ARTICLE AD BOX
عائشة بلحاج
المثقّف المغربي بين المعطي منجب والطاهر بن جلون
الجمعة 08 ماي 2026 | 23:21
في غمرة الأيّام الأولى من معرض الرباط الدولي للكتاب، الذي بدأ بلقاءات تسعى إلى استقطاب الجمهور الواسع بندوتَين مع الروائية الفرنسية الفائزة بـ”نوبل” آني إرنو، والكوميدي المغربي حسن الفذ، غطّى موقف على الصورة التي رغب منظّمو المعرض في تقديمها، بواقعة منع المؤرِّخ المعطي مُنجب من دخول المعرض. مُنجب الذي يعاني منذ سنوات من حصار بلغ أشدّه في السجن، وما زال، رغم العفو عنه، يُعاني حرمانه من السفر والعمل وحجز أملاكه.
آراء أخرى
لاقى الموقف الذي تعرّض له صدى كبيراً، وصار الحدث بطل المعرض، لا اختياراته التي تواجه علامات استفهام كثيرة. رُويت حكايات كثيرة عن الواقعة، وأخذ كلّ طرف قطعة منها، ليتّخذ موقفه رغم أنّها موثّقة بالفيديو، لكنّ الفيديو فيه مقاطع مختلفة، وقليلٌ من ينشر بداية الحدث. في تلك اللحظة، كان الطاهر بن جلّون ضيف ندوة صارت معتادة في دورات المعرض. وجاء مُنجب للردّ مباشرة على اتهام بن جلّون له في مقال صحافي بالاختلاس.
روايات موثوقة تتحدّث عن انفعالٍ غير مبرّر لمُنجب، وأنّه لم يُمنع من الدخول، كما صرّح، للردّ على بن جلّون. ردّة الفعل الأولى تفاعلَت مع مَقُولة المنع رغم أنّه غريب في المكان والزمان، لكنّ كثرة السوابق التي تخنق حرّية التعبير في المغرب، ولم تخطر في البال، خفّضت مستوى التوقّعات، فلم يعد غريباً أن يُعنّف التاس أو يُمنعوا أو يُعتقلوا لأسباب بسيطة.
لكن يتحتّم علينا أن نضع الحدث في سياقه، فمُنجب جُرّد من حقوقه كلّها، أُجهز على معنوياته وشخصيته، واضطهد حتى انتفى الفارق بين المنع المقصود (المُمعَن فيه سنواتٍ) وسوء التفاهم. المفارقة أنّ بن جلّون تضامن بعدها مع مُنجب، حتى وهو غير ممنوع، وكان على بن جلّون أن يكون أميناً مع نفسه، ويعترض على منع الكاتب من قبل، وعدم انتظار لحظة انفجار. فهو اختار في مقال له تبرئة نفسه من تهمة عدم التنديد بالتضييق على حرّية الرأي في المغرب، أن يعتبر مُنجب مذنباً بالاختلاس، وغير ذي أهمية كاتباً، إذ لم يكن عليه أن يتضامن معه، ولم يكن عليه سوى اتخاذ موقف عام تجاه الاضطهاد المتزايد لحرّية التعبير في المغرب، مع أنّه صار مؤلماً له على ما يبدو أن يتخذ موقفاً.
مع ذلك اختار أن ينصّب نفسه حكماً على رجلٍ لو اختار أن يغادر البلاد سابقاً، ويستفيد من أنّه معارض، لعاش حياة مريحة بدل الحرمان. وستكون أسهمه في أوروبا أعلى من بن جلّون الذي يأتي تقديره من داخل المؤسّسة الفرنكوفونية التي خضع لشروطها، وليس من جمهور عام اكتسب احترامه، لمواقف سياسية أو اختيارات أدبية أو إنسانية خارج متطلّبات السوق.
مَن منّا يتحمّل هذا الضغط كلّه، ولا يوشك على الانفجار كلّ لحظة؟ كيف لا تصبح سنوات المنع والقمع كوابيس تتكرّر عند أوّل فرصة؟ لم يتعرّض منجب للمنع في المعرض، بل ما حدث كان يمكن تفاديه. لكن عندما يتراكم الضغط، لا أحد يعرف متى يحدث الانفجار، وما حدث مع منجب لفت الانتباه مجدّداً إلى وضع غير إنساني لكثير من الأصوات المعارضة.
لا أُحمّل مُنجب مسؤولية الاندفاع في سلوكٍ ليس في صالحه، بل أُحمّلها لمهندسي اضطهاده، هو وغيره. لعلّ هذا الحادث يدفع الدولة في المغرب إلى التفكير في العواقب، فبينما تُستَثمر موارد كثيرة في إظهار مغرب مثقف متنوّر للمدعوين الأجانب، في سنة أُلغيت فيها معارض كثيرة، فيقدّم نفسه ساحة استقرار في منطقة تغلي، تأتي واقعة مُنجب لتسلّط الضوء على المغرب الذي يحاولون إخفاءه، مغرب انعدام الحرّية الذي حاولت الدولة، بالإفراج عن مُنجب وآخرين، أن تُسكت الأصوات المُؤاخذة على اعتقالات سياسية، ولم تُعِد إليه حرّيته، ولا كرامته.
هل نلوم مثقفاً جُرّد من حقوقه كلّها أو مثقفاً باع ثقافته لقارئ أجنبي على مفصّل في مقاسه، ويعود كلّ سنة إلى بلده الأصلي ليُفتي في الأدب والثقافة؟ بغضّ النظر عن أنّه مثقّف ندّد بـ”7 أكتوبر” (2023)، وصمت سنتَين عن الإبادة في غزّة.
ـ المصدر: عن “العربي الجديد”
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







