الحجاج في البلاغة الحديثة..

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

عبد السلام فزازي

الحجاج في البلاغة الحديثة..

الأحد 03 ماي 2026 | 13:34

لم يعد الحِجاج في البلاغة الحديثة مجرد أداة للإقناع أو وسيلة لتغليب رأي على آخر، بل تحوّل إلى بنية فكرية معقدة تتداخل فيها اللغة مع الثقافة، والمنطق مع السياق، والذات مع الآخر. لقد انتقل الحجاج من كونه تقنية خطابية تقليدية إلى كونه فعلاً تواصليًا يستهدف بناء المعنى داخل فضاء مشترك بين المتكلم والمتلقي.

آراء أخرى

  • استفت قلبك

  • منزل  الجرذان

  • مول الحانوت: قَضيّةٌ أوسَع مِن مساحة دُكّان!!

في التصورات الكلاسيكية، كان الحجاج مرتبطًا بالخطابة، حيث يُقاس نجاحه بمدى قدرة المتكلم على التأثير في الجمهور. غير أن البلاغة الحديثة، خاصة مع أعمال المفكرين أعادت تعريف الحجاج باعتباره سيرورة عقلانية تسعى إلى كسب موافقة العقول لا إخضاعها. فالإقناع هنا لا يقوم على السلطة، بل على الحجة، ولا على الإكراه، بل على التفاعل.

تقوم البلاغة الحجاجية الحديثة على مبدأ أساسي مفاده أن الخطاب لا يُنتج في فراغ، بل يتشكل داخل سياق اجتماعي وثقافي محدد. فكل خطاب هو استجابة ضمنية أو صريحة لخطابات أخرى، وهو ما يجعل الحجاج فعلًا حواريًا بامتياز. ومن هنا، يصبح المتلقي شريكًا في بناء المعنى، لا مجرد مستقبل سلبي.

كما أن الحجاج الحديث لا يقتصر على اللغة اللفظية، بل يتجاوزها إلى الرموز والصور والإيحاءات. فالصورة، على سبيل المثال، قد تحمل شحنة حجاجية تفوق أحيانًا قوة الكلمات، لأنها تخاطب المخيال الجمعي وتستدعي تمثلات عميقة. وهنا يتقاطع الحجاج مع السيميائيات، حيث تتحول العلامات إلى أدوات للإقناع والتأثير.

ومن أبرز ملامح الحجاج في البلاغة الحديثة أيضًا، اعتماده على ما يُعرف بـ”الاستراتيجيات الحجاجية”، مثل التمثيل، والمقارنة، والاستعارة، والتضمين الثقافي. هذه الأدوات لا تعمل بمعزل عن السياق، بل تُفعل داخله، مما يجعل الخطاب الحجاجي شبكة من العلاقات الدلالية التي تتجاوز ظاهر القول.

غير أن هذا التحول لم يخلُ من إشكالات، إذ يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الحجاج دائمًا في خدمة الحقيقة، أم أنه قد يتحول إلى أداة للتلاعب؟ في زمن الإعلام الرقمي، حيث تتكاثر الخطابات وتتداخل، يصبح من الضروري التمييز بين الحجاج القائم على أسس عقلانية، وذلك الذي يوظف المغالطات لخدمة أغراض أيديولوجية.

إن البلاغة الحديثة، وهي تعيد الاعتبار للحجاج، لا تسعى إلى إحياء الخطابة القديمة، بل إلى تأسيس وعي نقدي يمكن من فهم آليات التأثير في الخطاب، ومساءلة ما يُقدم على أنه بديهي أو مسلم به. فالحجاج، في جوهره، ليس مجرد إقناع، بل هو دعوة إلى التفكير، وإعادة النظر، وبناء المعنى المشترك.

المصدر