تقرير: إصلاح التعليم يتطلب نهضة تتجاوز الترميمات الجزئية وتقطع مع استراتيجية “الحفظ والتكرار”

منذ 1 ساعة 4
ARTICLE AD BOX

تقرير: إصلاح التعليم يتطلب نهضة تتجاوز الترميمات الجزئية وتقطع مع استراتيجية “الحفظ والتكرار”

وزير التربية الوطنية خلال زيارة سابقة لمؤسسة تعليمية بالدار البيضاء

الثلاثاء 12 ماي 2026 | 12:19

نبه المجلس الأعلى للتربية والتكوين في تقريره السنوي إلى أن المنظومة التعليمية بالمغرب في حاجة إلى نهضة تقطع مع الترميمات الجزئية، وتقوم على القطائع والانعطافات اللازمة، من أجل بناء مدرسة مستعدة للتحديات المستقبلية، وتقطع مع ثنائية الحفظ والتكرار لحساب التفكير النقدي، وهو الإصلاح الذي يفرض تعاقدا مجتمعيا جديدا بين الأمة ومدرستها، ويتطلب الإرادة السياسة القوية والدعم المجتمعي.

واعتبر المجلس في تقريره برسم سنة 2024، المنشور بآخر عدد للجريدة الرسمية، أن إرساء تحول تربوي حقيقي بالمغرب، ينبني على عدة رهانات؛ أولها الاستعداد للتحديات التربوية المستقبلية، فالتغيرات المناخية والثورة الرقمية والاتجاهات القيمية الجديدة وتحولات سوق الشغل والتطورات الديمغرافية، تؤثر على التعليم، والمدرسة المغربية الجديدة ينبغي أن تكون قادرة على مواجهة هذه التحديات المتعددة.

وشدد التقرير على أن الإصلاح لن يتحقق بإدخال ترميمات جزئية على المنظومة القائمة، بل يحتاج لمدرسة جديدة في وظائفها وغاياتها وتنظيمها ونموذجها التربوي، ما يفرض تعاقدا مجتمعيا جديدا بين الأمة ومدرستها، يقوم على ضمان الحق في تعليم ذي جودة للجميع، واعتبار التربية مشروعا مجتمعيا ومنفعة مشتركة.

واعتبر التقرير أن الإصلاح ينبغي أن ينبني على إرساء الاستقلالية الذاتية للمدرسة، بجعل المؤسسات التعليمية قائمة الذات؛ ليست فقط آخر حلقة في التسلسل الهرمي، تنفذ التعليمات الواردة من أعلى، بل ينبغي جعلها قائمة على روح المبادرة وتحمل المسؤولية، وهو ما يتطلب الاعتراف بخصوصية كل مؤسسة وبقدرتها على بلورة مشروعها التربوي في إطار استقلالية فعلية ومؤطرة، تمكن الفاعلين التربويين من الابتكار وإحداث التغيير الملموس.

وهذا الأمر، حسب التقرير، لا يتأتى إلا عبر التعاون مع المحيط، بتعزيز دور المجتمع المحلي للمدرسة، خاصة عبر جعل الجماعات الترابية طرفا مسؤولا في السياسات التربوية، وتوسيع صلاحيات القرار اللامركزي.

وأكد المجلس الأعلى أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق بالنظر إلى قطاعات التربية والتكوين المهني والتعليم العالي كجزر مستقلة، كما هو الحال اليوم، بل ينبغي تعزيز التقائية السياسات العمومية في هذه الميادين، واعتماد مقاربة شمولية للتعلم تتجاوز التقسيمات القطاعية للمنظومة التي تهدر الموارد البشرية و المادية، وتؤدي إلى التخلي عن مئات الآلاف من الشباب دون آفاق.

وفي ذات الصدد، أوصى التقرير بإعمال انعطافات ومراجعات وقطائع جوهرية في التعليم العالي، لإرساء جامعة القرن الواحد والعشرين، القادرة على توفير عرض تكويني ذي جودة لفائدة جميع الطلبة.

ولفت التقرير إلى أنه لا يمكن الحديث عن إصلاح دون تجديد النموذج البيداغوجي؛ فاستراتيجيات التعلم المبنية على الحفظ والتكرار لم تعد ذات جدوى لإعداد جيل يمتلك الكفايات المطلوبة اليوم، بل أصبحت الحاجة ملحة لاعتماد مناهج تهتم بجودة التعلمات لا بكمها، وتركز على تطوير مهارات التفكير العليا وتعزيز الفهم العميق للمعارف بدل الاكتفاء بالحفظ.

كما أن جودة المنظومة التعليمية، يضيف التقرير، لا تنفصل عن جودة المُدرس، ما يفرض استقطاب الأطر المؤهلة وذات الكفاءة العالية التي تتمتع بالشغف، وهو أمر يبقى رهينا بتحسين ظروف عمل الأطر وتحسين جاذبية المهنة على المستوى الفكري والمادي والاجتماعي.

وأشار المجلس الأعلى إلى ضرورة إرساء سياسة متكاملة لقيادة التغيير، ووقف تعدد الفاعلين وتشعب مسارات الفعل العمومي، والتكامل من المدرسة إلى أعلى مستوى في اتخاذ القرار؛ فالتربية والتكوين ليست قضية قطاعية بل مسؤولية وطنية مشتركة، وهو ما يقتضي جعل المدرسة أولوية وطنية تحظى بتعبئة إرادة سياسية قوية ودعم مجتمعي واسع.

وخلص التقرير إلى التأكيد على ضرورة اعتماد حلول مبتكرة لمعالجة الإشكاليات، وإطلاق نهضة تربوية شاملة، ومقاربة قضايا المدرسة بكل جرأة، وإجراء القطائع والانعطافات اللازمة، فالتحول المنشود لا يختزل في إصلاحات جزئية أو إجراءات ظرفية، بل يستدعي تغييرا بنيويا مندمجا.

المصدر