ندوة علمية تؤكد راهنية فكر ابن رشد في مقاربة العلاقة بين العقل والإيمان

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

ندوة علمية تؤكد راهنية فكر ابن رشد في مقاربة العلاقة بين العقل والإيمان

الإثنين 04 ماي 2026 | 10:36

أجمع مشاركون في ندوة فكرية نُظمت ضمن البرنامج الثقافي لـمجلس الجالية المغربية بالخارج، في إطار فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، على استمرار حضور فكر ابن رشد كمرجع فلسفي في معالجة العلاقة بين العقل والإيمان، رغم مرور قرون على ظهوره، مبرزين أهمية إرثه القائم على إعمال الفكر النقدي.

الندوة، التي انعقدت يوم السبت، عرفت مشاركة كل من علي بن مخلوف وإسماعيل أصبان، وأدارها فؤاد مليح، حيث تناول المتدخلون أبعاداً متعددة من فكر الفيلسوف الأندلسي وتأثيره في التراثين الإسلامي والغربي.

حضور متجدد لفكر ابن رشد

واعتبر بن مخلوف أن استمرار قراءة ابن رشد لا يرتبط بكون فكره موجهاً لعامة الناس، بل على العكس، فإن طابعه الدقيق والمعقد أسهم في استمراريته، موضحاً أن الأفكار التي تتطلب جهداً في الفهم تكون أكثر قدرة على عبور الزمن.

وأشار إلى أن المفاهيم التي اشتغل عليها ابن رشد، خاصة ما يتعلق بالقياس العقلي والتمييز بين مستويات التفكير، أسهمت في ترسيخ حضور فكره في مختلف البيئات الثقافية، سواء في العالم الإسلامي أو في الغرب.

كما أبرز أن مفهوم “القياس” يشكل محوراً أساسياً في فلسفة ابن رشد، باعتباره آلية تقوم على الربط بين مقدمات مختلفة عبر عنصر مشترك، بما يمنح العقل طابعاً متوازناً يقوم على المقارنة بدل الأحكام القطعية.

تأثير ممتد في الفلسفة الغربية

وفي ما يتعلق بعلاقة ابن رشد بفلسفة أرسطو، أوضح المتدخل أن الفيلسوف الأندلسي، رغم انتمائه إلى تقليد شرح الفلسفة اليونانية، تميز بلقب “الشارح الأكبر”، نظراً للدور الذي لعبته شروحه في نقل فكر أرسطو إلى أوروبا خلال العصور الوسطى.

وأضاف أن عدداً من الفلاسفة الأوروبيين، من بينهم مونتين وتوما الأكويني، اطلعوا على فلسفة أرسطو من خلال شروح ابن رشد، رغم الجدل الذي أثارته بعض أطروحاته، خاصة ما يتعلق بمفهوم “وحدة العقل”.

وأكد بن مخلوف أن أعمال الشرح عند ابن رشد لم تكن مجرد نقل، بل شكلت إبداعاً فكرياً قائماً بذاته، مشيراً إلى تنوعها بين الشرح الكبير والمتوسط، وما لا يزال لها من أثر في البحث الفلسفي والعلمي.

بين الفقه والفلسفة

وتوقف المتدخل عند البعد القانوني في فكر ابن رشد، مبرزاً توظيفه لمفهوم “الفتوى” باعتبارها رأياً استشارياً، ما أتاح إدخال التفكير الفلسفي إلى مجالات كانت تفتقر إلى شرعيته.

كما أشار إلى أن ابن رشد اعتمد مفاهيم ذات حمولة دينية، مثل “الحكمة”، لتمرير مضامين فلسفية، في محاولة للتوفيق بين المرجعيتين الدينية والعقلية، وهي مقاربة اعتبرها بن مخلوف من أبرز التحديات التي واجهت مشروعه الفكري.

وأضاف أن ابن رشد، الذي كان طبيباً وقاضياً، لم يُعرف في حياته أساساً كفيلسوف، رغم الأثر العميق الذي تركه في هذا المجال، مبرزاً أن أعماله ساهمت في نقل مفاهيم دينية، مثل العدالة، إلى مجالات فكرية أوسع، في مسار يقارب ما قام به لاحقاً إيمانويل كانط.

جدل تاريخي وتأثير مستمر

واعتبر بن مخلوف أن فكر ابن رشد أثار جدلاً في الشرق والغرب على حد سواء، مذكّراً بأن بعض أعماله مُنعت في أوروبا خلال القرون الوسطى، رغم استمرار تأثيرها.

وأشار إلى أن مقولته الشهيرة “الحق لا يضاد الحق” شكلت أساساً فكرياً صمد أمام محاولات طمس إنتاجه، معتبراً أن راهنية ابن رشد تكمن في قدرته على استيعاب التعدد والاختلاف داخل منطق الحقيقة.

تفاعل مع علم الكلام

من جانبه، تناول أصبان العلاقة بين الفلسفة وعلم الكلام، مبرزاً أن النقاش بين المجالين يعود إلى مراحل مبكرة في التراث الإسلامي، وأن أعمال ابن رشد ساهمت في تطوير هذا التفاعل.

وأشار إلى بروز مقاربات جديدة بعده، خاصة مع فخر الدين الرازي، الذي مزج بين الفلسفة والكلام، ما أفضى إلى تجديد في مناهج التفكير.

كما أوضح أن المنطق أصبح، في مراحل لاحقة، أداة مشتركة بين مختلف التخصصات، من فقه ونحو وطب، وهو ما يعكس اتساع تأثير الفكر الفلسفي في العلوم الإسلامية.

بين “الحكمة” و“الفلسفة”

وفي ما يتعلق بالمصطلحات، أشار أصبان إلى أن بعض علماء الشريعة فضلوا استعمال مفهوم “الحكمة” بدل “الفلسفة”، لتفادي الإشكالات المرتبطة بها، رغم أن المفهومين يعبران في العمق عن مضمون واحد.

كما دعا إلى تعميق البحث في كيفية تفاعل العلماء المغاربة مع أعمال ابن رشد، مشيراً إلى وجود ردود علمية مبكرة على بعض مؤلفاته، ما يعكس حيوية النقاش الفكري الذي أثاره في محيطه الثقافي.

المصدر