ARTICLE AD BOX
محمد مونشيح
من "القبضة" إلى "الخوارزمية": ميكانيكا السلطة وتحولات الجناح الأمني بالمغرب
الأحد 01 فبراير 2026 | 13:10
هل تحول المغرب من “مملكة التقاليد” العريقة إلى “دولة الخوارزميات” الأمنية الحديثة؟
بعيداً عن القراءات الحقوقية الكلاسيكية، صعد في الكواليس “تكنوقراط أمنيون” استفادوا من دروس التاريخ وامتلكوا ناصية الندية الدولية، أصبح معها الأمن هو “الضمانة الوحيدة” والفيتو غير المعلن في إدارة ملفات الدبلوماسية والداخل، محولاً الأجهزة إلى “براند” (علامة تجارية) دولي يفرض شروطه على طاولة الكبار.
آراء أخرى
لقد تحولت قيادات الأجهزة الأمنية المغربية كثيرا في الزمن الراهن؛ إذ لم يعودوا مجرد “عسكريين” ينتمون للمدرسة القديمة، بل استفادوا كثيرا من دروس الماضي، حيث إن تاريخ المغرب الحديث مليء بحالات “تغول” أمني انتهت بنهايات درامية؛ بدءا من المذبوح، مرورا بأوفقير، وانتهاء بالدليمي، ناهيك عن الإقالة المأساوية لإدريس البصري.
فالذاكرة المؤسسية (الأمنية والعسكرية) خصبة في هذا المجال؛ لذا تحولت القيادات الأمنية إلى “تكنوقراط أمنيين” يمتلكون شبكة علاقات دولية، بالإضافة إلى التعاون مع الاستخبارات الأمريكية والفرنسية والإسبانية. إن “دَوْليّتهم” جعلتهم ضروريين وغير قابلين للاستبدال؛ لأنهم يمثلون “نقطة الاتصال الموثوقة” بالنسبة للخارج، وهي “مندمجة” في صلب القرار السيادي.
هذه الأجهزة تملك الآن “المعطيات” و”الأسرار” بفضل التكنولوجيا التي تحولت لوقود حرك محركات الأجهزة الأمنية، إذ لم تعد هذه الأخيرة تكتفي بالوسائل التقليدية، بل أصبحت “قوة سيبرانية” إقليمية، وهذا التحول التقني هو ما منحها “الندية” التي صدمت باريس والعديد من العواصم الأوروبية، فارضة معادلة جديدة: “الأمن مقابل الاعتراف”.
يبدو أن هذا النفوذ -أو “التغول” كما يرد في الكتابات الإعلامية- له مبرراته وآلياته ونتائجه؛ فقد تحول الأمن من “جهاز يحمي الدولة” إلى “جهاز يُجسد الدولة”، وهو رد مباشر على الفراغ الذي يكتنف كل شيء. لذلك لا مناص من الندية والهجومية على المستوى الدبلوماسي بدلاً من “الدبلوماسية الهادئة”، وجعل المغرب “طرفاً” في محاور حادة، بينما كان تاريخياً يفضل دور “الوسيط المهادن”، وقد بدا ذلك جلياً من خلال صدمة فرنسا لاختراق عمقها.
لقد استطاع المغرب بذكاء أن يحول أجهزته الأمنية إلى “براند” دولي ناجح. إذ تحولت من أدوات قمع محلية إلى “شركات استخباراتية” عابرة للحدود، تلعب في “دوري الكبار” (التعاون الأمني الدولي) لإثبات الحضور، مما منح النظام المغربي رئة إضافية سمحت له بالتنفس بعيداً عن “الوصاية” الفرنسية والضغوط الأوروبية المعتادة.
أما على المستوى الداخلي، فيُنظر إلى أي احتجاج اجتماعي (الحسيمة، فجيج، إضرابات التعليم) من منظور “أمني صِرف” وليس كقضية سياسية تحتاج حوارا؛ لأن “العقل الأمني” -في نهاية المطاف- لا يمتلك أدوات التفاوض التي يمتلكها “العقل السياسي”. ورغم ذلك، ظل الجناح الأمني حريصاً جداً على “سمعته الدولية” كشريك احترافي، كما أن شرعيته تستمد قوتها من اعتراف القوى الكبرى به، حتى لو كان هذا الانضباط “براغماتياً” لضمان استمرار المصالح وليس “عقائدياً”.
إن اعتماد الجناح الأمني على “السيطرة على المعلومات” و”التحكم في الشارع” هو ما يجعل “الأجهزة” ترسم الخطوط الحمراء للجميع وبدون استثناء، وليس العكس. إنه يمتلك كل الخيوط، لكنه لا يظهر في البرلمان، ولا يمكن انتقاده في الصحافة، وأكثر من ذلك يحكم تحت “غطاء الملك”. لقد أضحينا أمام لغة تتحدث بالأرقام، والفخامة، والكفاءة التقنية، والسرعة، بدلاً من لغة مرتبطة بالبيروقراطية والنقاشات السياسية الفلسفية المعقدة.
هذا التحول الثقافي داخل السلطة، والذي كان وراءه الجناح الأمني، هو ما جعل الشعور بالارتياب والشك في المغرب يزداد… إننا إزاء توازن قوى معقد، لا يحتمل كسر أي ضلع من “المثلث الذهبي” (الديوان الملكي، الاستخبارات الخارجية، الأمن الداخلي)، لاسيما عندما يصبح الارتباط وجودياً. الأمر الذي لا يمكن إلا أن يؤدي نحو مزيد من “الأمننة” المفروضة، سيما وأنه لسنوات كانت فرنسا والاتحاد الأوروبي يستخدمان ورقة “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” للضغط على الرباط؛ لكن التشبيك الأمني المتعدد وفر للمغرب سنداً دولياً لا يضع شروطاً تتعلق بالإصلاح السياسي، وسمح للجناح الأمني بأن يتحرك بحرية أكبر، واثقاً من كونه حليفاً قوياً يراهن على “الاستقرار الصلب”. مما خلق حالة من “الطمأنينة الاستراتيجية” لم يعد المغرب معها مضطراً لتقديم تنازلات سياسية داخلية لإرضاء الغرب ما دام قد عزز من شبكة حلفائه التي توفر كل أسباب البقاء والاختراق.
لقد تحول المغرب، بفضل هذا الجناح الأمني، من “تلميذ مجتهد للقوى الكبرى” إلى “لاعب إقليمي”، قد يكون في بعض الأحيان مغامراً عندما يستخدم أجهزته الأمنية كأوراق لعب على طاولة الكبار؛ تحول إلى شريك لا غنى عنه ولكن لا يمكن الوثوق به تماماً، وساهم في نسج علاقات “نفعية وأمنية” باردة، لا مجال فيها للعاطفة أو التاريخ. ربما هذه هي ضريبة استقلال القرار الأمني المغربي رغم ما قد يسببه من صعوبات في التعاطي مع “دولة أجهزة”، وما يخلفه ذلك من حيرة.
لم تعد الأجهزة مجرد “أداة تنفيذية”، بل تحولت إلى “عقل استراتيجي”، وظهر ذلك جليا عندما مُنحت صلاحية إدارة الدبلوماسية (مثل ملف الصحراء)، وإدارة الإعلام (عبر الصحافة المقربة)، والتحكم في الخصوم السياسيين… إنه جهاز لا يحكم فقط بالعصا، بل بالمعلومة، والتكنولوجيا، والتعاون الدولي. هذه “الاحترافية” تجعل الغرب يطمئن لوجودها كضمانة للاستقرار ضد الإرهاب والهجرة غير الشرعية. فعندما يصبح الأمن هو “الضمانة الوحيدة”، فإنه ينتقل تلقائياً من دور “الحارس” إلى دور “الشريك”.
هل نجاح “الأمننة” في حماية الحدود يبرر ابتلاعها للمجال السياسي في الداخل؟
ألم يمتلك الجناح الأمني في المغرب “فيتو” غير معلن على القرارات السياسية والدبلوماسية؟ ألم يعد الأمن يحمي السياسة، بل هو من يصنعها؟ هل سيتغير المغرب من “مملكة تقاليد” إلى “خوارزميات أمنية” حديثة جدا؟ من يدري؟
.jpg)
منذ 2 أشهر
12







