ARTICLE AD BOX
الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي: “رأسمالية التواطؤ” في المغرب تسحق الفقراء والطبقة الوسطى
نجيب أقصبي
الإثنين 13 أكتوبر 2025 | 00:05
قال الخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي إن موجة الغضب التي تجتاح جيل الشباب المغربي المعروف بـ”جيل زد” ليست ظاهرة مفاجئة، بل نتيجة مباشرة لما وصفه بـ”رأسمالية التواطؤ” التي ترسخت في المغرب منذ عقود، مضيفًا أن منطقها “يسحق الفقراء والمهمشين وحتى الطبقة المتوسطة”.
في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، أوضح أقصبي، الأستاذ الجامعي المتخصص في استراتيجيات التنمية والسياسات المالية والزراعية، أن جذور الأزمة الاجتماعية الراهنة تعود إلى الخيارات الاقتصادية الكبرى التي اتخذها المغرب منذ ستينيات القرن الماضي، حين تبنّى اقتصاد السوق وانخرط في العولمة الليبرالية من دون حماية كافية للنسيج الاجتماعي المحلي.
🔹 من اقتصاد السوق إلى “رأسمالية الريع”
يرى أقصبي أن المغرب، الذي انحاز في بدايات الاستقلال إلى “العالم الحر” الغربي، راهن على القطاع الخاص باعتباره المحرّك الرئيس للنمو وخلق فرص العمل. غير أن “هذه المقاربة أدت في الواقع إلى بناء اقتصاد ريعي قائم على الاحتكار والمضاربة لا على الإنتاج”، حسب قوله.
وأضاف أن “ثلثي الاستثمارات في البلاد مصدرها الدولة والمؤسسات العمومية، بينما لا يمثل القطاع الخاص سوى ربع الاستثمار الوطني، ما يدل على عجزه عن لعب دور ديناميكي في خلق الثروة أو فرص الشغل”.
وأوضح أن ما تمخض عن هذا المسار هو “طبقة من المستفيدين من الريع بدل طبقة من رواد الأعمال الحقيقيين”، مشيرًا إلى أن المغرب يعيش “رأسمالية محسوبية تتحكم فيها أقلية تملك النفوذ الاقتصادي والسياسي”.
🔹 احتكارات واسعة وريع ممنهج
وسرد أقصبي أمثلة لما وصفه بـ”نظام الاحتكارات المقنّعة”، مبرزًا أن قطاعات البنوك والتأمين والمحروقات والأغذية الزراعية وصيد الأعماق والنقل الحضري “تُدار عبر اتفاقات ضمنية بين عدد محدود من الفاعلين الذين يفرضون الأسعار خارج منطق السوق”.
وأوضح أن “الفارق بين السعر الفعلي وسعر السوق في الوقود مثلًا قد يصل إلى درهمين أو ثلاثة في اللتر الواحد، وهو ريع صريح يُقتطع من جيوب المستهلكين”، مضيفًا أن “النظام السياسي نفسه يعتمد على توزيع هذا الريع كآلية للولاء السياسي”.
🔹 العولمة… ربحٌ للنخبة وخسارةٌ للبلاد
وحذر الخبير الاقتصادي من أن خيار الاندماج في العولمة لم يخدم الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن العجز التجاري المغربي “مزمن ومتزايد منذ السبعينات”، وأن معدل تغطية الصادرات للواردات لم يتجاوز 60 في المئة سنة 2024.
وأضاف أن المغرب “خسر أكثر مما كسب من اتفاقيات التبادل الحر”، بينما بقي الاستثمار الأجنبي في حدود 3 في المئة من الناتج المحلي، معتبرا أن ذلك “لا يخلق دينامية داخلية حقيقية”، وأن النتيجة كانت “مجتمعًا منقسمًا إلى مغربين: مغرب حديث موجه للسياح والمستثمرين، وآخر فقير يعيش التهميش”.
🔹 الوعي الملكي والفجوة مع الواقع
ورغم إقرار أقصبي بأن الملك محمد السادس أبدى في خطبه اهتمامًا متكررًا بالقضايا الاجتماعية، إلا أنه تساءل عن سبب استمرار الهوة بين الخطاب والواقع بعد أكثر من ربع قرن من الحكم.
وقال: “منذ تقرير الخمسينية عام 2005 إلى خطاب العرش سنة 2014 الذي طرح فيه الملك سؤال: أين ثروة المغرب؟، لم تتغير المعادلة. فالنظام ما زال إقصائيًا يفاقم الفوارق، والفقراء والطبقة الوسطى يسحقهم المنطق نفسه”.
وأشار إلى أن الإجراءات الاجتماعية، مثل رفع الحد الأدنى للأجور أو توسيع التغطية الصحية، تبقى “مجرد مسكنات”، مضيفًا بعبارة لافتة: “عندما تصعد التفاوتات بالمصعد، تكتفي الفتات الاجتماعية بالدرج”.
🔹 تآكل الطبقة الوسطى والعبء الضريبي
وأوضح أقصبي أن الطبقة الوسطى “تتعرض لتفقير ممنهج”، مشيرًا إلى أن “إصلاح الضريبة الذي أطلقته حكومة عزيز أخنوش كان مضادًا للعدالة”، إذ خفّض الضرائب على الشركات الكبرى من 31 إلى 20 في المئة، بينما رفعها على الشركات الصغرى والمتوسطة.
وأضاف أن الموظفين، الذين يمثلون عماد الطبقة الوسطى، “يدفعون ثلاثة أرباع ضريبة الدخل، في حين تستفيد الفئات العليا من الإعفاءات والثغرات القانونية”.
🔹 القطاع غير الرسمي: ملجأ الفاشلين أم نتاج للنظام؟
ويرى أقصبي أن القطاع غير الرسمي ليس “شواذًا”، بل “نتاج مباشر لبنية الاقتصاد الرسمي نفسه”، إذ تحتاج الشركات الكبرى إلى “جيش احتياطي من العمال غير المهيكلين للحفاظ على ربحيتها”.
وأوضح أن الاقتصاد المغربي لا يخلق سوى 40 إلى 50 ألف فرصة عمل سنويًا، في حين يلتحق بسوق الشغل نحو 150 ألف شاب، ما يدفع غالبيتهم إلى الهجرة أو الالتحاق بالقطاع غير الرسمي.
واختتم أقصبي حديثه بتأكيد أن “النظام القائم لا يمكنه الاستمرار من دون إصلاح جذري يعيد توزيع الثروة ويُحرر الاقتصاد من الريع”، مضيفًا أن “جيل زد، الذي يخرج اليوم إلى الشارع، ليس عدوًا للنظام بل مرآة لخيباته”.
.jpg)
منذ 6 أشهر
15






