ARTICLE AD BOX
يونس السريفي
ليست السلطة بل المجتمع هو الموضوعة
الخميس 02 أكتوبر 2025 | 11:02
أينما تتواجد مراكز منتشرة للسلطة، توجد نقط مقاومة أولية
إذا كانت السلطة قد جعلت الحياة موضوع سلطة، فإن المقاومة تغدو سلطة الحياة
آراء أخرى
توصلت الدولة الحديثة وعقلانيتها السياسية إلى ابتكار تكنولوجيا ضبطية تقوم على ممارسة التأديب ونشر رقابة يومية على الجسد والجسم الاجتماعي. والنتيجة؛ بروز اقتصاد جديد للسلطة يتوافق مع الشروط الجديدة للإنتاج والاستغلال التي ميزت تطور النظام الرأسمالي الليبرالي. هكذا اهتمت الدولة الحديثة بتأسيس أجهزة مختلفة (أمنية، عسكرية، قضائية، اقتصادية…) وبناء مؤسسات متنوعة (علمية، تربوية، أخلاقية، دينية، فنية…) تساعدها على إدارة الحكم.
وفي مقام الحديث عن السلطة وعلاقتها بالفرد والمجتمع يجب استحضار ميشال فوكو، الذي ينطلق من فكرة أن عقلانية الدولة الحديثة تقوم على حكم السلوك gouvernement des conduites؛ فمنذ القرن الثامن عشر تم إرساء كيفية جديدة في إدارة الحكم تهم تسيير الحياة ومراقبتها، حيث ابتكرت الدولة الحديثة “التشريح السياسي” و”السياسة الحيوية”، وربطت بين تقنيات المعرفة واستراتيجيات السلطة لخلق تكنولوجيا تأديبية لمراقبة الأمكنة والأجساد من أجل الزيادة في قدرة الدولة وتمكين رعاياه من الخلاص الأرضي (ضمان الحقوق، تحقيق السعادة؟).
وبهذا انبثقت الحياة كموضوع جديد للسلطة، وأقلع القانون شيئا فشيئا عما كان يؤسس امتياز من له السيادة، وحق التحكم في الرقاب (عقوبة الموت)، لكنه أفسح المجال في الوقت ذاته لعدد من المذابح والمجازر: لا بالعودة ثانية إلى القانون العتيق الذي يبيح القتل، بل باسم العرق والدين والمجال الحيوي هذه المرة، باسم شروط حياة تريد أن تكون أفضل، والمحافظة على بقائهم بصورة تريد أن تكون مثلى، فيعامل العدو لا على أنه خصم قانون للعاهل القديم، بل على أنه تسميم وعدوى، يمثل “خطرا بيولوجيا”.
مقابل تطور سلطة الدولة الحديثة وعلاقاتها، فرضت استراتيجية المقاومة la stratégie de résistance البحث في كيفية انتقال المعرفة وكيفية عملها وعلاقاتها بالسلطة، وتحليل وتفكيك العلاقات السلطوية وتشخيص مختلف أفعال السلطة سواء تعلق الأمر بأجساد الأفراد وصحتهم وحياتهم وهويتهم. وهذا يعني مهاجمة تقنية معينة وشكلا من السلطة؛ أي مقاومة ما يسميه فوكو ب”الحكم بالتفريد”.
فإذا كانت السلطة قد جعلت الحياة موضوع سلطة، فإن المقاومة تغدو سلطة الحياة، على اعتبار أن الحياة هي “القدرة على مقاومة القوة”. لذلك يصير الهدف الإستراتيجي، هو إبداع مقاومة لأشكال من الحكم وفتح علاقات السلطة على رهانات الحرية. ففي الإنسان ذاته يجب تحرير الحياة، مادام الإنسان نفسه يعتبر كبحا لها.
صحيح أننا نحس بنوع من العجز في مواجة السلطة، بل هناك نزوع متواصل إلى الخضوع لما تقول به وتفرضه، لكن أينما تتواجد مراكز منتشرة للسلطة، توجد نقط مقاومة أولية. ولعل من أولويات هذه المقاومة؛ النضال ضد الاستغلال والهيمنة، وضد كل أشكال القهر- ضد إخضاع الذاتية، وبالتالي ضرورة العمل على التحرر من أنظمة الإنسان وضوابطه.
في هذا السياق، يجب رفض العنف الذي تمارسه الدولة الإقتصادية والإيديولوجية التي تجهل من نحن فرديا، وكذلك رفض التحقيق العلمي أو الإداري الذي يحدد هويتنا، فالمسألة السياسية والأخلاقية والإجتماعية والفلسفية المطروحة علينا، هي تحرير أنفسنا نحن من الدولة ومن نموذج التفريد المرتبط بسلطة الدولة الحديثة، التي أدخلت ضمن شكل سياسي جديد، تقنية سلطوية قديمة ناشئة أصلا في المؤسسات المسيحية. وتسمى هذه التقنية السلطوية، السلطة الرعوية pouvoir pastorale.
يبدو الآن وهنا، أننا في أمس الحاجة إلى التفكير بشكل مختلف، وبناء علاقة مغايرة مع الذات، خاصة مع الهجوم المستمر للنظام الرأسمالي وأجهزته التقنية والإيديولوجية على خصوصيتنا وحريتنا وسيادتنا الفردية. يتم ذلك عن طريق التدخل في تشكيل سلوكاتنا وصياغتها وتوجيهها لخدمة حاجيات السوق والأهداف التجارية للشركات العابرة للقارات.
نحن هنا أمام تطور شكل من السلطة أطلقت عليه الباحثة شوشانا زوبوف “السلطة الأداتية”؛ بمعنى السلطة التي تقوم بتحويل شكل الحياة إلى مادة مطواعة وقابلة للتوظيف والاستغلال بهدف إقرار وتوسيع آليات التحكم والمراقبة والاستغلال.
.jpg)
منذ 6 أشهر
3







