دعارة العقول! *

منذ 2 سنوات 10
ARTICLE AD BOX

محمد أزرور

دعارة العقول! *

الإثنين 12 يونيو 2023 | 08:40

″لا يمكن عيش حياة مزيفة بنزاهة″ يقول الفيلسوف الألماني أدورنو(نقلا عن ادوارد سعيد في كتابه المثقفون والسلطة، النسخة الفرنسية Des intellectuels et du pouvoir, Tarik Edition, 2014, p. 84)

آراء أخرى

  • باولو فريري بين تربية المستضعفين والتعليم الشعبي

  • معاهدة التبادل  الإلكتروني للمعلومات المالية.

  • السياسة عند كورنيليوس كاستورياديس بين شمولية النظرية وبيروقراطية الممارسة

كما أن الحياة النزيهة لا يمكن أن تكون مزيفة أو مغشوشة لأنها ولسبب بسيط تقوم على مجموعة من المبادئ العليا والمثل والأخلاق.

وحياة المثقفين هي التطبيق الجلي لهذه القاعدة.

وإذا أردنا أن نعطي تعريفا عمليا لهذه النخبة العالمة من الناس فهي العقول المتحركة في المجتمع والتي يتلخص دورها في جملة واحدة :

– قول الحقيقة للسلطة! (نفس المرجع أعلاه ص.132 )

بما يتطلبه ويقتضيه هذا الفعل من الخروج من المنطقة الرمادية والحياد السياسي وعدم الاختباء وراء نزعات الاحترافية والموضوعية والتخصص…le professionnalisme, la spécialisation, p.103

ويقدم ادوارد سعيد نموذجا لهذا المثقف في الأديب والفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر الذي كان دائما حاضرا في المحطات السياسية والنقابية والفكرية والحقوقية الحاسمة في فرنسا قلبا وقالبا وقلما كذلك..لدرجة أنه وضد كل التوقعات وانسجاما مع قناعاته الفكرية رفض جائزة نوبل لسنة 1964 ! (ص.103 )

نموذج آخر للمثقف المنفعل والمتفاعل والفاعل في الأحداث التي تمور من حوله، الايطالي أنطونيو غرامشي والذي خُلدت العبارة التي قيلت في حقه عند سجنه من طرف النظام الفاشي:

– يجب إسكات هذا العقل لعشرين سنة المقبلة! (نقلا عن Noam Chomsky, Raison et liberté, Tarik Edition, 2011, p.208 )

بالمقابل وعلى العكس من هذه الوجوه المشرقة من ″أنبياء العصر الحديث″، توجد فئة أخرى فاسدة تعمل في سرية تامة مع الأنظمة السياسية الفاسدة ″لإسكات أصوات من لا صوت لهم″ و″صناعة الرضا والخضوع للسلطة السياسية″ ب″التلاعب بوعي وذكاء بنظام عادات وأفكار الأغلبية″ كتابهم المقدس في هذا المشروع هو مؤلف Propaganda, E. Bernays, 1928 الذي ينص وبالحرف على أنه ″يجب على أقلية الأذكياء أن يخضعوا الأغلبية-الأغبياء- كما في النظام الدكتاتوري″(المرجع أعلاه ص.230 )

المثقفون من هذا الصنف هم محامو الشيطان تحركهم النوازع المادية فقط ولا مكان للاعتبارات الأخلاقية في قواميسهم..تخلوا عنها وباعوا أرواحهم لقوى الشر..ولمن يدفع بامتنان وسخاء أكثر.

وبدلا من أن يتحركوا بعقولهم في الاتجاه الصحيح ويحرجوا السلطة بقول الحقيقة والاصطفاف إلى جانب الضعفاء والبؤساء وقضاياهم، اختاروا أن يكونوا عملاء.

عملاء..لا بهم زلزلة الأرض..ولا في وجوههم قطرة ماء..كلما ضاقت الأرض أفادونا بتوسيع الكلام..حول جدوى القرفصاء..وأبادوا بعضنا من أجل تخفيف الزحام..آه لو يجدي الكلام! (أحمد مطر)

إنهم أقلام مأجورة يعرضون أفكارهم العذراء في الليالي الحمراء ليقبضوا الثمن. كل حظهم البئيس من الثقافة كلمات عارية تحترف الدعارة بجسد مهترئ يستثير عبثا عنين سلطة سياسية هارية.

مع كامل احترامنا للواتي أجبرهن شظف العيش والحرمان إلى امتهان الدعارة. ولا حاجة للتذكير بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية والتاريخية للمثقفين العملاء في انتشار هذه الظاهرة.

* العنوان مقتبس من رواية للكاتب الياباني هاروكي موراكامي، يوميات طائر الزنبرك، الفصل4 من الجزء الثاني، ضاعت النعمة الإلهية، عاهرة العقل. ترجمة احمد حسين المعيني. دار الآداب 2021.

المصدر