تقرير: تصدير الخضر والفواكه المَروية يزيد تبعية المغرب لاستيراد الحبوب والسكر والزيوت

منذ 6 أشهر 4
ARTICLE AD BOX

تقرير: تصدير الخضر والفواكه المَروية يزيد تبعية المغرب لاستيراد الحبوب والسكر والزيوت

الخميس 23 أكتوبر 2025 | 09:09

بعد عقود من الإصلاحات الزراعية والانفتاح التجاري، يجد المغرب نفسه أمام واقع غذائي يتسم بدرجة عالية من التبعية للواردات، خصوصا في المواد الأساسية مثل الحبوب والسكر والزيوت النباتية والذرة المستعملة في الأعلاف. ووفقا لتقرير حديث صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات في 21 أكتوبر 2025، فإن هذه التبعية ليست ظرفية بل بنيوية، نتاج خيارات سياسية واقتصادية ممتدة منذ الاستقلال إلى اليوم.

يستند التقرير إلى بيانات رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية، ومكتب الصرف، والمندوبية السامية للتخطيط، فضلا عن مقابلات ميدانية أُجريت في مناطق دكالة وعبدة، وهما من أبرز الأقاليم الفلاحية المغربية. وتؤكد نتائجه أن المغرب فقد خلال العقدين الأخيرين جزءا كبيرا من قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي، إذ لا يغطي إنتاجه المحلي سوى 28 في المائة من حاجياته من الحبوب وأقل من 20 في المائة من السكر، بينما تتجاوز فاتورة الواردات الغذائية في السنوات الأخيرة 8.9 مليار دولار أمريكي سنويا.

وركز التقرير على أن العامل المائي يشكل جوهر معضلة السيادة الغذائية في بلد يُعد في معظمه جافا إلى شبه جاف، حيث تتلقى 85 في المائة من مساحته أقل من 400 ملم من التساقطات سنويا. معتبرا أن هذا النقص البنيوي في المياه جعل الإنتاج الفلاحي مرتبطا كليا بالمناخ، إذ يتراجع مردود الحبوب بشكل حاد في سنوات الجفاف، كما حدث خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2025، حين هبط الإنتاج إلى أقل من خمسة ملايين طن سنويا، بعد أن كان يتجاوز عشرة ملايين طن في المواسم المطيرة مثل 2014–2015. وبين التقرير أن الاعتماد على التساقطات المطرية في أكثر من 80 في المائة من الأراضي الزراعية يجعل القطاع عرضة لتقلبات مناخية متزايدة بفعل التغير المناخي.

وكشف التقرير أن الخيارات الاقتصادية الموجهة نحو التصدير ساهمت في تفاقم التبعية الغذائية؛ فالمغرب، الذي يشجع منذ عقدين تصدير الخضر والفواكه ذات القيمة العالية، يعتمد في المقابل على استيراد معظم مواده الغذائية الأساسية. وتصف الوثيقة هذا الوضع بأنه “مفارقة غذائية خطيرة”، حيث تُستنزف الموارد المائية في إنتاج سلع للتصدير نحو أوروبا، بينما تُستورد القمح والزيوت والسكر من الخارج لتلبية الطلب المحلي. وقد بلغ حجم الواردات من القمح الطري سنة 2023 حوالي 4.6 ملايين طن، ومن القمح الصلب 0.9 مليون طن، ومن الذرة 2.82 مليون طن، وهي كميات ضخمة استنزفت ملياري يورو من العملة الصعبة في سنة واحدة.

العبء المالي والعبء الصحي

تبرز تبعات هذه التبعية في جانبين رئيسيين؛ العبء المالي والعبء الصحي. فمن الناحية المالية، تشير معطيات وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن نفقات دعم أسعار القمح والسكر عبر صندوق المقاصة بلغت سنة 2024 نحو 1.34 مليار درهم للقمح الطري و4.38 مليار درهم للسكر. أما من الناحية الصحية، فقد أدى ارتفاع استهلاك السعرات الحرارية الفارغة، الناتج عن دعم الخبز والسكر، إلى تفاقم الأمراض غير السارية؛ إذ يعاني أكثر من 60 في المائة من المغاربة من زيادة الوزن، ويصل معدل السمنة إلى 21 في المائة، وفق بيانات التقرير المستندة إلى وزارة الصحة.

ويرى المعهد المغربي لتحليل السياسات أن هذه الأزمة الصحية تمثل “الوجه الخفي” للسياسات الغذائية الليبرالية التي شجعت على استهلاك الأطعمة الرخيصة والمكررة. كما يظهر “العبء المزدوج لسوء التغذية”، حيث يتزامن الإفراط في السعرات مع نقص في المغذيات الدقيقة مثل الحديد واليود وفيتامين (أ). وقد ارتفع استهلاك السكر للفرد من 35 إلى 48 كيلوغراما سنويا بين 2001 و2022، أي ما يعادل أربعة أضعاف الحد الذي توصي به منظمة الصحة العالمية.

ويستفيض التقرير في تحليل التحولات البنيوية في العادات الغذائية، مبرزا أن النظام الغذائي المغربي فقد طابعه المتوسطي التقليدي، القائم على الخضروات والبقوليات وزيت الزيتون، ليُستبدل بنمط يعتمد على الخبز واللحوم البيضاء والأطعمة الجاهزة. ويُظهر أن متوسط استهلاك الفرد من البقوليات تراجع من 10.7 إلى 3.6 كيلوغرامات سنويا خلال أربعة عقود، رغم أن هذه المحاصيل توفر بروتينا نباتيا عالي الجودة وتسهم في خصوبة التربة.

أما على صعيد الإنتاج الحيواني، فقد أكد التقرير أن المغرب لم يعد مكتفيا ذاتيا في اللحوم الحمراء ومشتقات الألبان، بعد أن تراجعت القطعان بفعل الجفاف وغلاء الأعلاف المستوردة. وفي إجراء رمزي مثير، تم خلال سنة 2025 تعليق ذبائح عيد الأضحى في بعض المناطق بسبب ضعف القطيع. كما أن توسع تربية الدواجن، التي ارتفع إنتاجها من 70 ألف طن سنة 1980 إلى أكثر من 730 ألف طن سنة 2024، يعكس اعتمادا كبيرا على الأعلاف المستوردة من الأرجنتين والبرازيل والولايات المتحدة، ما يرفع البصمة الكربونية للقطاع ويضعف استقلاليته الغذائية.

تلاقي المصالح بين النخب الاقتصادية والسياسية

وذهب التقرير إلى ربط أزمة السيادة الغذائية بالبنية السياسية والاقتصادية نفسها، موضحا أن “تلاقي المصالح بين النخب الاقتصادية والسياسية” أسهم في تكريس نموذج فلاحي يخدم كبار المستثمرين على حساب الفلاحين الصغار. فالمزارع الكبرى الموجهة للتصدير تستفيد من معظم الدعم العمومي، بينما لا تحظى الوحدات العائلية الصغيرة، التي تمثل غالبية المنتجين، إلا بحصة محدودة من التمويل. هذا الخلل البنيوي، وفق التقرير، عمق التفاوتات المجالية وأضعف العدالة الترابية بين المناطق البعلية والمناطق المسقية.

وذكر التقرير أيضا أن القطاع الزراعي أصبح رهينة للمدخلات المستوردة؛ من الأسمدة النيتروجينية والبوتاسية إلى البذور المهجنة المستوردة، ومن الطاقة الأحفورية إلى الآليات الفلاحية. فعلى سبيل المثال، بلغت واردات المغرب من الآلات والمعدات الفلاحية سنة 2023 حوالي 1.05 مليار درهم، بينما وصلت واردات الأسمدة النيتروجينية إلى نحو 500 ألف طن سنويا، رغم أن البلاد تُعد من أكبر مصدري الفوسفاط في العالم. ويخلص التقرير إلى أن ما يُنظر إليه كـ“قوة فلاحية” يخفي في الواقع شبكة من الاعتمادات الخارجية تجعل الأمن الغذائي هشا أمام الصدمات الدولية.

وعلى المستوى البيئي، حذر التقرير من أن الاستمرار في هذا النموذج سيؤدي إلى استنزاف حاد للموارد المائية، خاصة في مناطق الجنوب مثل سوس ماسة ووادي نون، حيث بلغ تراجع المياه الجوفية مستويات “مقلقة للغاية”. فالنظام الفلاحي الموجه للتصدير يستهلك كميات ضخمة من المياه، بينما تسجل البلاد عجزا مائيا سنويا متزايدا. ويُقدر أن المغرب أصبح “يصدر المياه الافتراضية” إلى الخارج عبر صادراته الزراعية، أي أنه يصدر منتجات تعتمد في إنتاجها على موارد مائية نادرة محليا، وهو ما يشكل “نزيفا خفيا للثروة الوطنية” حسب تعبير التقرير.

وفي ضوء هذه المعطيات، دعا المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى إعادة ترتيب أولويات السياسات العمومية، بوضع السيادة الغذائية في صلب الأجندة الوطنية. ويقترح عددا من الإجراءات، من بينها دعم الزراعة العائلية الصغيرة، وتحفيز الإنتاج المحلي للبقوليات والحبوب، وتشجيع الدورات القصيرة بين الإنتاج والاستهلاك، مع تعزيز التوعية في المدارس حول التغذية الصحية والبيئية. كما يوصي التقرير بحماية الموارد المحلية، خصوصا المياه وخصوبة التربة، واعتماد برامج لتثمين النفايات الزراعية وتحويلها إلى أسمدة عضوية ضمن نموذج الاقتصاد الدائري.

ويرى الخبراء الذين ساهموا في إعداد التقرير أن “السيادة الغذائية ليست ترفا سياسيا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الاجتماعي في ظل التقلبات الجيوسياسية العالمية”. فالأزمات المتكررة في سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب الحرب في أوكرانيا والتغير المناخي، تجعل من تحقيق حد أدنى من الاكتفاء الذاتي أمرا مصيريا للمغرب. ويخلص التقرير إلى أن الاعتماد على الأسواق الخارجية في توفير الغذاء يشكل مخاطرة استراتيجية، خاصة إذا تزامن مع اضطرابات في التجارة الدولية أو ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة.

المصدر