شكل موضوع “كتابة الفقد” محور ندوة فكرية احتضنها رواق مجلس الجالية المغربية بالخارج، ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، مساء الثلاثاء 5 ماي 2026، بمشاركة الكاتب والمخرج المسرحي المغربي الفرنسي محمد الخطيب، والأستاذ بجامعة إيكس مارسيليا الفرنسية مصطفى الميري.
اللقاء سلط الضوء على تجربة الكتابة عن الفقد باعتبارها ممارسة إنسانية وفنية قادرة على تحويل الألم إلى لغة، واستحضار الذكريات كوسيلة لمواجهة الحزن وترميم الذات. وفي هذا السياق، توقف الباحث مصطفى الميري عند حضور تيمة الفقد في أعمال محمد الخطيب، خاصة في فيلمه الوثائقي “رونو 12”، الذي تناول فيه تجربة وفاة والدته وما رافقها من رحلة العودة إلى المغرب لنقل جثمانها.
وخلال مداخلته، كشف محمد الخطيب أن وفاة والدته شكلت “صدمة غيرت حياته وعلاقته بالزمن”، مؤكدا أن هذا التحول العميق لم يدرك أبعاده إلا لاحقا، حين بدأ يحاول التعبير عنه عبر أعماله الوثائقية والفنية. وأوضح أن المرحلة الأولى من التعامل مع الفقد اتسمت بالرفض وعدم تقبل فكرة الموت، حتى على مستوى اللغة المستعملة داخل الأسرة أثناء الحديث عن مرض والدته.
وأشار الخطيب إلى أن الكتابة كانت بالنسبة إليه وسيلة لإحياء حكاية والدته وتقاسم ذاكرة شخصية ذات بعد إنساني كوني، معتبرا أن الفقد تجربة ترافق الإنسان طيلة حياته، وما يختلف هو فقط طرق التعايش معه والانتقال من الألم إلى التقبل.
كما استعاد المخرج المغربي الفرنسي أول احتكاك فعلي له بفكرة الموت، حين عثر داخل منزل أسرته على رسالة بنكية تكشف أن والده كان يؤدي تأمينا خاصا يضمن نقل جثامين أفراد الأسرة إلى المغرب بعد الوفاة، وهي الفكرة التي قال إنه لم يكن يتفق معها، لكنها تعكس، بحسبه، علاقة جيل المهاجرين الأوائل بالوطن والعودة الرمزية إليه.
وفي حديثه عن والدته، أوضح الخطيب أنه اكتشف بعد رحيلها أنها كانت “حلقة الوصل” داخل الأسرة، ليس فقط بين أفراد البيت في فرنسا، بل أيضا مع العائلة الممتدة في المغرب. وأضاف أن رحلة نقل جثمانها إلى المغرب جعلته يكتشف جوانب أخرى من شخصيتها مرتبطة بالعمل والهجرة والتضحية، ما جعلها تتحول في ذاكرة العائلة إلى “بطلة إنسانية”.
وأكد صاحب “رونو 12” أنه اختار تكريس جزء من أعماله الفنية لتكريم ذاكرة والدته، ومن خلالها تكريم الأمهات المتوسطيات المهاجرات في فرنسا، وإخراج قصصهن من الهامش إلى الفضاء الثقافي والفني. واعتبر أن الكتابة والفن يشكلان وسيلة للمصالحة الاجتماعية والاعتراف بجيل من النساء اللواتي ظللن خارج الأضواء رغم أدوارهن المحورية داخل الأسر المهاجرة.
وفي هذا السياق، استعاد الخطيب تجربة معرض أقامه قبل سنوات داخل متحف موسم، وخصصه لعرض سيارات “رونو” القديمة باعتبارها شاهدا على تاريخ الهجرة المتوسطية. وأوضح أن اختياره لهذا المعرض بدل عرض مسرحي كان نابعا من رغبته في إدخال جيل المهاجرين إلى فضاء المتحف، وتحويل تلك السيارات إلى أدوات لسرد حكايات العائلات المهاجرة، وخاصة النساء اللواتي كن يتحملن أعباء السفر والهجرة رغم أنهن لم يكنّ غالبا من يقود تلك السيارات.
أما بخصوص تأثير والدته على مساره المهني، فقد اعتبر محمد الخطيب أن أول أشكال الدعم الذي تلقاه منها كان “دعما تواصليا”، بحكم أن الحوار داخل الأسرة المهاجرة كان يمر أساسا عبر الأم، في ظل صمت الأب وانشغاله. وأضاف أن الحب غير المشروط الذي منحته له والدته ساعده على اكتساب الثقة بالنفس، وهي الثقة التي اعتبرها حاسمة في نجاحه المهني والفني.
وختم الخطيب مداخلته بالتأكيد على أن أحد أهداف أعماله الوثائقية، اليوم، هو تمكين ابنته من التعرف على جدتها وعلى جذورها المغربية، قائلا: “موت أمي هو ما أعاد إحياء هذه العودة إلى الأرض”.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







