نورمان فينكلشتاين في “ما وراء الوقاحة”.. أسطورة الصهيونية كما لم تُروَ

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

على الرغم من أصوله اليهودية التي تربطه بالمجتمع الذي يُعد داعمًا تقليديًا لدولة إسرائيل، فإن نورمان فينكلشتاين كرّس حياته الأكاديمية والمهنية للكشف عن ما يعتبره تجاوزات إسرائيلية وانتهاكات لحقوق الإنسان في فلسطين. إنه نموذج للإنسان الذي يضع المبادئ فوق المصالح، وبفضل شجاعته الفكرية واستعداده لتحمل تبعات مواقفه، أصبح مصدر إلهام قوي في الدفاع عن حقوق المظلومين.

وُلد نورمان فينكلشتاين عام 1953 في بروكلين، نيويورك لعائلة يهودية نجت من المحرقة النازية، وقد أثرت تجارب والديه العميقة مع معسكرات الاعتقال النازية بشكل كبير على تكوينه الفكري والإنساني. وتعرّف فينكلشتاين خلال نشأته على قصص معاناة عائلته، وزرع فيه ذلك حساسية خاصة تجاه الظلم والاضطهاد.

“معاداة السامية الجديدة”

يُعتبر مفهوم “معاداة السامية الجديدة” أحد أبرز النقاط التي يتقاطع معها فينكلشتاين، حيث يتداخل فيها النقد المشروع لسياسات إسرائيل مع الاتهامات بمعاداة السامية. ويشير المفهوم إلى أن بعض الخطابات السياسية تجاوزت حدود النقد السياسي المشروع لتتحول إلى شكل من أشكال الكراهية.

يتم تصوير إسرائيل والصهيونية في بعض هذه الخطابات كرمز للشر المطلق، وهو تصوير يحمل في طياته صورًا نمطية تقليدية لطالما استخدمت ضد اليهود عبر التاريخ. ويرى البعض أن هذا النوع من الخطابات لا يعكس فقط انتقادًا لسياسات الاحتلال، بل يحمل أبعادًا أيديولوجية تهدف إلى نزع الشرعية عن وجود إسرائيل كدولة.

تُعد مواقف فينكلشتاين نموذجًا معقدًا لهذا النقاش، فهو من جهة ينتقد بشدة سياسات إسرائيل، خاصة في قضايا الاحتلال والاستيطان، ومن جهة أخرى يُتهم بإثارة جدل يصب في خانة معاداة السامية الجديدة. فبينما يعتبر نفسه ناقدًا شرسًا للصهيونية وسياسات إسرائيل، يرى خصومه أن خطابه يُعيد إنتاج صور نمطية خطيرة قد تُستخدم لتبرير الكراهية.

ساهمت وثيقة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، التي تم نشرها لأول مرة في عام 2016، في توجيه النقاشات حول الخطوط الفاصلة بين النقد السياسي المشروع لدولة إسرائيل ومعاداة السامية. ومع ذلك، لا يزال الجدل مستمرًا بين الأكاديميين والنشطاء حول كيفية فهم هذه الحدود، حيث يرى بعض النقاد أن هذه التعريفات تُستخدم أحيانًا لإسكات المعارضة السياسية، بينما يراها آخرون أداة ضرورية لحماية النقاشات من الانزلاق نحو الكراهية.

بحسب الوثيقة، فإن معاداة السامية هي: “تصور معين لليهود، يُعبر عنه بالكراهية تجاه اليهود. ويمكن أن تتجلى المظاهر المادية أو اللفظية لها في الاعتداءات ضد اليهود أو ممتلكاتهم، أو ضد مؤسسات ومرافق المجتمع اليهودي”. هذا التعريف تبنته المنظمة، وهو تحالف دولي يضم 35 دولة، يهدف إلى محاربة معاداة السامية والعنصرية والتطرف.

معارك فكرية

درس فينكلشتاين العلوم السياسية في جامعة برينستون، حيث بدأ يبلور أفكاره النقدية تجاه القضايا الدولية. في أطروحته للدكتوراه، تناول موضوع الصراع العربي الإسرائيلي من منظور تاريخي وسياسي، مما أثار انتقادات واسعة بسبب مواقفه التي اعتُبرت خارجة عن السائد.

أصدر فينكلشتاين العديد من الكتب التي تُعد مرجعًا في الدراسات السياسية والتاريخية، مثل “صناعة الهولوكوست” الذي انتقد فيه استغلال المحرقة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، و”ما وراء الوقاحة” الذي يُفكك فيه الرواية الإسرائيلية عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

إنه يمثل نموذجاً للمثقف الذي لا يخشى مواجهة التيار، حتى لو كان الثمن باهظاً. لم يكن طريق فينكلشتاين سهلاً، فقد واجه انتقادات شديدة من جهات أكاديمية وإعلامية، بل ومن داخل المجتمع اليهودي نفسه. لقد اتُهم بمعاداة السامية، رغم كونه يهوديًا، بسبب مواقفه الصريحة ضد سياسات إسرائيل، كما فُصل من منصبه الأكاديمي في جامعة دي بول عام 2007، في خطوة اعتبرها كثيرون نتيجة لضغوط سياسية.

زار فينكلشتاين غزة مرارًا، وأقام علاقات مع نشطاء فلسطينيين، وشارك في فعاليات تضامنية معهم. في كتابه “غزة: تحقيق في مذبحة”، وثّق فينكلشتاين الأحداث المأساوية التي شهدتها غزة خلال الحروب الإسرائيلية، وقدم تحليلات عميقة حول انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة.

“ما وراء الوقاحة”

في كتابه “ما وراء الوقاحة” (2005)، استمر فينكلشتاين في نقده اللاذع، مركزا في هذا العمل على تفكيك الرواية الإسرائيلية بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مسلطاً الضوء على السياسات التي اعتبرها محاولات لتبرير الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان، حيث دحض الحجج التي عادة ما تُستخدم للدفاع عن موقف إسرائيل في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، بما في ذلك استخدام معاداة السامية كأداة لتجنب انتقاد إسرائيل.

اعتمد فينكلشتاين في أعماله على وثائق وتقارير موثوقة، مما جعل حججه قوية ومزعجة في الوقت ذاته للمعسكرات المؤيدة لإسرائيل. لقد دعا إلى إعادة التفكير في الروايات المهيمنة، مشدداً على أهمية الإنصاف والعدالة، لا سيما في سياق الصراعات العالمية.

بينما كان نورمان لا يزال طالبًا دراسات عليا في جامعة برينستون، نشر نقدًا لكتاب “منذ الأزل” (1984) لجوان بيترز، الذي ادعى أن فلسطين كانت شبه خالية في أوائل القرن العشرين، وأن كلا من الجماعات العرقية اليهودية والعربية كانتا مهاجرتين. وصف فينكلشتاين الكتاب بأنه مزيف.

بعد مرور عقدين من الزمن، اعتبر فينكلشتاين أن تاريخ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني أقل تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا، وأشار إلى أن الرواية الرسمية للصهيونية، التي تفيد بأن الإذاعات العربية دعت الفلسطينيين للفرار، قد تم دحضها بقوة. وأضاف أن الأدلة التي تدحض تلك الرواية أصبحت متوفرة في الستينيات، لكن تأثيرها كان محدودًا. وفي أواخر الثمانينيات، ظهرت دراسات، بما في ذلك دراسات إسرائيلية، تدعي أن “أسطورة الصهيونية” التي تحيط بأصول النزاع قد تم تفنيدها.

وقد تحول النقاش الأكاديمي إلى مسائل أكثر تخصصًا، مثل ما إذا كان ما يعتبره فينكلشتاين “التطهير العرقي” نتيجة لسياسة صهيونية مقصودة أو نتيجة غير مباشرة لحرب 1948 بين العرب وإسرائيل. هذا الموضوع لا يزال محل جدل، خاصة في إسرائيل، حيث يواصل المؤرخون الرئيسيون معارضة الرؤية التي قدمها فينكلشتاين بشأن حرب 1948.

يتناول فينكلشتاين ما يسميه “معاداة السامية الجديدة” من خلال مصادر منشورة، ويجادل بأن المفهوم تم اختراعه من قبل مؤيدي إسرائيل لتصنيف أي انتقاد جاد لانتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها إسرائيل على أنه معاداة للسامية. والهدف من هذا الإطار، هو إسكات الانتقادات لسياسات إسرائيل وتوفير غطاء لسياساتها التوسعية وغير القانونية في الأراضي الفلسطينية.

في “ما وراء الوقاحة”، يوثق الكاتب ما يقول إنه تزوير لسجل حقوق الإنسان في إسرائيل من قبل ديرشويتز، ونسخه لأبحاث من كتاب جوان بيترز “منذ الأزل”(1984). وفقًا لرؤية بيترز، كانت فلسطين “أرضًا بلا شعب”، حيث كانت معظم الأراضي غير مأهولة بالسكان، مع وجود مجموعات عربية قليلة في المنطقة، ما يتيح المجال للهجرة اليهودية في ظل المشروع الصهيوني.

في رد فعل على ذلك، كتب محامو ديرشويتز رسائل إلى جامعة كاليفورنيا برس مهددين برفع دعوى قضائية إذا تم نشر الكتاب. كما كتب ديرشويتز إلى حاكم ولاية كاليفورنيا، أرنولد شوارزنيجر، طالبًا منه إيقاف نشر الكتاب. لكن شوارزنيجر أجاب بأنه “غير مائل للتأثير على هذه القضية نظرًا لوجود مسألة واضحة تتعلق بحرية الأكاديميين”. في النهاية، تراجع ديرشويتز وتم نشر الكتاب بواسطة جامعة كاليفورنيا برس، ولكن مع بعض التعديلات الطفيفة نتيجة لتهديدات ديرشويتز.

المصدر