ARTICLE AD BOX
أنس السبطي
هلوسات الانعزالية المغربية
السبت 31 يناير 2026 | 13:35
ثمة اتفاق ضمني بين مختلف الشركاء المتشاكسين على التوظيف المكثف لمباريات كرة القدم للدعاية الرسمية لمختلف الأنظمة السياسية في القارة السمراء، نظرا لمفعولها السحري لدى المتابعين، حتى لو أدى ذلك إلى تحويل الملاعب الرياضية لساحة حرب حقيقية من طرف أنظمة هشة تلتمس الشرعية من جلدة منفوخة بالريح.
آراء أخرى
من هنا فقد خرج التعاطي مع كرة القدم على المألوف لدى الجمهور الكروي الأصلي الذي أصبح يتيما، وهو يرى مختلف شرائح المجتمع الجديدة الموجهة من طرف أدوات البروباغندا الجديدة تنخرط بحماس في نقاشات بعيدة عن الجوانب التكتيكية والتقنية الكروية، فقلما تجد الآن من يناقش الخطة والتشكيلة والأداء.
فمنذ متى كان تركيز مجانين الكرة على لون أو شكل أو حتى قصة شعر اللاعب، لكن كل هذا تعبير عن أننا أمام حرب بلا ضوابط أو أخلاق، فقد تجاوزنا الصراعات الكروية التي تبقى حبيسة الملعب إلى الشتائم العنصرية البذيئة التي ما عاد أحد يستخدمها حتى عند أكثر العنصريين تعصبا في المجتمعات الغربية.
لا أحد بريء من الأطراف المشاركة في الكان، وإن تفاوتت درجات الشحن من طرف لآخر، وتظل الساحة الشمال إفريقية هي الأعلى نبرة لا سيما الثنائية المغربية – الجزائرية التي أصبح فيها التلاسن مبتذلا ومثيرا للغثيان، الشيء الذي استغلته الدعاية الرسمية المغربية في تأليب المغاربة على الآخر العربي والإفريقي.
ففي كأس إفريقيا المنصرم، لم ترق لمنابر إعلامية تحريضية مشاهد ترحيب المغاربة بالزوار وفتح بيوت بعضهم أمامهم والتقاط الصور التذكارية معهم، والتي تظهر كرم المغاربة وحفاوتهم المعهودة مع الضيوف، كما لم يرق لهم تشجيع الجمهور المغربي لعدد من المنتخبات العربية. فعملت على التنقيص من أصحاب هذه المبادرات الكريمة وتصويرهم بمظهر المغفل الساذج.
هذا الضخ والشحن المكثف سيؤتي أكله وسيتغير موقف الكثير من المغاربة، بعد أن عملت هذه الأدوات على تصيد أخطاء المشجعين لإصدار تعميمات لا قيمة لها رغم أنه لم يثبت على أن من تم الترحيب بهم هم من صدرت منهم أفعالا غير لائقة.
كما أن من التعسف الحكم على الشعوب انطلاقا من هذه الشريحة لغياب الشروط الموضوعية لديها لتمثيل شرائح المجتمعات المتعددة، فهي الشريحة الأكثر اندفاعا وطيشا بين الجمهور الكروي الواسع، إضافة إلى أن هناك نسبة غير قليلة لا تهتم بالكرة في تلك المجتمعات، فلماذا يشملها التعميم أيضا؟
لسنا أمام انفعال عفوي وليس حتى تعصبا أرعنا، فالأمر مقصود ذلك أن فكرة أن محيط المغرب عدواني وأن المغرب يستحق جيرانا أفضل ليست جديدة، وقد كان المقصود بها الجزائر في البداية، ثم جرى تعميمها على الدول العربية بعد ذلك، أما اليوم ففوهة البندقية وجهت أيضا للدول الإفريقية.
كل هذا في تجاهل لنقاط الضوء العديدة والإشارات الودية التي بعثت بها نخب إعلامية وشخصيات عربية وإفريقية للمغرب وللكأس المنظمة على أرضه، لأن الأولوية عند القوم هي تهييج المشاعر وإثارة النعرات.
كما أن مبدأ الاستحقاق الذي طغى على الكثيرين يجعل الطرف الآخر ملزم بمدحك والثناء عليك حتى لو لم تقابل تعامله بالمثل. فمثلا يحق للمغرب الرسمي أن يطبع مع الاحتلال الصهيوني وينسق معه وتستقبل موانئه أطنانا من أسلحة الفتك بأطفال غزة، ولا ينبغي للفلسطيني أن يجرؤ على تقديم عتاب بسيط للنظام المغربي حول هذا الموضوع.
ويحق لهم كذلك أن يجعلوا من نزقية حسام حسن وشقيقه إبراهيم مبررا للتهجم على الشعب المصري رغم تبرؤ الكثيرين من المصريين من سلوكاتهما بينهم شخصيات معروفة.
وتصل الوقاحة مدى تلفيق أخبار غير صحيحة للتحرش بالجميع، كما في حالة خبر توقيف المعلق المغربي جواد بدة الكاذب من قنوات بين سبورت القطرية.
في مقابل هذا التنطع غير المنطقي، فلا إجماع في الفضاء الإلكتروني في أية مسألة فلماذا يجب أن يتحقق الإجماع على الإشادة بالمغرب، نلمس وداعة وليونة وصفحا عن الصفعات العنصرية الموجهة باستمرار للمهاجرين المغاربة في الغرب، كما لا تجد منهم من تحرك في قضية تحرش السفير الصهيوني السابق بالنساء المغربيات، ولم يثر قرار العم ترامب منع التأشيرة عن المهاجرين من جنسيات مختلفة بينها الجنسية المغربية أي رد فعل منهم. أما عرض نتنياهو المتكرر لخريطة المغرب مبتورة من الصحراء، فتلك قضية أضحى تناولها من المحرمات.
لنقتصد في السب والشتم والتجريح في الآخرين، فبيتنا من زجاج نحن أيضا، فما فعله لاعبو المنتخب السينغالي مع مدربهم في مباراة نهاية كأس إفريقيا هو عين ما قام به طاقم الوداد البيضاوي في تونس ضد الترجي في نهاية عصبة الأبطال الإفريقية سنة 2019. كما أن الشغب الذي تم رصده في الكان عند بعض المشجعين الأجانب لا يقارن أبدا بما تحدثه فئة عريضة من الجماهير الرياضية المحلية في إغارتهم على مدن أخرى، والأمثلة في هذا الصدد أكثر من أن تعد.
إن الحديث عن المؤامرة على المغرب هي من الهلوسات التي يدرك مروجوها أنها فبركات دعائية، فعلى ماذا ستحسدنا الأقوام الأخرى على تعليمنا الرديء؟ أم على صحتنا المنهكة؟ أم على البطالة المتفشية؟ أم على المديونية المرهقة؟
الحقيقة أن القوم عمدوا إلى الاستعداء المجاني لأغلب شعوب الجوار من أجل سلخ المغاربة عن محيطهم عبر غسيل دماغ مكثف يشوه وعي الشعب المغربي، كي تتحول البلاد إلى خاصرة رخوة وفريسة سهلة للاختراق الصهيوني ومشاعا لأطماع الأمريكي.
.jpg)
منذ 2 أشهر
8







