبة البرلمان في لقاءات وُصفت بالتاريخية. ترافع باسم تجار القرب في لقاء احتضنه البرلمان وُصف بأنه ذو بعد إفريقي، حيث طرح هموم القطاع أمام ممثلي المؤسسة التشريعية بلغة جمعت بين الوجع والمسؤولية.
وفي لقاء برلماني آخر، تلا مداخلة ساخرة ومفارقة، طالب فيها بنقل قطاع تجارة القرب من وصاية وزارة التجارة إلى وزارة السياحة، متنبئاً بمرارة أن “مول الحانوت” سيصير تحفة تراثية يزورها السياح لالتقاط الصور معها بعد انقراضه. كانت محطة جريئة في الشكل، لكنها مررت رسالة عميقة عبر نافذة الرأي والرأي الآخر بأسلوبٍ مَرِن، مفادها أن السياسات الحالية تدفع القطاع نحو المتحف بدل التنمية.
تجاوز حضوره المنابر الوطنية إلى الساحة الدولية، فكان سبباً في خروج قضية “مول الحانوت” من إطارها المحلي إلى العالمية. شارك في برنامج “وجها لوجه” على قناة فرانس 24 لمناقشة انتشار متاجر “بيم” وتبعات اتفاقية التبادل الحر مع تركيا. حل ضيفاً على برنامج “مباشرة معكم” بالقناة الثانية المغربية خلال الإضراب الوطني للتجار، وكان من المؤطرين البارزين لهذه المحطة الاحتجاجية.
أجرى جولة ميدانية في السوق مع وكالة الأنباء الإسبانية لتقديم صورة “مول الحانوت” المغربي للرأي العام الأوروبي. كما ظهر على قناة “الحرة“، وأدلى بتصريحات لـ “بي بي سي عربي” و“الجزيرة نت” و“عربي بوست” حول أزمات القطاع، من الضرائب إلى المنافسة غير المتكافئة. وشارك في برامج إذاعية باللغتين العربية والأمازيغية.
طرح مبكراً حلاً عملياً لمواجهة زحف المتاجر الكبرى، تمثل في إنشاء “مركز للشراء المشترك” يجمع تجار القرب في تكتل يسمح لهم باقتناء السلع جماعياً وبأثمنة منخفضة. وأكد أن “تكتل تجار القرب هو الحل الوحيد لضمان عدم انقراض هاته الفئة“.
وفي 2018 سعى لتنظيم لقاء تأسيسي كبير تحت اسم ABEQQAL بالمركب الرياضي مولاي عبد الله بالرباط. غير أن اللقاء أُلغي بسبب التشويش على شركائه وحملة تعبئة مضادة قادها منافسون. استغلوا جهل بعض التجار لإفشال المبادرة عبر نشر الإشاعات والتخويف، فأُجهضت فكرة كانت سابقة لوقتها.
“مول الحانوت” هذا، تركيبة نادرة جمعت أربع شرعيات: شرعية الميدان بعقود من التجارة؛ وشرعية المؤسسة برئاسته للجنة الإعلام بالغرفة ومساهمته في تأسيس الجمعيات؛ وشرعية القلم بتشخيصه الدقيق بلغة الضاد؛ وشرعية الميكروفون بحضوره في البرلمان وكبريات المنابر الدولية.
تفوق على غيره لأنه ناضل من داخل الإطارات وخارجها، ومرر رسائله بجرأة واحترام للمؤسسات. نجح في تحويل “مول الحانوت” من رقم هامشي إلى قضية رأي عام وطني ودولي. ورغم أن مشروعه العملي الأكبر أُجهض، فإن التوسع المتسارع للمتاجر الكبرى أثبت صوابية رؤيته الاستباقية.
هو “مول الحانوت” الذي حمل جذور طاطا ونشأة الرباط، فحمل هم القطاع من الزنقة إلى البرلمان إلى الشاشات العالمية. دخل المؤسسات بقلم المثقف وضمير التاجر، فخرج منها بقناعة أن الكلمة الصادقة أقوى من المحاضر الرسمية، وأن “مول الحانوت لن يموتَ إلا بأجلٍ مسمّى“.
فهل تتكرر نسخة أخرى من “مول الحانوت” في قطاع تجارة القرب، أم أنه كان الفرصة التاريخية المهدورة التي لم تُستثمر في حينها؟
.jpg)
منذ 1 ساعة
2






