ARTICLE AD BOX
باحثون يطالبون بتقييد سلطات النيابة العامة في الاعتقال الاحتياطي وينتقدون تضخم النصوص التشريعية بالمغرب
نور الهدى بوعجاج
الجمعة 21 فبراير 2025 | 14:38
أجمع المتدخلون في الندوة التي نظمها حزب “التقدم والاشتراكية” أمس الخميس، حول مشروع المسطرة الجنائية، على ضرورة تقييد سلطات النيابة العامة في الاعتقال الاحتياطي، مؤكدين أن تعديل المسطرة الجنائية أخطر من تعديل القانون الجنائي، لذلك فإن المشرع مطالب بصياغة نصوص قانونية على درجة عالية من الدقة والثبات حتى لا يتم السقوط في التأويلات الفضفاضة.
ثقافة الاعتقال
وقال عزيز رويبح نقيب هيئة المحامين بالرباط إن سلطة النيابة العامة تكاد تكون بدون ضفاف رغم المقاييس والمعايير والتقييدات التي وردت فيما يتعلق بالاعتقال الاحتياطي، وما استوجبه المشرع في مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد.
وأكد روييبح أن الممارسة القضائية في المغرب، وخاصة على مستوى النيابة العامة، تظهر أن هناك ثقافة تميل إلى الاعتقال، والغريب في الأمر أنها تناقض في أحيان كثيرة حتى توجهات وفلسفة رئاسة النيابة العامة من خلال مناشريها وتقاريرها.
وشدد على أن الاعتقال الاحتياطي يتطلب معالجة خاصة، مقترحا إحداث مؤسسة خاصة مستقلة ومحايدة تكون بعيدة عن موضوع القضية الجنحية، تتولى البث في استئنافات أوامر الاعتقال الاحتياطي، لأنه ما دون ذلك سنبقى على ما نحن عليه.
ونبه الروبيح إلى معضلة أخرى مرتبطة بالاعتقال الاحتياطي، هي أن مشروع المسطرة الجنائية يفتقد إلى التوازن الضروري بين قوة النيابة العامة والدفاع، محذرا من أن غياب هذا التوازن سيؤثر على المحاكمة العادلة وسيكون فيه الاعتقال الاحتياطي ميسرا للنيابة العامة أكثر.
واعتبر أن المحاكمة العادلة تنطلق بداية من لحظة إلقاء القبض ومرورا بمختلف مستويات مسطرة المتابعة، إلى حين صدور قرار نهائي حائز على قوة الشيء المقضي به، مؤكدا أن التشريع لا يجب أن يكون مجرد ردود فعل على واقع منحرف أو فاسد، لأنه سيكرس الانحراف والفساد أكثر مما سيحاربه.
ودعا رويبح إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة سواء بالنسبة للضابطة القضائية أو النيابة العامة وحتى الدفاع، مشيرا أن كل مؤسسة يجب أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في تنقية جهتها من الشوائب لكي نستطيع أن نرتقي بالممارسة القانونية والقضائية.
وأوضح أن هيئة الدفاع دائما تعاني مع قضاة التحقيق لأنهم يفسرون الاضطلاع على محضر الضابطة القضائية بكونه لا يعني الوصول إلى الوثائق والمستندات، وعلى المحامي الاكتفاء بالنظر لها في الملف، بدل نسخها وتصويرها.
حذف قضاء التحقيق
من جانبه، أكد عبد الجليل العينوسي أستاذ القانون الجنائي والعلوم الجنائية بجامعة محمد الخامس بالرباط أنه من جملة المعايير التي تقاس فيها مدى احترام الدول للحقوق والحريات وحقوق الإنسان هي قانون المسطرة الجنائية، معتبرا أن تعديل هذا القانون هو أخطر من تعديل القانون الجنائي.
وتحدث العينوسي عن إشكالية الإبقاء أو حذف قضاء التحقيق، موضحا أن الأمر مرتبط بمدى تحقق ضمانات المحاكمة العادلة في مرحلة البحث التمهيدي الذي يجرى من طرف الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة.
وأكد أن ضمانات المحاكمة العادلة خلال البحث التمهيدي في مشروع المسطرة الجنائية الحالي، لم يتم تكريسها بصورة مطلقة، وما يبرز هذا هو غياب الإشارة إلى حضور المحامي خلال عملية الاستماع إلى المشتبه به من طرف الشرطة القضائية، وهذا مطلب ينادي به الحقوقيون والدفاع.
وأوضح أنه على عكس مرحلة التحقيق الإعدادي فإن المتهم لا يسوغ استنطاقه إلا بحضور محامي، أو بعد استدعائه بصفة قانونية، منبها إلى أن هذا الإشكال يزداد حدة إذا ما استحضرنا أن مشروع القانون الحالي أحدث تغييرا جوهريا يتعلق بنطاق التحقيق الإعدادي، فلأول مرة يتم الإقرار باختيارية التحقيق الإعدادي في الجنايات.
ولفت إلى أن النيابة العامة في بلادنا أعضاؤها يخضون لإشراف الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بمعنى أنهم تابعين لسلطة قضائية وليس تنفيذية كما هو سائد في فرنسا، وبالتالي فإن المنطق يقتضي أن يتم إسناد البحث والتحقيق في الجرائم للنيابة العامة، وبذلك فإن المشرع المغربي بقي وفيا لمبدأ التدرج في كل ما له صلة بحقوق الإنسان بصورة عامة، وبحقوق المشتبه بهم بصورة خاصة، وبالتالي فإن إلغاء مؤسسة التحقيق في التشريع المغربي اقترب من نهايته.
التعويض عن الاعتقال الاحتياطي
من جهتها، اعتبرت السعدية مجيدي مديرة مختبر البحث في السياسة الجنائية بكلية الحقوق بمراكش، أن الكل يعلم أن قانون المسطرة الجنائية هو القانون الذي يوازن بين الحقوق والحريات، وهو الذي تمارس به الدولة حق العنف المشروع، وبالتالي فإن هذه الموازنة مهمة وخطيرة في نفس الوقت.
وانتقدت ذات المتحدثة التضخم الكبير في النصوص التشريعية بالمغرب، معتبرة أن هذا التضخم يعتبر من العيوب التي دائما يقف عليها الباحثون والممارسون، مستغربة في ذات الوقت كيف أن بعض النصوص القانونية لازالت قيد الاعتقال.
وفي حديثها عن الاعتقال الاحتياطي والحراسة النظرية، تساءلت مجيدي لماذا الاعتقال أصلا؟ قبل أن تسدرك بالقول إن شعبية وثقافة القانون الجنائي بالمغرب مقرونة بأن العدالة تساوي الاعتقال، مؤكدة أن هذا الأمر لن يعالج إلا بإقرار المشرع بالتعويض عن الاعتقال الاحتياطي.
وسجلت أن هناك الكثير من الضمانات التي جاء بها المشرع لصالح المودعين في الحراسة النظرية أو في الاعتقال الاحتياطي، لكن يبقى أن المشرع لم يرتب عنها أي جزاء، معتبرة أن حتى شروط الوضع تحت الحراسة النظرية تبقى مزايدة تشريعية، على حد وصفها.
وشددت على أن شروط الاعتقال الاحتياطي التي يشرف عليه وكيل الملك تعد أكثر صرامة ووضوحا من الحراسة النظرية التي يشرف عليها ضباط الشرطة القضائية.
وخلصت الأستاذة الجامعية إلى أن أي مقاربة لصياغة النصوص القانونية يجب أن تحكم بضوابط صارمة تحول أن انحرافها عن مقصد التطبيق، ودون إفراغها من قوتها الإلزامية لأننا لسنا أمام أزمة النصوص بل أزمة “شخوص”، لأن التطبيق هو المحك الحقيقي لهذه النصوص، خاصة إن كانت هذه الأخيرة تحتوي على الغموض والضبابية، مؤكدة أنه لا يستصاغ في الهندسة التشريعية للنصوص الإجرائية أن تختزل في تنظير مجرد، دون التحقق من إمكانية التنزيل على أرض الواقع، لأنه في الأخير تقنية ضبطية ذت طابع وظيفي ينبغي أن تضمن فعالية التطبيق.
.jpg)
منذ 1 سنة
3







