استفتِ قلبك

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

سعيد أهمان

استفتِ قلبك

الأحد 03 ماي 2026 | 13:40

في زمنٍ تضخّمت فيه الأصوات حتى غطّت على جوهر الحقيقة، لم يعد السّؤال: ماذا نسمع؟ بل: ماذانُصدّق؟

آراء أخرى

  • منجب والتراكتور: هل تحول معرض الكتاب إلى ضيعة حزبية؟

  • لماذا لا ينتج الاقتصاد المغربي ما يكفي من فرص الشغل؟

  • حسم ملف نزاع الصحراء المغربية وصل مداه وقمته وأي تردد أو تأخير يعتبر تأخُّراً

تتكاثر الآراء كما تتكاثر الظّلال عند الغروب، طويلة ومضلِّلة، بينما الحقيقة تقف في زاويةٍ خافتة، لا تصرخ، لكنّها لا تموت. هنا، يبدأ الامتحان الحقيقي: هل ننقاد إلى الجلبة، أم نصغي إلى ذلك الهمس العميق الكامن في الدّاخل؟

ليس القلب، في هذا المقام، مجرّد عضو نابض، بل هو محكمة صامتة، وميزان دقيق، وبوصلة أخلاقية لا تعرف الكذب. هو ذاك الصوت الذي لا يجيد البلاغة، لكنّه يُجيد الصّدق؛ الذي لا يملك حشودا، لكنه يملك يقينا. غير أننا، في زحمة المصالح وتواطؤ الأعذار، نحاول مرارا إسكاته، نُخدّره بحججالضّرورة، ونُغرقه في ضجيجالواقع، حتى يكاد صوته يبهت، لكنّه لا يختفي.

كم من قرارٍ رُفع فيه لواء العقل، وهو في حقيقته انحناءة خفيّة أمام الهوى؟ وكم من موقف أُلبس ثوب الحكمة، وهو في جوهره فرار من مواجهة الذّات؟ فأخطر ما يهدّد الإنسان ليس جهله بالحقيقة، بل قدرته على تزويرها داخليا حتى يطمئن لخطئه. هنا، تتحوّل المأساة من خطأ عابر إلى منهج حياة.

اليوم أصبحنا نعيش في سوقٍ مفتوحة تُباع فيها القناعات، وتُؤجَّر فيها الضّمائر، وتُفصَّل فيها المبادئ على مقاس المصالح. يُجمَّل الزّيف حتى يبدو ذكاءً، ويُصوَّر الصّدق على أنّه سذاجة مكلّفة. في هذا المناخ الملبّد، يصبح استفتاء القلب فعل مقاومة، لا مجرد فضيلة؛ تمرّدا هادئا على الانحدار، لا رفاها أخلاقيًا.

غير أن الحقيقة المُرّة التي ينبغي الاعتراف بها: ليس كل قلب صالحا للاستفتاء. فالقلب الذي تراكمت عليه طبقات التّبرير، وتغذّى طويلا على الكذب، واعتاد التّواطؤ مع الخطأ، يفقد حساسيته تدريجيا. يصبح كساعة معطّلة، لا تشير إلى الزّمن إلاّ صدفة. وعندها، لا يعود الإنسان يشعر بوخز الخطأ، بل قد يستسيغهبل ويدافع عنه. تلك هي اللّحظة التي يبلغ فيها الانحراف ذروته: حين يختفي الشّعور بالذّنب.

لذلك، فإن استفتاء القلب ليس خطوة أولى، بل نتيجة مسار طويل من التّنقية  والتطهير والتزكية والمراجعة. هو ثمرة شجاعة داخلية قوامها الاعتراف، والمحاسبة، والقدرة على قول:كنت مخطئا. فالقلب الذي لا يُحاسِب، لا يُحسن الحكم؛ والذي لا يتطهّر، لا يُنصف.

في ميادين العمل، في دهاليز السّياسة، في غرف التّحرير، وفي تفاصيل العلاقات اليوميةنحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الميزان الدّاخلي. أن نكتب ما نؤمن به، لا ما يُملى علينا. أن نقول ما نعتقده صوابا، لا ما يُرضي اللّحظة. أن لا نصمت حين يكون الصّمت خيانة، ولا نتكلّم حين يكون الكلام تزويرا. فالكلمة، حين تنفصل عن الضّمير، تتحوّل من أداة بناء إلى معول هدم.

ستفتِ قلبكليست دعوة للعاطفة المنفلتة، ولا تبريرا للانطباعية السّطحية، بل هي دعوة ء لضمير يقظ، ووعيٍ أخلاقي عميق. إنّها تذكير بأن الحقيقة لا تُقاس فقط بميزان المنطق، بل برجفة الشّعور حين نقترب منها أو نبتعد عنها. وأنّ الإنسان، مهما امتلك من أدوات التّحليل، يظلّ في حاجة إلى نور داخلي لا يخضع للمساومة.

قد تخدعك العيون بما ترى، وتُضلّلك العقول بما تبرّر، وتُغريك الكلمات بما تُزيّن، لكنّ القلب، إن بقي حيّا، يظلّ آخر الحصون. لا يخون، ولا يساوم، ولا يصفّق للباطل. فاستفتِه، قبل أن تصمت، وقبل أن تتكلّم، وقبل أن تختار الطّريق والقرار للمسار.

المصدر