ARTICLE AD BOX
من إعلان محمد الخامس سنة 1948 إلى مواقف المغرب الرسمي اليوم.. فلسطين بين ثبات المبدأ وتناقضات السياسة (وثيقة)
الأحد 31 أغسطس 2025 | 17:55
في السادس عشر من ماي سنة 1948، وبعد أيام قليلة من إعلان قيام دولة إسرائيل واندلاع حرب فلسطين الأولى، وجّه السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) إعلانا تاريخياً إلى الشعب المغربي.
هذا الإعلان، الذي ينشر موقع “لكم” ترجمه كما وضعها Benjamin Badier ونشرته خدمات الترجمة الفرنسية (CADLC، 24QO-15، أرقام 227 و229)، مثّل آنذاك مرآة صافية لروح الموقف المغربي: دعم غير مشروط لفلسطين، رفض واضح للمشروع الصهيوني، وفي الوقت ذاته تأكيد على حماية اليهود المغاربة وضمان مكانتهم في المجتمع الوطني.
الوثيقة بيّنت أن الحرب لم تكن ضد اليهود كأتباع ديانة، بل ضد الصهيونية كحركة استعمارية هدفها اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم. السلطان دعا المسلمين المغاربة إلى عدم الانجرار وراء أي تحريض ضد اليهود المحليين، مشدداً على أن هؤلاء مواطنون أصيلون عاشوا لقرون في كنف الحماية المغربية. وفي المقابل، طالب اليهود المغاربة بعدم الانخراط في أي دعم للمشروع الصهيوني، حفاظاً على وحدة الصف الداخلي.
ذلك الموقف المزدوج – مقاومة الظلم في فلسطين، وحماية التعايش داخل المغرب – حمل حينها بعداً أخلاقياً وسياسياً عميقاً. لقد كان السلطان يستشرف خطورة تحويل الصراع إلى حرب دينية شاملة، مؤكداً أن جوهر القضية هو الاحتلال والتهجير، لا العقيدة الدينية.
أين يقف المغرب الرسمي اليوم؟
بعد أكثر من سبعين سنة، يتجدد المشهد الفلسطيني لكن بدموية أشد. فالحرب الجارية في غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 تحولت إلى “جرائم إبادة” و”حرب تطهير عرقي”، حيث يواجه الفلسطينيون قصفاً متواصلاً، حصاراً خانقاً، وتجريفاً ديموغرافياً لا يختلف كثيراً في جوهره عن ما كان يحذّر منه السلطان محمد الخامس عام 1948.
لكن بينما يعيد التاريخ نفسه بأدوات أكثر فتكاً، يطرح السؤال الكبير: أين يقف المغرب اليوم؟
الموقف الرسمي المغربي تجاه حرب غزة وُصف من طرف شرائح واسعة من الرأي العام بـ”المزدوج” أو “المتناقض”. فمن جهة، تبادر الرباط إلى إرسال مساعدات إنسانية للفلسطينيين، لكن عبر تنسيق لوجستي مع إسرائيل نفسها وهي الجهة التي تشن الحرب. ومن جهة أخرى، تلتزم الحكومة المغربية الصمت في المحافل الدولية، حيث تتجنب إدانة أو شجب الجرائم المرتكبة ضد المدنيين الفلسطينيين، خلافاً لمواقف حكومات غربية أخرى، مثل اسبانيا، عبّرت بصراحة عن رفضها لهذه الحرب ومنعت مرور كل السفن المحملة بالأسلحة عبر موانئها في طريقها إلى إسرائيل.

المفارقة، كما تشير انتقادات ناشطين ومراقبين، أن الموانئ المغربية ظلت مفتوحة لعبور سفن الشحن العسكرية المحملة بالأسلحة الأميركية المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، وهي الأسلحة نفسها التي تُستعمل في قتل الفلسطينيين. وبذلك يجد المواطن المغربي نفسه أمام معادلة صادمة: أموال دافعي الضرائب تُصرف على مساعدات إنسانية رمزية، بينما البنية التحتية المغربية تُستعمل في تمرير أدوات القتل إلى الجهة التي تفرض الإبادة.
هذا الموقف الرسمي لم يمر دون رفض شعبي واسع. فقد خرج آلاف المغاربة في مسيرات تضامنية مع فلسطين، رافعين شعارات قوية تندد بالتطبيع مع إسرائيل وتطالب بوقف كل أشكاله مع كيان غاصب ومجرم.
الذاكرة الشعبية المغربية ما زالت تستحضر إعلان محمد الخامس سنة 1948 كوثيقة مرجعية للموقف الأخلاقي الثابت تجاه فلسطين، وتضعه في مواجهة مع سياسات اليوم التي تبدو – في نظر المنتقدين – خاضعة لحسابات دبلوماسية وربما مصالح اقتصادية ضيقة على حساب المبادئ.
المفارقة أن المغرب، الذي قدّم عبر تاريخه نموذجاً للتعايش الإسلامي-اليهودي، يجد نفسه اليوم أمام معضلة عكسية: كيف يحافظ على صورته التاريخية كداعم للحقوق الفلسطينية، وفي الوقت نفسه كحليف إستراتيجي للغرب وكمطبّع مع إسرائيل منذ اتفاقات 2020؟
السلطان محمد الخامس شدد عام 1948 على أن اليهود المغاربة مواطنون كاملو الحقوق، لكنه في الوقت نفسه رفض أي التباس بين المواطنة اليهودية والانتماء إلى المشروع الصهيوني. واليوم، يبدو أن المغرب الرسمي يخلط بين الدفاع عن مصالحه الجيوسياسية وبين حماية موقفه التاريخي من فلسطين، ما يضعه في موقع متناقض يصعب تبريره أمام الرأي العام الداخلي.
خريطة أخلاقية
وثيقة السلطان محمد الخامس سنة 1948 لم تكن مجرد إعلان ظرفي، بل خريطة أخلاقية لموقف المغرب من فلسطين: مقاومة الظلم والاحتلال، وحماية التعايش الوطني الداخلي. لكن ما يجري اليوم يعكس مفارقة مريرة: في الوقت الذي يتمسك الشعب المغربي بروح ذاك الموقف، نجد السلطة الرسمية تميل إلى براغماتية سياسية تضعها في قلب تناقض صارخ، بين المساعدات الإنسانية والتواطؤ غير المباشر مع آلة الحرب الإسرائيلية.
إن التاريخ، الذي سجّل موقف السلطان محمد الخامس كرمز للنزاهة السياسية، قد يسجل مواقف اليوم على النقيض: سياسات مترددة، مزدوجة، وربما منافقة ومناقضة لروح تضامن الشعب المغربي مع فلسطين وقضايا أهل فلسطين، وهو التضامن الذي شكّل جزءاً من الهوية المغربية عبر عقود.
.jpg)
منذ 8 أشهر
4







