دعونا من الخربشات

منذ 1 سنة 5
ARTICLE AD BOX

عبد السلام فزازي

دعونا من الخربشات

الخميس 10 أبريل 2025 | 15:57

الكتابةُ التي لا تقودك إلى المزيد من الكتابة؛ لا تعدو أن تكون إلا هرثا” موقفا صارما تجاه طبيعة الكتابة وجدواها، ويعكس تصورا معرفيا وجماليا يربط بين الفعل الإبداعي واستمراريته كتعبير عن حيوية الفكر وصدقه. في هذا القول، تفهم الكتابة باعتبارها ممارسة لا ينبغي أن تكون معزولة أو منقطعة، بل فعلا ديناميا، متجددا، وفاعلا في الذات الكاتبة بقدر ما هو فاعل في القارئ والعالم. فحين يتحدث عن “الخربشات”، فإنه لا يقصد فقط الكتابات الضعيفة أو المرتجلة، بل كل إنتاج لغوي لا يحمل في داخله طاقة توليدية، لا يدفع صاحبه إلى الاستمرار، ولا يفتح أفقا للمعنى، ولا يحرض على التفكير، أي أنه يعرّي كل كتابة عاقر، تكتفي باللحظة، وتكتمل عند حدودها، وتفشل في أن تكون حافزا لفعل كتابي آخر.

آراء أخرى

  • العرب والانهيار الأكبر

  • جدل دعم المواشي وكيف تم التلاعب بالأرقام؟

  • هل فشل المبعوث الأممي دي ميستورا في مهمته؟

يتأسس هذا التصور على قناعة عميقة بأن الكتابة ليست لحظة وحيدة أو نوبة وجدانية منعزلة، وإنما سيرورة معرفية وجمالية تستبطن الحركة، وتستدعي التراكم، وتبحث عن التفاعل مع الذات والواقع. لذا فإن الكتابة الحقيقية عند الدكتور عبد السلام فيزازي هي تلك التي تشعل في صاحبها الرغبة في الاستمرار، وفي الحفر، وفي استنطاق اللغة والذات والعالم. أما الكتابة التي تنتهي حيث تبدأ، فهي مجرد “هرث”، أي هراء، عبث لغوي لا طائل من ورائه. هنا تتبدى خلفية نقدية صارمة ضد كل أشكال التسطح والتكرار والعجز عن الإضافة. فكأنما الدكتور عبد السلام فيزازي يعيد ترتيب القيم الكتابية: ليست الكتابة ما نكتبه، بل ما تفتحه كتاباتنا فينا من شهية للمزيد من الكتابة، ما تخلقه في وعينا من أسئلة وقلق وأثر.

إن هذا الموقف يحمل في طياته بعدا وجوديا، حيث الكتابة تصبح أسلوب حياة، ونمط تفكير، ومعراجا لفهم الذات والواقع، وليس مجرد تمرين شكلي أو استعراض بلاغي. وهو بذلك يرفض النزعة الاستعراضية التي تطغى أحيانا على بعض المنتوجات الثقافية، والتي لا تنبع من عمق حقيقي، ولا تستند إلى حاجة داخلية، بل تتكئ على وهم الإنجاز اللحظي. وفي هذا السياق، تكتسب العبارة بعدا تحذيريا كذلك: كأنما الدكتور عبد السلام فيزازي يحذر الكتاب، لا سيما الجدد، من الانخداع بإغراء النشر، أو الاكتفاء بالسطح، أو الانغماس في كتابة بلا أفق.

من جهة أخرى، يفترض هذا القول أن هناك نوعا من الكتابة المتعالية، التي تتجاوز الوظائف الأولية للكلام، والتي تطمح إلى مساءلة الواقع، والتفاعل مع العالم، والبحث عن المعنى في التعدد والتوتر والاختلاف. فكتابة كهذه لا يمكن أن تكون “خربشة”، لأنها، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، فإنها تشكل امتدادا لقلق وجودي، ولرغبة معرفية، ولنزوع نحو إنتاج الأثر. وبذلك، فمعيار الكتابة الجيدة، وفقا لهذا التصور، لا يرتبط فقط بما تتركه في المتلقي، بل أساسا بما تتركه في الكاتِب ذاته: هل دفعته إلى أن يكتب أكثر؟ وهل حرّضته على أن يغامر أكثر في ذاته وفي اللغة وفي التفكير؟

يتبدى في هذا القول إذن تمجيد للكتابة بوصفها شغفا لا يروى، وبحثا لا ينتهي، وقلقا لا يستكين. كما يظهر فيه نقد ضمني لكل كتابة تنتج من باب التسلية أو المجاملة أو التكرار، من دون أن تحرك في صاحبها شيئا، ومن دون أن تكون فعلا نابعا من حاجة داخلية. لهذا، تبدو عبارة الدكتور عبد السلام فيزازي شديدة الصرامة، لكنها تحمل داخلها نزاهة فكرية وصدقا إبداعيا عميقا. فهي تدعو إلى تجديد العلاقة مع الكتابة، إلى أن تكون كتابة منتجة للمعنى، محفزة على المزيد من القول، لا أن تكون مجرد لحظة انفعالية معزولة أو تمرين بلاغي بارد.

بذلك، تصبح الكتابة الحقيقية، وفقا لهذا المنظور، ليست ما يكتب، بل ما يولد، ليست النتيجة، بل الأثر، ليست النهاية، بل بدايات جديدة. ومن هنا، فإن أصدق الكتابات هي التي تضعك أمام ورقة جديدة بعد أن تفرغ من الأولى، لا لأنك لم تشبع ما أردت قوله، بل لأنك أدركت أن ما كتبته كشف لك عن مناطق جديدة لم تكتشفها بعد فيك أو في العالم. الكتابة التي لا تفعل ذلك، لا تستحق أن تُسمى كتابة، وإنما هي، كما قال، مجرد “هرث”.

المصدر