لماذا انتصر الملك لمؤسسات  الدولة الدستورية؟

منذ 6 أشهر 7
ARTICLE AD BOX

على الرغم من اتفاقي على أن جزء كبير من مطالب جيل زد كانت مشروعة ولها ما يبررها في الواقع كنت أعلم بناء على عدة مؤشرات أن الملك محمد السادس لن يذهب في اتجاه حل البرلمان او إقالة الحكومة أو دفع رئيسها أخنوش إلى تقديم استقالته بشكل طوعي وفق سيناريوهات متعددة!

آراء أخرى

  • المغرب الصاعد.. إلى أين؟

  • استراحة في حرب طويلة

  • "جيل زد".. هذه المعادلة التي تعجز النخبة السياسية عن حلّها

في 24 سبتمبر 2024 كتبت مقال رأي عنونته ب ” وهم إعفاء الملك لأخنوش” وكانت فكرته الأساسية أن الملك لم يقم باعفاء أي رئيس حكومة مند جلوسه على كرسي العرش باستثناء عبد الاله ابن كيران الذي تمت إقالته بعد فشله في تشكيل حكومته الثانية بسبب البلوكاج المعلوم الذي نفذه عزيز أخنوش بكل تفان إلى غاية إسقاط بن كيران وتعويضه بسعد الدين العثماني!

ومن بين الامور المهمة التي أشرت لها في هذا المقال هو المكانة التي يحظى بها عزيز اخنوش في دار المخزن حيث سبق لجريدة لوموند الفرنسية أن وصفته برجل القصر في مواجهة الاسلاميين مما يعني أن وصوله إلى رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2021 العجيبة كان يجسد اختيار الدولة العميقة التي تهندس لكل شيء وتملك الوسائل والأدوات لتنزيل ذلك!

الذين كانوا ينتظرون من الملك حل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة في هذه الظرفية التي أطلق فيها المغرب اورواش كبرى قد خانهم حدسهم واعتقدوا أن ضغط احتجاجات “جيل زد” يشبه ضغط حراك عشرين فبراير وكأن اخنوش ومن معه في الحكومة وفي الاغلبية داخل الحكومة والبرلمان نزلوا من السماء!

من الطبيعي جدا ألا يذهب الملك في اتجاه إقالة الحكومة او حل البرلمان (مطالب مشروعة) ولن يقبل بالمطلق بالدعوات التي تطالبه بحل الاحزاب السياسية (مطلب غير عقلاني) لأن الملكية تعيش بهذه البنيات والملك محمد السادس ليس انتحاريا حتى يقوم بتقويض بنيات نظامه السياسي نزولا عند رغبة شباب لا يتجاوز عمرهم نصف عمر تلك البنيات.

الدولة من خلال وسيط المملكة  حسن طارق( هدهد الدولة الجديد) كانت واضحة في بعث الرسائل إلى كل من يهمه الأمر بعد تشديد هذا الأخير على أهمية الإصلاح في إطار المؤسسات ورفض خطاب الشارع!

ذهنية الدولة العميقة في المغرب أو الحكم إن صح التعبير تختلف بشكل جذري عن ذهنية المحتجين وخطاب الملك محمد السادس كان صريحا مع نفسه عندما أشاد بدور البرلمان والحكومة لأنه يعي خطورة حل البرلمان أو إقالة الحكومة في هذا الظرف بالذات ويعلم أيضا أن الدولة غير قادرة على تقديم أي وعود وردية للشعب ولا يمكنها المساس ببرلمان وحكومة يخدمان أجندتها بشكل ممتاز مند اربع سنوات!

لا أظن أن هناك عاقل في المغرب يقبل بإصلاح بيته من تسربات الماء في فصل الشتاء وليس هناك مدير نشر عاقل يقبل بتسريح صحفييه وحجب موقعه وقطع خط الانترنيت على نفسه لمجرد أن هناك من انتقد خطه التحريري!

الخطير في الأمر هو أن هناك من اعتقد ان الملك انتصر لحكومة اخنوش ولأغلبيته في البرلمان وخرج مباشرة بعد خطاب الملك يرقص ويردد في الشارع شعار مستفز ” موت موت يا العدو والملك عندو شعبو” دون التفكير في عواقب ذلك في ظل وجود احتقان اجتماعي وسياسي كبير.

 الملك لم ينتصر لرئيس الحكومة عزيز أخنوش ولا لأغلبيته في الحكومة والبرلمان بل انتصر لمنطق الدولة التي يحكمها ولهيبتها التي يرى فيها أساس حكمه لاسيما وأن هناك جهات مشبوهة مثل منصة جبروت رفعت تحدي في وجه الدولة وزعم القائمون عليها بأنهم هم من بيدهم القرار!

الملك لم ينتصر لأخنوش لأنه بكل بساطة هو من عينه وبإمكانه أن يعفيه أو يزيحه من الحكومة في أي لحظة أراد لأن الملك هو الممثل الاسمى للدولة وهو السلطة الوحيدة في المغرب التي تمتلك سلطة التعيين وسلطة الإعفاء وفق صلاحياته الدستورية الواسعة!

الدعوة إلى إقالة رئيس الحكومة وحل البرلمان وحل الاحزاب قبل سنة من الانتخابات تدخل ضمن أجندة الاحزاب السياسية التي تفكر في مصالحها بشكل ضيق. اما أجندة القصر فهي أكبر من ذلك وأي قرار يتخده الملك يفكر فيه بمعية محيطه العائلي ومستشاريه ألف مرة ومن كل الجوانب أخدا بعين الاعتبار تداعيات ذلك القرار على أمن واستقرار النظام من الداخل والخارج!

لمعرفة المزيد عن استحالة إعفاء الملك لأخنوش يمكنكم العودة إلى المقال السالف الذكر الذي كتبته قبل بروز احتحاجات جيل زد التي تطرح علامات استفهام كبرى حول سياق بروزها والواقفين خلفها رغم مشروعية جزء كبير من المطالب التي ترفعها!

الانتخابات على الأبواب والشعب أمامه فرصة ذهبية للتخلص من المفسدين من خلال صناديق الاقتراع في انتخابات حرة ونزيهة لأن المعركة الحقيقية ينبغي أن تركز على كيفية الانتقال إلى الديمقراطية الحقة من خلال اصلاح الاعطاب الحقيقية التي تحول دون ذلك واللبيب بالإشارة يفهم!

المطالبة باصلاح التعليم أولوية مهمة، والمطالبة باصلاح الصحة ضرورة مجتمعية، ولكن هل يمكن عزل هذه المطالب عن اصلاح الدستور، وإصلاح القوانين الانتخابية، وتقليص دور وزارة الداخلية، وإصلاح منظومة العدالة، وتكريس الحكامة في كل ابعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والحقوقية والمجالية!

اذا استمرت الامور على حالها فإن الانتقال الديمقراطي بمعناه الحقيقي لن يكون واذا استمر منطق التحكم في كل مفاصل الدولة دون الاخد بعين الاعتبارات حجم المتغيرات التي تحدث داخليا وخارجيا فإن الاحتقان الاجتماعي سيزداد وأن الفجوة بين الدولة والمجتمع ستتعمق أكثر وحينها سيقع الاصطدام الكبير الذي لا نتمناه لهذا الوطن الذي يحتاج للجميع قولا وفعلا…

المصدر