منجب والتراكتور: هل تحول معرض الكتاب إلى ضيعة حزبية؟

منذ 2 ساعات 3
ARTICLE AD BOX

 لم يكن انتقال المعرض الدولي للنشر والكتاب من رحاب الدار البيضاء إلى العاصمة الرباط مجرد تغيير جغرافيا، بل بدا مع مرور السنوات وكأنه انسلاخ عن روح الكِتاب ذاته، وتحول تدريجي نحو فلكلور إداري تسيطر عليه الحسابات الضيقة وتغيب عنه الرؤية الثقافية الحقة.

آراء أخرى

  • استفتِ قلبك

  • لماذا لا ينتج الاقتصاد المغربي ما يكفي من فرص الشغل؟

  • حسم ملف نزاع الصحراء المغربية وصل مداه وقمته وأي تردد أو تأخير يعتبر تأخُّراً

في قراءة متأنية لخلفيات القائمين على تدبير هذا المحفل الدولي، يصطدم المتتبع بواقع مرير، فبدلا من إسناد المهمة لرجالات الفكر وأهل الاختصاص الذين خبروا سياقات النشر وصناعة الكتاب، فتح الباب على مصراعيه لأسماء لا تجد في سيرها الذاتية سوى “القرب” من حزب الوزير الوصي على قطاع الشباب والثقافة والتواصل.. لقد تحول المعرض إلى غنيمة سياسية، حيث يتم توزيع الأدوار بناء على الولاءات لا الكفاءات، مما أنتج إدارة تفتقر للحساسية الثقافية وتتعامل مع الكتاب كسلعة جافة ومع المثقف كـ “ضيف ثقيل”.

ما يزيد الطين بلة هو ارتماء هذه الإدارة في أحضان فئة من “الطفيليين” الذين تسللوا حتى من أسوار الجامعة، ممن استمرأوا التقاط الفتات والترصد للمكاسب الصغيرة، محولين الفضاء الجامعي والأكاديمي إلى أداة لتزكية الفشل الإداري وتلميعه مقابل أعطيات لا تُسمن ولا تُغني من جوع، بل تُهين كرامة العلم وأهله…

على المستوى التقني لا يزال الإصرار على نصب خيام وأروقة مصطنعة تفتقر لأبسط معايير الراحة يثير التساؤلات حول جدوى صرف الميزانيات الضخمة.. إن الزائر اليوم يجد نفسه وسط أفران تشتد فيها حرارة الشمس، مما يحول متعة القراءة والبحث بين الرفوف إلى رحلة عذاب، تنتهي بدفع الرواد إلى مغادرة الأروقة على عجل.

هذا الفشل المعماري واللوجستي يعيد إلى الواجهة المطلب الشعبي والثقافي الملح.. إعادة المعرض إلى فضائه التاريخي والأصيل بالمعرض الدولي بالدار البيضاء، حيث البنية التحتية المهيأة والارتباط التاريخي العضوي بجمهور العاصمة الاقتصادية.

تعدى العبث سوء التسيير ليطال قدسية الذاكرة الأكاديمية، فكان إقصاء جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء طعنة في خاصرة التاريخ الثقافي للمعرض…

غياب هذه المؤسسة الجامعية التي طالما أثرت النقاش العمومي بجدية واقتدار، يكشف عورة التدبير الحالي الذي يستبدل الكفاءة التاريخية بالولاءات الضيقة.

لكن القشة التي قصمت ظهر البعير في هذه الدورة، كانت الممارسات الإقصائية التي استهدفت شخوصا بعينها، وعلى رأسها واقعة منع المؤرخ والحقوقي المعطي منجب من ولوج المعرض.

إن منع مفكر وقامة علمية من دخول معرض الكتاب هو وصمة عار في جبين الإدارة الحالية، وتحويل للمنصات الثقافية إلى مراكز تفتيش إيديولوجي.

هذا المنع الذي ينم عن رهاب من المواجهة الفكرية لم يزد منجب إلا رفعة، ولم يزد المنظمين إلا تقزما في عيون المثقفين الغاضبين الذين يرون في هذه التصرفات عودة لأساليب المنع التي ظن المغرب أنه قطع معها.

إن منع مثقف أو حتى مواطن عادي، من ولوج حرم معرض الكتاب، ليس مجرد هفوة تنظيمية، بل هو سابقة خطيرة تدون بمداد من التوجس في سجل وزارة المهدي بنسعيد.. فالمعرض الدولي للنشر والكتاب ليس ضيعة خاصة تمنح صكوك الدخول لمن تشاء وتمنعها عمن تشاء، بل هو فضاء سيادي ملك لجميع المغاربة، والمنع فيه لا يستند إلى أي مسوغ قانوني أخلاقي.

لطالما سوّق المغرب لنفسه كواحة للتعايش والتعددية وسط محيط مضطرب… إن مشهد منع مؤرخ بقامة المعطي منجب من دخول تظاهرة ثقافية، يضرب هذا التسويق في مقتل، ويقدم مادة دسمة للتقارير الدولية التي تترصد الثغرات الحقوقية ببلادنا.

حين يمنع حارس أمن أو مسؤول إداري مواطنا من ممارسة حقه الطبيعي في التثقيف، فإنه يبعث برسالة صاعقة مفادها أن المزاج الأمني والولاء الحزبي أقوى من الحقوق الدستورية المكتسبة.

إن الإساءة التي طالت صورة المغرب بين الأمم جراء هذا التصرف تفوق بكثير أي إنجاز قد تدعيه الوزارة في تنظيم المعرض.. فالعالم لا يقيس نجاح معارض الكتب بنوعية الأروقة أو عدد الزوار، بل بمقدار الحرية التي يتنفسها المبدعون والقراء داخل تلك الأروقة.

يتجاوز هذا المنع شخص المثقف ليصيب جوهر الحرية، فالمبدع الذي يشهد حصار زميله عند المداخل، يوقن أن مداده الذي يفيض بالحقائق قد يغدو غدا جواز سفر مرفوضا في وطن يفترض أن يسع الجميع.

هكذا أمعنت وزارة بنسعيد في الإساءة بهذا التصرف الرعن ثقلا جديدا إلى كفة المساوئ التي تسيء لسمعة المغرب الحقوقية. إن تسييج الفكر بالمنع هو اعتراف صريح بالضعف، فالدول الواثقة من نفسها لا تخشى دخول المثقفين والمؤرخين لمعارض الكتب، بل تخشى من التاريخ حين يدون بمرارة أن الثقافة في عهدها أصبحت تدار بعقلية الشاوش لا بعقلية المفكر.

إن ما يشهده معرض الكتاب بالرباط اليوم ليس مجرد سوء تدبير، بل هو اغتيال مع سبق الإصرار لهوية الفعل الثقافي.. حيث طغت لوثة الغنائم الحزبية على قدسية الحرف، واستبدل أهل الفكر بجيوش من المريدين والمنتفعين الذين لا يفرقون بين الكتاب وبين الدعاية الانتخابية…

إن إصرار الإدارة على تبذير المال العام في نصب أفران تحت مسمى الخيام، وفي إرساء طقوس المنع البائدة ضد الرموز الفكرية كالمعطي منجب، هو إعلان صريح عن إفلاس أخلاقي وإداري شامل.

أما آن الوقت للقطع مع هذا العبث؟ وتطهير قطاع الثقافة من منطق الزبونية والولاءات الضيقة؟؟؟…

إن استمرار هذا النهج سيحول المعرض حتما من عرس سنوي للمعرفة إلى مأتم جنائزي تدفن فيه الحريات ويوارى فيه جثمان التعددية الفكرية الثرى…

كفى استهتارا بكرامة المثقف المغربي، فالثقافة إرث وطن، وليست ضيعة خاصة يدبرها الملحقون بالدواوين الحزبية!

***

    يبقى السؤال المعلق فوق هجير خيام معرض الرباط هو ماذا عساه يكتب الطاهر بنجلون اليوم عن واقعة طرد زميله المؤرخ المعطي منجب من عتبات معرض الكتاب؟

وهل سيملك صاحب “تلك العتمة الباهرة” الجرأة ليصف هذا المنع القسري بمداده، أم أنه سيطوي الواقعة في سجل المسكوت عنه؟

إن الاختبار الحقيقي اليوم يكمن في ما إذا كان الطاهر بنجلون سيجرؤ على إدانة هذا التغريب الثقافي، أم أنه سيمارس هوايته المفضلة في نحت التبريرات، ليحول غصة المنع إلى “نعمة” من نعم الاستقرار وجمالية التنظيم…؟

هل سيضيف مشهد منع مؤرخ من ولوج فضاء عمومي إلى قائمة المنجزات التي يروج لها، أم سيعتبرها  من الحسنات والنعم التي تقتضي حماية المعرض من عنف الحقائق التاريخية؟

إن الذاكرة الجمعية اليوم في حالة ترقب قصوى.. فهل سينتصر الروائي الفرنكفوني العالمي لحرية رفيقه في الحرفة، وهو الذي ملأ الدنيا حديثا عن حقوق الإنسان؟

أم أنه سيختار الانحياز لصمت القصور.. ويصنف واقعة المنع القسرية ضمن الأنعام والحسنات التي ينعم بها مغرب اليوم؟

في هذا المشهد السوريالي يراد للثقافة أن تغدو مجرد واجهة براقة، مساحيقها تلمع تحت أضواء الخيام، لكنها تخلو من أي صوت مزعج قد يخدش حياء التزييف…

هكذا يصبح الباب الموصد في وجه المعطي منجب هو أبلغ تعبير عن سقف الحرية في تلك الضيعة التي يدبرها وزير يتزعم حزبا لا يكتفي بالسياسة، بل يركب تراكتورا – جرارا يحرث الحجر والبشر، ويجرف في طريقه كل ما تبقى من كرامة للمثقف المستقل، ليترك الساحة قاعا صفصفا لا صوت فيها يعلو فوق صوت الولاء.

المصدر