ARTICLE AD BOX
أحمد بوز
هل يفقد الأستاذ الجامعي استقلاليته عندما يصبح محاميا؟
الجمعة 08 ماي 2026 | 22:07
ليس دفاعا عن “هاشمية جامعية”، ولا سعيا إلى اقتحام مهنة المحاماة أو “مزاحمة” أهلها، وبينهم أسماء كثيرة تستحق كل التقدير، وإنما حرصا على تدقيق النقاش وتحريره من كثير من الانفعالات وسوء الفهم، ورفضا لتحويله إلى مواجهة مصطنعة بين الأساتذة الجامعيين والمحامين، آثرت كتابة هذا القول تفاعلا، ولا أقول ردا، مع مقال “مهنة المحاماة ليست مجرد وظيفة، وإنما هي مسؤولية والتزام قانوني وأخلاقي”، للصديق علي أنوزلا، الذي أعرف أن منطلقه في ما كتب نابع من قيم الصدق التي يتحلى بها ومن دفاعه المستميت عن المهنة التي يمارسها، وعن الرسالة النبيلة التي يفترض أن تضطلع بها المحاماة داخل المجتمع.
آراء أخرى
ومن هذا المنطلق تحديدا، يبدو ضروريا الانتقال من منطق الانفعال والتخندق المهني إلى نقاش هادئ حول طبيعة العلاقة بين الجامعة والمحاماة، وحول الأسس التي يبنى عليها القبول أو الرفض. فمن حق أي شخص أن يعارض الجمع بين مهنة الأستاذية الجامعية ومهنة المحاماة، ومن حقه أيضا أن ينتقد الشعارات التي رفعت في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها بعض أستاذة الجامعة، ولم أكن أنا من بينهم، كما من حقه أن يكون له رأي في تنظيم الوقفة أو في تنظيمها بعد خطاب صادر عن وزير، وهو بالمناسبة محاميا وليس أستاذا جامعيا، غير أن ما يثير النقاش فعلا ليس الموقف في حد ذاته، وإنما الأساس النظري والأخلاقي الذي بني عليه هذا الرفض، خصوصا حين تم ربطه بفكرة “الاستقلالية”، وكأن الأستاذ الجامعي يفقد استقلاله الفكري والمهني بمجرد انتمائه إلى الوظيفة العمومية.
هذا التصور يبدو مبالغا فيه، بل ويتعارض مع تجارب دولية وممارسات قانونية مستقرة في عدد كبير من الديمقراطيات، حيث يجمع آلاف الأساتذة الجامعيين بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية للمحاماة دون أن ينظر إليهم باعتبارهم فاقدين للاستقلالية أو مجرد امتداد للدولة أو على الأصح للسلطة التي تقود الحكم فيها. أما الدولة بمفهومها القانوني على الأقل فجميعنا جزء منها، معارضين أو موالين. بل إن الجامعات الكبرى في العالم تعتبر الجمع بين المعرفة النظرية والممارسة المهنية قيمة مضافة، لأنه يربط التكوين الأكاديمي بالواقع العملي، ويمنح الطلبة تكويناً أكثر حيوية وعمقاً.
فالاستقلالية ليست وضعا إداريا صرفا، وليست صفة ميكانيكية تكتسب أو تسلب بحسب الانتماء الوظيفي، بل هي قبل كل شيء سلوك وممارسة وثقافة مهنية. وإلا فكيف يمكن تفسير وجود قضاة غير مستقلين رغم أن القانون يمنحهم كل ضمانات الاستقلال؟ وكيف يمكن تفسير وجود صحافيين يمارسون الرقابة الذاتية رغم أنهم لا يخضعون تنظيميا للدولة؟ بالمقابل، عرف المغرب والعالم أساتذة جامعيين وصحافيين وموظفين عموميين أبانوا عن قدر كبير من الجرأة والاستقلالية الفكرية والأخلاقية في مواجهة السلطة والاستبداد.
ثم إن القول إن الأستاذ الجامعي بحكم خضوعه للإدارة لا يمكن أن يكون مستقلا كمحام يفتح الباب أمام منطق خطير، لأن الأمر نفسه يمكن أن يقال عن الصحافي الذي يعمل في مؤسسة إعلامية لها مالكوها ومصالحها وخطوطها التحريرية، أو عن الطبيب الذي يشتغل في مستشفى عمومي، أو حتى عن القاضي الذي يشتغل داخل مؤسسة تراتبية أو بيروقراطية. فهل يعني ذلك أن كل هؤلاء فاقدون للاستقلالية بالضرورة؟ إن الاستقلالية مفهوم أعقد من مجرد الوضع الإداري، وهي ترتبط أساسا بوجود ضمانات قانونية وأخلاقيات مهنية وقدرة شخصية على مقاومة الضغط.
كما أن التجربة المغربية نفسها تفرض إعادة النظر في هذا الطرح، لأن الجمع بين الأستاذية والمحاماة كان قائما لعقود طويلة وليس وليد المطالب الجديدة ولم يعتبر في يوم ما تهديدا لبنية العدالة أو لاستقلالية الدفاع. ولم يظهر خطاب التمييز بين الأستاذ الجامعي والمحامي إلا بعد التعديلات التي عرفها القانون سنة 1993، حين تم التضييق على هذا الجمع وإخضاعه لشروط جديدة. وبالتالي، فالأمر لا يتعلق بمبدأ مقدس استقر عليه النظام القانوني المغربي منذ البداية، بل باختيار تشريعي قابل للنقاش والأخذ والرد.
ومن المهم أيضا التمييز بين “الجمع بين المهنتين” و”الولوج إلى المهنة”. فالنقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بأستاذ يمارس المحاماة بالتوازي مع التدريس، بل أيضا بحق الأستاذ الجامعي، بعد سنوات طويلة من البحث والتكوين القانوني، في الولوج إلى مهنة المحاماة بشروط معقولة دون أن يفرض عليه شرط السن. وهنا يصبح السؤال مشروعا: لماذا ينظر إلى الأستاذ الجامعي باعتباره “خطرا” على المهنة، بينما يفتح الباب أمام فئات أخرى؟ وأين هو المعيار الموضوعي الذي يجعل الخبرة الأكاديمية القانونية أقل قيمة من غيرها؟ ولماذا لا يعتبر الأستاذة الجامعيون المحامي خطرا على التدريس عندما يتولى عشرات المحامين والقضاة أيضا، إن لم نقل أكثر، إلقاء دروس ومحاضرات، بدعوة من الأساتذة الجامعيين أنفسهم، بعدد من أسلاك الماستر بمعظم إن لم نقل جميع كليات الحقوق بالمغرب.
غير أن ما يثير حقا في خطاب الرفض هذا هو تحويل النقاش من مستوى المبدأ إلى مستوى النوايا والأشخاص، عبر تصوير كل من يدافع عن ولوج الأستاذ إلى مهنة المحاماة باعتباره “انتهازيا” يبحث عن الامتيازات أو يخوض “حربا بالوكالة”. فهذا النوع من الخطاب لا يناقش الفكرة بقدر ما يطعن في الأشخاص، ويحول نقاشا قانونيا ومهنيا مشروعا إلى محاكمة أخلاقية للنوايا. والحال أن من حق أي فئة مهنية أن تدافع عن مصالحها، كما من حق المجتمع أن يناقش حدود تلك المطالب ومدى مشروعيتها، دون تخوين أو شيطنة متبادلة. صحيح أن النزوع الفئوي أصبح، مع الأسف، حاضرا بقوة في عدد من النقاشات المهنية والنقابية، وأن كثيرا من الفئات باتت تدافع عن مصالحها بمنطق يغلب عليه هاجس الحماية والامتياز، لكن من الصعب اختزال هذه الظاهرة فقط في مطالب بعض الأساتذة الجامعيين. فحتى الاتجاه الداعي إلى تضمين قانون المحاماة مقتضيات تقصي عمليا الأساتذة الجامعيين من الولوج إلى المهنة أو تجعل ذلك شبه مستحيل، لا يخرج بدوره عن منطق الدفاع الفئوي ومحاولة ضبط حدود المهنة بما يحمي مصالح المنتسبين إليها.
ثم إن المفارقة الحقيقية ليست في مطالبة بعض الأساتذة بحق مهني معين، بل في الانتقائية التي أصبحت تطبع النقاش العمومي نفسه، حيث يتم أحيانا اختزال القضايا المعقدة في ثنائيات أخلاقية قد تبدو مبسطة: مستقل وغير مستقل، مبدئي وانتهازي، مدافع عن العدالة وباحث عن الامتيازات. فحتى ولو كانت بعض الممارسات من هذا النوع موجودة وقائمة ويجب الإقرار بها فيجب الإقرار أيضا بأن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
لا أريد في هذا المقال أن أنجر إلى النقاش الذي يحاول إقحام بعض مظاهر الفساد والاختلالات الموجودة داخل الجامعة باعتبارها مبررا لإقصاء الأساتذة الجامعيين من ممارسة مهنة المحاماة أو التشكيك في أهليتهم الأخلاقية لذلك. فمثل هذا المنطق، إذا جرى تعميمه، سيقودنا إلى نتائج عبثية، لأن الفساد والانحرافات المهنية ليست حكرا على الجامعة، ولا تختص بحقل دون آخر، بل هي ظواهر توجد، بدرجات متفاوتة، داخل مختلف المهن والمؤسسات.
ومن ثم، لا يمكن بناء المقتضيات القانونية أو تنظيم الولوج إلى المهن انطلاقا من حالات الانحراف الفردي أو الاختلالات المعزولة، وإلا لأصبح منطق المنع والإقصاء هو القاعدة العامة. فوجود صحافي متورط في الابتزاز لا يعني منع الصحافيين من ممارسة الصحافة، ووجود قاضٍ فاسد لا يعني الطعن في أهلية القضاة، كما أن وجود محامٍ أخل بأخلاقيات المهنة لا يبرر التشكيك في المحاماة كمهنة ورسالة.
إن النقاش هنا يجب أن يبقى في مستواه الحقيقي: هل يتعارض الجمع بين الأستاذية الجامعية والمحاماة، من حيث المبدأ، مع استقلالية المهنة وضمانات العدالة؟ أما تحويله إلى محاكمة أخلاقية لقطاع بأكمله عبر استدعاء بعض مظاهر الفساد داخله، فهو انزلاق يبعد النقاش عن جوهره القانوني والمؤسساتي، ويحوله إلى سجال انفعالي لا ينتج حلا ولا يبني موقفا متماسكا.
بمعنى آخر، إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول ما إذا كان الأستاذ الجامعي “يستحق” ممارسة المحاماة، مادام هناك افتراض مسبق أن وظيفته تجعله يؤثر على استقلالية المحاماة، بل يفترض أن ينصرف إلى البحث في الضمانات القانونية والأخلاقية والتنظيمية الكفيلة بحماية استقلال المهنة وجودة العدالة، سواء مارسها أستاذ جامعي أو غيره. ذلك أن استقلالية المحاماة لا تصان بمنع فئة بعينها من الولوج إلى المهنة، ولا بإقامة حواجز مهنية مغلقة، وإنما تحمى أساسا بقوة المؤسسات، وبصرامة أخلاقيات المهنة، وبوجود قضاء مستقل فعلا، وضمانات حقيقية لحرية الدفاع، فضلا عن مجتمع يقظ، ورأي عام حي، وصحافة حرة ومستقلة قادرة على مراقبة الاختلالات وكشف مظاهر الانحراف أيا كان مصدرها.
ـ أستاذ جامعي
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







