ARTICLE AD BOX
رشيد أيت بلعربي
الوصفة السحرية لوزير العدل للارتقاء بجودة مرافعات المحامين وأحكام القضاء
الإثنين 04 ماي 2026 | 14:11
فجأة أصبحت المحاماة في حاجة ماسة إلى ضخ دماء جديدة يمثلها أساتذة القانون للرفع من جودة المرافعات والمذكرات المشبعة بالصناعة الفقهية والمساهمة في تطوير الاجتهاد القضائي. كان هذا مقتطفًا من مضمون الكلمة التي ألقى وزير العدل جزءها الأول أمام لجنة العدل والتشريع، والجزء الثاني بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، مطالبًا الأساتذة الجامعيين بالدفاع عن حقهم في ممارسة مهنة المحاماة إلى جانب التدريس في الجامعة. وهي كلمة تلقفها عدد من أساتذة القانون وراحوا يرددون بأنهم سيشكلون قيمة مضافة للمحاماة لأنهم يتوفرون على المؤهلات العلمية التي تساعدهم على ذلك، خاصة وأنهم هم من سهروا على تدريس المحامين والقضاة وكتاب الضبط وغيرهم. وهو ما يوحي للبعض بأن المحامين ينقصهم شيء ما في ممارسة المهنة يمكن أن يغطيه أساتذة القانون، وهو ما يمكن الرد عليه في أربع نقاط:
آراء أخرى
– النقطة الأولى: حول مكانة أساتذة القانون:
لا بد من التأكيد في البداية على الاحترام والتقدير اللذين يكنهما الجسم المهني للمحامين لأساتذة القانون بشكل عام وفي مختلف دول العالم، إذ لولاهم لما درسنا القانون المغربي ولما أخذنا فكرة عن عدد من القوانين المقارنة. وبفضلهم جميعًا يتوفر لدينا رصيد معرفي كان مفتاح الولوج إلى قلعة المحاماة. ولا ننكر أننا لا نزال نستأنس أثناء البحث وتهيئ المذكرات والمرافعات في كثير من القضايا بكتب الفقه المغربي والمقارن. لكن المبررات التي سُيقت من أجل تبرير المطالبة بالحق في مزاولة مهنة المحاماة إلى جانب التدريس في الجامعة تبقى هشة وغير مقنعة تمامًا، وهو ما سيكون موضوع تفصيل في باقي النقاط أدناه.
– النقطة الثانية: صاحب الوصفة السحرية للارتقاء بمهنة المحاماة:
الكل يعلم أن شرارة هذا الموضوع انطلقت من تصريحات وزير العدل في مناسبات متفرقة أشرنا لبعضها أعلاه، والتي أبدى فيها حماسًا زائدًا لفتح أبواب المحاماة أمام أساتذة القانون دون قيد أو شرط، بل وصل به فرط حماسته المعهود إلى دعوة أساتذة القانون للتظاهر أمام البرلمان ضد الوزير نفسه كما فعل المحامون. وهو أمر التقطه كثير من الأساتذة المحترمين بلهفة غير مفهومة، وكأنهم كانوا في غفلة من زلات هذا الوزير واستفاقوا على تصريحه هذا. وهنا نود الإشارة إلى أن ما جاء على لسان السيد الوزير لم يكن مبنيًا على قناعة شخصية أو نابعا من المسؤولية الرصينة أو دفاعًا عن المصلحة العامة، بل هو مجرد رد فعل صبياني تجاه المحامين ومؤسساتهم بعدما خرجوا للاحتجاج ضده وضد المشروع الذي طرحه، ضاربًا عرض الحائط سنة ونيف من جلسات الحوار والتوافق وتدخل رئيس الحكومة لسحب الملف منه وتكليف لجنة خاصة تحت رئاسته لمواصلة الحوار مع المحامين. فالسيد الوزير عودنا نحن المحامين بالدرجة الأولى على أنه إذا خاصم فجر، وهي صفة تعرفون من يحملها. لكن خصومته مع المحامين للأسف لا توجد إلا في مخيلته. والدليل على كون الأمر لا يعدو سوى رد فعل لا يليق بمسؤول حكومي هو أن السيد الوزير عند صياغته لمشروع قانون المحاماة، سواء في صيغته الأولى التي قدمت للمجلس الحكومي أو الأخيرة التي أحيلت على البرلمان وقدمها أمام لجنة العدل والتشريع، لم يشر إلى ما يفيد السماح لأساتذة القانون بالولوج لمهنة المحاماة مع الاستمرار في مهامهم في التدريس. فلماذا يأتي اليوم أمام لجنة العدل والتشريع في لقاء آخر ويطالب بل ويحث البرلمانيين على إضافة هذا المقتضى في التعديلات ليتولى الدفاع عنه؟ ببساطة لأنه يريد الانتقام لنفسه من المحامين للأسباب التي يعرفها الجميع، ولو اقتضى الأمر الوصول به إلى حد تحريض الأساتذة الجامعيين للتظاهر ضده بعدما حرض الطلبة على إعلان الحرب.
– النقطة الثالثة: التنافي بين المحاماة والتدريس كوظيفة:
لقد اجتهد عدد من الأساتذة الجامعيين في تبرير الرد على مبرر التنافي بين مهام ممارسة المحاماة والتدريس في الجامعة كوظيفة وما لها من تأثير على استقلالية المحاماة، بالقول إنه لا وجود لهذا التنافي لأن وظيفة الأستاذ الجامعي لا تجعله تابعًا للإدارة التي يشتغل تحت إمرتها. ودون الدخول في تفاصيل هذا الجدل، نود مناقشة هذه النقطة على شكل أسئلة:
إذا كانت وظيفة أستاذ القانون لا تتنافى مع مهنة المحاماة، فلماذا لم يطالب أساتذة القانون بالسماح لهم بممارسة القضاء دون قيد أو شرط؟ وهنا سنضرب عصفورين بحجر واحد وهما التقليل من الآثار السلبية لنقص عدد القضاة وترشيد المال العام.
ولماذا لا يطالب أساتذة القانون بممارسة مهنة التوثيق ماداموا هم من درسوا الموثقين كما درسوا المحامين والقضاة؟
ولماذا لا يُسمح أيضًا للقضاة، سواء الذين يمارسون القضاء الجالس أو الواقف، بممارسة مهنة المحاماة مع الاحتفاظ بمهامهم كقضاة ولو خارج نفوذ المحكمة التي يمارسون فيها؟
ولماذا لا يُسمح لكتاب الضبط والموثقين أيضًا بممارسة المحاماة إلى جانب الاحتفاظ بمهامهم الأخرى؟
وهل التكامل لا يتحقق إلا بالسماح لأستاذ القانون بممارسة المحاماة إلى جانب التدريس؟
– النقطة الرابعة: القيمة المضافة أو الوصفة السحرية:
أثناء الكلمة التي قدمها السيد وزير العدل تحدث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يحدثها أساتذة القانون في الممارسة المهنية. وهي كلمة تلقفها عدد كبير من الأساتذة الجامعيين وأعادوا صياغتها في قوالب لغوية مهذبة من قبيل الارتقاء بالمحاماة، تجويد الأحكام القضائية، الرفع من مستوى مرافعات ومذكرات المحامين، ربط الممارسة المهنية بالبحث العلمي، جعل مهنة المحاماة منفتحة وتنافسية وقادرة على مواكبة المقاولة والاستثمار… إلخ.
إن الحديث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يضفيها أساتذة القانون يبقى كلامًا مجردًا لا يمكن أن يصدر إلا عمن لا يعرف الواقع الحقيقي للمحاماة في المغرب أو يثق بكلام كذاك الذي صدر عن وزير العدل في قبة البرلمان. فالمحاماة لا تعوزها الكفاءة مطلقًا، وإن كنا لا ننفي أن التكوين القانوني للمحامين يختلف مستواه من محامٍ لآخر كما هو حال الأساتذة الجامعيين أنفسهم والقضاة والوزراء وغيرهم. بل إن المحاماة تعج بالقامات المهنية الرفيعة في كل التخصصات. ولا أعتقد أن الأساتذة الجامعيين يمكن أن يشكلوا تلك القيمة المتحدث عنها للممارسة المهنية، مع كل الاحترام والتقدير لما يقدمونه في مدرجات الكليات. فالقيمة المضافة لعمل أستاذ القانون تكمن فيما يبذله من جهود في المحاضرات والمقالات والمراجع القانونية، وفي مواكبة التشريعات المغربية والمقارنة، وفي الانكباب على إعداد وصفة لإعادة الاعتبار والثقة في الشواهد الجامعية التي أضحت تعاني من اختلالات عميقة. في حين أن القيمة المضافة لعمل المحامي تتجلى في الإبداع والاجتهاد في البحث عن النصوص القانونية وتطويعها لخدمة الوقائع المعروضة عليه. أما القاضي فالقيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها هي الحرص على التطبيق السليم والعادل للقانون باستقلال ونزاهة. وبذلك يساهم الأطراف الثلاثة، كل من موقعه، في خدمة القانون والعدالة دون مزج للوظائف.
إن من يتحدث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يشكلها أساتذة القانون للمحاماة يختزل هذه المهنة في كتابة المذكرات والمرافعات، وينسى أنها رسالة تتجاوز هذه النظرة السطحية. فالمحاماة كانت ولا تزال مهنة المواقف التاريخية والدفاع عن الحقوق والحريات. وإذا كان هناك من يتغاضى عن ذلك، فإننا نذكر بالدور الذي اضطلع به المحامون في الدفاع عن استقلال القضاء، وفصل السلط، والديمقراطية، ودولة الحق والقانون، في مختلف المراحل.
كما نذكر بمواقف المحامين في العهد الجديد، وفي سياق الإنصاف والمصالحة، ودستور 2011، وفي الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة.
وما زال الرأي العام يتذكر مواقف المحامين في مواجهة مشاريع قوانين المسطرة المدنية والجنائية، وما تضمنته من إشكالات تمس الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة.
أين كان أساتذة القانون حين كانت هذه القوانين تُعد وتُصاغ؟ وما هي مواقفهم من مشروع قانون المحاماة؟ وأين هي القيمة المضافة التي قدموها في النقاش العمومي؟
وهل يهمهم فعلاً الدفاع عن المحاماة كرسالة للحقوق والحريات، أم مجرد الولوج إليها؟
محامي بهيئة القنيطرة.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







