المغرب الصاعد.. إلى أين؟

منذ 6 أشهر 8
ARTICLE AD BOX

لم يخرج خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان عن دائرة التوقعات، على الأقل بالنسبة لمن لم تجرفه الحماسة أو يجمح به الخيال إلى حد ترقّب قرارات ثورية.

آراء أخرى

  • استراحة في حرب طويلة

  • "جيل زد".. هذه المعادلة التي تعجز النخبة السياسية عن حلّها

  • ترامب يستحق بجدارة جائزة نوبل للسلام

بل إنه تضمن توجيهات وإرشادات عامة بلغة تقريرية، حتى بدا، من وجهة نظر قطاعات واسعة في المجتمع، معزولًا تمامًا عن سياقاته الاجتماعية والسياسية، بل ومنفصلًا إلى حد بعيد عن واقع المغرب المأزوم.

ومع ذلك، لم يخلُ الخطاب، على مدى سبع دقائق وسبع وأربعين ثانية، من رسائل ضمنية مشبعة بالرموز، من بينها التأكيد على أن توجه المغرب “الصاعد” نحو تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية هو توجه استراتيجي لا محيد عنه، وأنه “لا تعارض أو تنافس بين المشاريع الوطنية الكبرى والبرامج الاجتماعية”.

وفي ذلك ردٌّ مضمر على من يحثون الدولة على إعادة ترتيب الأولويات ومراجعة جوهر السياسات التنموية بما ينهي أي نقاش في هذا المنحى.

وإذ هيمن الملف الاجتماعي على مضامين الخطاب بشكل لا لبس فيه، إلا أن التركيز على النهوض بقطاعات الصحة والتعليم والشغل، وهي في صلب مطالب جيل “زد” ومن خلفهم عموم المغاربة، لم يرد إلا في جملة يتيمة ضمن عناوين رئيسية تندرج في جملة من التوجيهات الرامية إلى تحقيق التنمية الترابية.

يمكن، ضمن القراءة ذاتها، استنباط دلالات ومقاصد الدعوة الصريحة للأحزاب السياسية إلى ضرورة “التعريف بالمبادرات التي تهم حقوق وحريات المواطنين” و“الاهتمام بتأطير المواطنين”، وهو ما يعني تلميحًا لا تصريحًا شباب جيل “زد” الغاضب.

أنهى الملك خطابه وغادر إلى قصره العامر، وظلت الأسئلة الحارقة معلقة على الشفاه من دون أجوبة شافية كافية.

ولم يكن مستغربًا، والحال هذه، أن تضج مواقع التواصل الاجتماعي بسيل لا متناهٍ من التعليقات الحانقة والساخرة، وأخرى رأت فيه استفزازًا صريحًا.

الخطاب الملكي، الذي طال انتظاره على نحو غير مسبوق، حمل من خيبات الأمل أكثر مما تضمن من بوارق الأمل.

إذ إن مطلب إسقاط الحكومة، الذي جعل منه شباب “زد” قطب الرحى في معركة محاربة الفساد، لم يجد صدى ولا تجاوبًا من قبل المؤسسة الملكية.

بل إن الملك استهل خطابه بالتنويه بعمل المؤسسة التشريعية وحثها على استكمال البرامج والمشاريع المفتوحة فيما تبقى من الزمن التشريعي.

إذن، لا تغيير خارج المؤسسات، ولا مساءلة أو محاسبة لرموز الفساد والأوليغارشية الاقتصادية التي اغتنت على حساب الطبقات المسحوقة.

بل إن الخطاب وفّر الغطاء السياسي للحكومة للاستمرار في عملها، واقتصر الأمر في النهاية على رمي الكرة في ملعبها، تاركًا إياها في مواجهة مباشرة مع الشارع يصعب التنبؤ بمآلاتها.

من البديهي أن شباب جيل “زد”، وهو يرى نفسه صوتًا لمن لا صوت له في مغرب يسير بسرعتين، كان يتوقع رسائل لا رموز فيها.

وكان المؤمل أن تتجاوب المؤسسة الملكية، ولو بالحد الأدنى، مع مطالبه، وهو ما لم يرد في الخطاب، الأمر الذي من شأنه تعميق منسوب الإحباط في أوساط الشباب بعد أن راهن على مخاطبة القصر مباشرة لرفع تظلماته، وأعرض عن الحكومة التي يعتبرها فاقدة للشرعية وجسدًا بلا روح لا يجدي النفخ فيه.

الراجح، وفق ردود الفعل الأولية على منصات التواصل الاجتماعي، أن شباب جيل “زد” لن يستكين ولن يبرح الشارع، بل إن هذا الحراك الجديد قد يتخذ في مرحلة لاحقة أشكالًا نضالية تصعيدية ومبتكرة للدفع في اتجاه إقرار إصلاح جذري للسياسات العمومية لا يقتصر على تغيير الوجوه فحسب.

والحقيقة أن لا أحد من المغاربة، من الصادقين مع أنفسهم على الأقل، يتوقع أن تحقق الحكومة في عشرة أشهر ما عجزت أو تقاعست عن تحقيقه في أربع سنوات، مثلما فعلت سابقاتها من الحكومات.

وتأسيسًا على ذلك، سيفرغ خطاب الملك من معناه إن لم يجد تجسيدًا حقيقيًا على الأرض بما ينعكس على واقع المواطنين ويلمس أثره.

تقود هذه اليقينيات مجتمعة إلى حقيقة قديمة جديدة، مفادها أن مسلسل الإصلاح في المغرب عسير ومستعصٍ، وعلى قدر غير يسير من التعقيد، بسبب طبيعة النظام السياسي وقواعد اللعبة نفسها، حيث تحتكر الملكية التنفيذية كامل السلطات والصلاحيات وتستأثر بالقرارات الاستراتيجية.

لم تتخطَّ مطالب جيل “زد” حتى هذه اللحظة الملفات الاجتماعية، وهي موضوع إجماع وطني لا يختلف عليه اثنان.

بيد أن سقف المطالب قد يرتفع تدريجيًا، وقد تتعالى الأصوات لطرح إصلاحات سياسية عميقة تطال جوهر النظام السياسي.

وفي المقابل، فإن خطاب الإصلاح من داخل المؤسسات، الذي تروج له الدولة وأذرعها ونخبها الإعلامية والسياسية الفاسدة، لا يبدو أنه يستهوي هؤلاء الشباب الفطنين، ليقينهم بأن الإصلاح مرتبط بشرط توفر الإرادة السياسية الحقيقية، لا ديمقراطية الواجهة.

وأيضًا لأنهم استخلصوا ما يكفي من الدروس والعبر من تجربة حركة 20 فبراير، التي اتُّخذت مطية للوصول إلى السلطة، ليدركوا أخيرًا أن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح.

المصدر