الناجي: الاتحاد الاشتراكي أصبح يتيما بعد وفاة الحسن الثاني وأُصيب بفراغ فكري ونرجسية سياسية عطّلت قدرته على التجديد

منذ 6 أشهر 9
ARTICLE AD BOX

الناجي: الاتحاد الاشتراكي أصبح يتيما بعد وفاة الحسن الثاني وأُصيب بفراغ فكري ونرجسية سياسية عطّلت قدرته على التجديد

الأحد 19 أكتوبر 2025 | 09:02

ذكر محمد الناجي، المؤرخ وأستاذ السوسيولوجيا في جامعة محمد الخامس، أن فهم مآل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يكن بحاجة إلى انتظار ما وصفه بـ”الذرّات الأخيرة” من مساره، مؤكدا أن “السياسة لا تقاس بالأمانة الشخصية، بل بالقدرة على التفكير في المستقبل وصياغة مشروع واضح”. بالنسبة له، تجربة هذا الحزب “بما فيها من صعود وهبوط، تحمل دروسا أساسية للمستقبل السياسي المغربي”.

يرى الناجي، كما ورد في تدوينة نشرها على حسابه بفيسبوك، أن الاتحاد الاشتراكي أصبح “يتيما بعد رحيل الحسن الثاني، بالمعنى الذي يجعله غير قادر على إيجاد بوصلته بعده”، موضحا أن “غيابه أربكه وأدخله في عزلة سياسية عميقة”. فبحسبه، المؤتمر الأخير للحزب “لم يسفر عن شيء يُذكر: لا نقاش فكري، ولا رؤية لمشروع مجتمعي يمكن أن ينعش الحياة السياسية أو يضخ فيها دماء جديدة”. ما سُمِع، كما يقول الناجي، “لم يكن سوى ضجيج صراعات داخلية بين الأجنحة، لا بين مدارس فكرية”.

وأضاف الناجي أن “الحزب الذي غذّى لعقود آمال النخب والمثقفين وجد نفسه صامتا أمام التاريخ، مكتفيا بترديد عبارات مبهمة عن هوية ممزوجة بالإسلام والانتماء الترابي، في قطيعة مع الحداثة”. ويعلّق على ذلك قائلا: “ربما يكون الاستثمار في الدين أكثر ربحا في المستقبل”.

وتوقف الناجي عند ما اعتبره “جوهر الخلل التاريخي” للحزب، إذ يقول: “في عهد الحسن الثاني، جعلت سنوات القمع والمنع من النقد هدفا بحد ذاته، دون أن تتيح التفكير أو تفكيك النظام أو تصور بدائل”. ويضيف: “كان يكفي رفع شعار الاشتراكية لتسكين الجوع وإرواء العطش، فهو وحده كان يؤدي وظيفة المشروع”.

ويعتبر أن “الاتحاد عاش من هذا المنع واستثمر فيه، وجعله – ربما من دون وعي – ستارا يخفي عجزه عن صياغة فكر حول مغرب الغد”. ويواصل قائلا: “داخل الحزب نفسه، أفسح هذا المنع المجال أمام دُعاة الخطاب الصاخب باسم الاشتراكية، وأقصى الأطر الواعية التي كانت تدرك أن المنع من الكلام لا يعني المنع من التفكير”. ويستنتج بمرارة: “كما في القاعدة النقدية القديمة، العملة الرديئة طردت الجيدة”.

وقال الناجي إن الاتحاد الاشتراكي “لم يتكلم، بمعنى أنه لم يصغ خطابا واضحا حول الطريق التي ينبغي سلوكها، لأنه ببساطة لم يكن لديه ما يقوله”. ومع وفاة الحسن الثاني، يضيف: “أصبح صمته صاخبا وغير مبرر”، فـ”الأب القامع الذي غذّى هذا الوهم – وهم المنع من الكلام – لم يعد موجودا”. ومع ذلك، بقي الحزب “أسير ثقافة العيش من المحظور”، لأن “هناك من يعيشون من المنع، يزرعونه ويعيدون إنتاجه، لأن الكلمة الحرة تُنهي وجودهم”.

وأشار إلى أن هذا النوع من الخطاب، الذي يصفه بـ”الخطاب الثوري الزائف والفارغ من المضمون”، كان مقدمة لظاهرة الإسلام السياسي في الجامعات، قائلا: “ليس من قبيل الصدفة أن هذا الفراغ نفسه، حين استُنفد دوره في الوصول إلى السلطة، ترك الساحة للإسلاميين”.

واعتبر الناجي أن “الأسطورة انهارت مع وصول الاشتراكيين إلى الحكم”، وتحديدا مع “الحدث الكاشف: وفاة الحسن الثاني”. فالذين كانوا في موقع القيادة “كانوا شهودا سلبيين على انتقال سياسي خطط له الملك الراحل بنفسه”حسب الناجي. ويضيف أن “عبد الرحمن اليوسفي، بصفته الوزير الأول آنذاك، جلس في موقع يمكنه من الكلام – أو على الأقل من محاولة الكلام – لكنه لم يفعل”.

ويواصل قائلا: “خلال المئة يوم الأولى من حكم محمد السادس، ترك له الملك الشاب المجال مفتوحا، لكنه لم يقل شيئا، لا لأن الكلام كان ممنوعا كما في الماضي، بل لأنه لم يكن هناك شيء ليقال، فالحزب لم يكن يملك برنامجا ولا مشروع مجتمع”. لذلك، “ظل الكلام للملك”، لأن “الذي يملك القول هو الذي يملك القرار، وهذا لم يتغير”. وفقا لما جاء في تدوينة الناجي.

واعتبر الناجي أن “الوعي بهذه الحقيقة جاء صادما”، إذ إن “المناضل البسيط الذي كان يظن أن التغيير قادم، اكتشف أن الحزب وصل إلى السلطة خاوي الرأس، لا يحمل سوى شعارات”. ويضيف: “الآن، بعد وفاة الحسن الثاني، لم يعد من الممكن التذرع بالمنع، فالطاغية المُخلّص لم يعد موجودا ليُحمَّل غياب الرؤية على شماعته”. ويخلص إلى أن “الاتحاد أصبح يتيما، مجبرا على التفكير وصياغة مشروع وتميّز حقيقي، لكنه ظل أسير نرجسيته التي تمنعه من الإصغاء”.

واستحضر الناجي مشهدا اعتبره بالغ الدلالة: “زيارة الملك الحسن الثاني لعبد الرحمن اليوسفي في مستشفى ابن سينا بالرباط”. وقال إن “أنصار الحزب استقبلوا الزيارة بهتاف: المجد للزعيم الذي حظي بتقدير الملك!”، ويرى الناجي في ذلك “تجليا للنرجسية العمياء التي طبعت وعي الحزب”. لكن خلف الصورة، كما كتب في تدوينته، “كانت لحظة تراجيدية من طراز شكسبيري: الملك المريض كان يعلم أن موته قريب، وأن جسده السياسي ما زال حيا لضمان الاستمرارية، بينما كان الحزب، في نظره، جثة تنتظر الدفن”. ويختم قائلا: “لقد كانت تلك الزيارة نهاية لمبارزة طويلة بينهما، والمأساة أن المناضل لم يدرك هوية الميت؛ فقد ظن أن الملكية هي التي تحتضر، بينما كان الحزب التاريخي هو الجسد المُسجّى. والتاريخ لا يغفر قصر النظر”.

المصدر