ARTICLE AD BOX
توفيق بوعشرين
الصحافة هي أفضل نسخة ممكنة من الحقيقة
الإثنين 04 ماي 2026 | 14:52
أفضل نسخة متاحة من الحقيقة، في عالم نسبي ومليء بالتضليل، هي الصحافة الحرة على هذه الأرض الفانية.
آراء أخرى
لهذا يحتفل العالم بيوم 3 ماي يوماً عالمياً لحرية الصحافة. ولا تأخذوا كلمة “يحتفل” على ظاهرها؛ فهي مجاز أكثر منها واقعاً. فهذه المناسبة، التي أعلنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993، ليست عيداً بقدر ما هي لحظة للتذكير والتذكّر.
للتذكير بأن الصحافة الحرة ضرورة لإنسان هذا العصر، مثل الهواء والخبز والماء… وأن خنقها والتضييق عليها هو خنق للحرية والكرامة والديمقراطية، وقطع لسبل التطور والتقدم، ومحاربة الصحافة ـ التي تستحق هذا الاسم ـ هو أكبر عملية دعم عمومي للفساد والاستبداد.
وهي أيضاً مناسبة للتذكّر… لتذكّر من دفعوا حياتهم ثمناً من أجل نقل الحقيقة إلى قارئ أو مشاهد أو مستمع، وتذكّر أولئك الذين دفعوا ثمناً غالياً من حريتهم خلف أسوار السجون وعتمة الزنازين من أجل مهنة ذاكرتها قصيرة، صحافيون وصحافيات ما زلن وما زالوا يجرّون آثار تلك التجربة في الكتابة والذاكرة والحياة.
الصحافة ليست بركة يسبح فيها الصحافيون، بل هي رئة يتنفس عبرها جميع المواطنين. لذلك فإن قضية حريتها واستقلاليتها وكرامة وسلامة العاملين فيها قضايا تهم الجميع وتُسائل الجميع.
هل أُسقط الطائرة مرة أخرى في حديقة صحافة بلادنا، وأتحدث عن أعطابها كما فعلت منذ امتهنت مهنة البحث عن المتاعب قبل قرابة ثلاثة عقود؟
لن أفعل. فالصورة واضحة بما يكفي.
بيت الصحافة المغربية متهشم بفعل آلة هدم اشتغلت فيه منذ عقود: آلة خارجية تستعمل الوسائل الخشنة لخنق الصحافة الحرة وزيادة الشحم في ظهر الصحافة المخدومة، ومع هذه الآلة هناك آلة هدم داخلية تعين الأولى على تخريب بيتها بيدها… والنتيجة ما نراه اليوم.
هجر القارئ والمشاهد والمستمع مؤسسات الصحافة المتخشبة، في القطاع العام كما في الخاص، ويمّم وجهه نحو وسائل إعلام بديلة، مليئة هي الأخرى بالكثير من الغث، والقليل من السمين، إن صح هذا المجاز.
إننا نعيش اليوم صحافة “كأن”، على وزن رواية علاء الأسواني عن مصر: جمهورية كأن.
مؤسس أرفع جائزة صحافية في أمريكا، جوزيف بوليتزر، قال يوماً: “القوة الحقيقية للأمة تكمن في صحافة لا تخاف.”
وأذكر بالمناسبة أنه جرى استدعاء الصحافي المصور كريم السلماوي إلى التحقيق، في ضيافة الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أيام الجنرال حميدو لعنيكري، ابن مدينة مكناس. وكان السلماوي عضواً في هيئة تحرير جريدة المساء ثم في أخبار اليوم التي توقفت عن الصدور كرهاً وليس طوعاً…
وكان السلماوي قد التقط صورة رجل أمن يصفع سيدة سلفية في الشارع العام…
أزعجت جهة ما، فوجدت تلك الصورة طريقها إلى الصفحة الأولى كما كنت أفعل في “المساء” و”أخبار اليوم” بأقل رقابة ذاتية ممكنة وأنا رئيس تحرير الأولى ومدير نشر الثانية.
فقال له المحقق جملة سياسية بليغة، تختصر طبيعة المرحلة كلها:
(استمع لي أيها الصحافي… المغرب يمكن أن يعيش بلا صحافة، لكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمن.)
وبه وجب الإعلام.
أقم الصلاة…
صلاة الجنازة على الصحافة في هذا البلد.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







