لماذا أرى أن ” تازة و غزة” وجهان لعملة واحدة ؟

منذ 6 أشهر 11
ARTICLE AD BOX

انتظر غالبية المغاربة و معهم المراقبون في الداخل والخارح الخطاب الذي ألقاه  الملك محمد السادس، مساء يوم الجمعة 10-10 ، أمام أعضاء البرلمان المغربي هذا الخطاب جاء  في سياق تطورات غير مسبوقة منذ اندلاع احتجاجات “جيل زد” يوم 27 شتنبر الماضي.

آراء أخرى

  • نَحْوَ إِصْلَاحٍ وَاقِعِيٍّ وَمَسْؤُولٍ

  • ماذا يحدث في المغرب؟

  • المجتمع المدني والديمقراطية

فالجميع كان يترقب ما سيقوله الملك في لحظة حساسة وعلى رأس المنتظرين شباب “جيل زد” الذي انتظر هذا الخطاب بفارغ الصبر وكانوا يتوقعون تفاعل ملكي   مع رسالتهم الرسمية التي بعثوا بها إلى القصر الملكي  و نشروا تفاصيلها في وثيقة مطوّلة على مواقع التواصل الاجتماعي.

•فقدان الثقة

هؤلاء الشباب، الذين أعلنوا فقدانهم الثقة في جميع المؤسسات باستثناء المؤسسة الملكية، علّقوا آمالًا كبيرة على هذا الخطاب لعلّه يفتح افاق جديدة. ومن أجل ذلك، أعلنت الحركة تعليق احتجاجاتها يوم الجمعة احترامًا للملك، معتبرة أنّ المؤسسة الملكية هي “الملاذ الأخير” في بلد فقد فيه الناس الثقة في السياسة والسياسيين..تناسلت التوقعات بين إقالة حكومة أخنوش وحل البرلمان والدعوة لإنتخابات مبكرة لكن لا شيء من ذلك حدث …

•رد فعل حركة جيل زد

و تفاعلا مع الخطاب الملكي ، قالت حركة جيل زد 212 في بيان نشرته على منصاتها الرسمية إن قرار التوقف المؤقت عن التظاهر يومي السبت والأحد، 11 و12 أكتوبر، “خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز التنظيم والتنسيق وضمان أن تكون المرحلة المقبلة أكثر فعالية وتأثيراً، بعيداً عن أي ارتجال أو استغلال خارجي”.

وأضافت أن هذه الوقفة لا تعني تراجعاً عن المطالب، مؤكدة أن أولوياتها ما زالت “محاسبة الفاسدين وتحميل الحكومة مسؤولية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة”، التي كانت في صلب شعارات الاحتجاجات الأخيرة.

وأشارت الحركة إلى أنها ستعلن، في وقت لاحق يوم السبت، عن موعد جديد لجولة احتجاجية قادمة، قالت إنها “ستكون موجهة ضد الحكومة وكل الفاسدين الذين يعرقلون تحقيق مطالب الشعب المغربي في الكرامة والعدالة والمحاسبة”.

•موقف ثابت

و الملاحظ منذ اندلاع احتجاجات جيل زد إلى حدود إلقاء العاهل المغربي لخطابه التاريخي ، أن الدولة لم تتزحزح قيده أنملة عن مواقفها  الكبرى، وخطوطها العريضة فلم تقدم السلطات كما جرت العادة على إطلاق سراح معتقلي الرأي والسياسة ، ولم تقدم على إعفاء بعض الوزراء على الأقل ككبش فداء ولم تشكل مجموعات شبابية موازية على غرار ما رأيناه في حراك 20-2-2011م والذي كان معروفا بشباب 9 مارس ، الذي خرج بعد الخطاب الملكي يوم 9مارس 2011 بل إني أرى أن الأمور تسير على نحو أكثر من العادي، الدولة متمسكة  بالمشاريع الكبرى والاستراتيجة ، وآخرها تدشين مستشفى للأمراض العقلية ، خاصة وأن احتجاجات جيل زيد وما سبقها تتحدت عن أزمة المستشفيات والصحة ومستشفيات الموت [i]  ..

من يراقب و يتابع  رد فعل الدولة طيلة الفترة الماضية،  يخلص إلى أن الدولة مطمئنة إلى مآل وعاقبة هذه الاحتجاجات وكأكاديمي ومتابع لمختلف الحركات التي شهدتها البلدان العربية وغيرها منذ 2011 أستغرب وأتعجب لموقف الدولة خاصة وأني أتابع تعاطي الإعلام الدولي مع احتجاج جيل زيد في المغرب ، وهذا الإعلام يؤكد على أن الحدث بالفعل كبير وغير مسبوق حدث مباغت ومفاجئ وجاء في سياق ظرفية خاصة، فهناك احتجاجات مشابهة شهدتها مدغشقر ثم نيبال لتستقر في المغرب ..

•نبض الشارع

و لكن مهما يكن  فالظرف الراهن يتطلب قدر كبير من التأني في معالجة المتغيرات و تسارع الأحداث وتطورها السريع ، وهذه الدينامية تفرض على كل صاحب رأي الاستماع أكثر لنبض الشارع بدل الحديث نيابة عنه، كما تدعو كل مثقف حر الى مراجعة دقيقة وتحيين أدق للوقائع والمعطيات، وعدم الانجراف وراء شهوة الحديث  معبرة والتعليق وانتهاز اللحظة لتصدر المشهد..!!

•الحاضر ابن الماضي

أقول لجيل زد الحالم و الطامح للتغيير و لبناء المستقبل ، الحاضر ابن الماضي و لا يمكن بناء المستقبل دون قراءة جيدة للحاضر والماضي معا ، فالحرية ليست صرخة في الشارع ولا شعاراً على الجدار، بل بناء طويل المدى، تحرسه العقول قبل الحناجر، وتصونه المؤسسات قبل الأفراد…

•نصر إستراتجي

و لا يمكن أن نركز على الوضع في تازة و نتجاهل ما يحدث في أرض غزة والنصر الإستراتجي  الذي حققته المقاومة وحاضنتها الشعبية في غزة العزة ،   نحييهم على صبرهم و ثباتهم على الحق  ونبارك لهم هذا النصر ..

 فاتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار   لا يعني بالضرورة  نهاية المعركة، بل هو  استمرار للمعركة و لكن بوسائل و  أدوات  أخرى .

هذا الاتفاق و بهذا الشكل هو نتاج طبيعي  لأداء المقاومة بشقيها السياسي والعسكري، و الأهم صمود الشعب الفلسطيني عامة والغزاوي خاصة ..

•صدمة ترامب

فالاتفاق لم يتم فرضه بقوة السلاح او الضغط الدبلوماسي و خاصة ضغوط ترامب، الذي كان يحلم بجائزة نوبل ، و ربما سرع بهذا الاتفاق لعل و عسى يشفع له عند لجنة نوبل ، لكن جهوده ذهبت في مهب الريح ، و خسر الرهان ، فقد تم منح جائزة نوبل للسلام لسنة 2025  لزعيمة الحركة الديمقراطية في فنزويلا ، وبذلك  تبخرت أحلام الرئيس دونالد ترامب ، و أمام هذه الخيبة فمن غير المستبعد أن يشعل الحرب في غزة مجدا  ..

•طوفان الأقصى

 لكن مهما يكن ، فإن هذا الاتفاق هو نتاج  لمعادلة فرضتها المقاومة بثمنٍ باهظ من  دماء أبناء شعبها ، فقد أفشلت المقاومة، و لفهم الصورة أكثر ادعوكم للإطلاع على كتاب طوفان الأقصى من ثلاثة أجزاء وشرحت في الكتب معركة الطوفان، جذورها التاريخية ومألاتها الاستراتيجية .. فاتفاق وقف إطلاق النار وصمود المقاومة وأهلنا في غزة ، أسقط  كل المخططات الهادفة إلى تهجير سكان غزة أو إخضاعهم لحرب استنزاف طويلة تُفرغ الأرض من أهلها كما حدث في نكبة 1948…

•ثقل الهزيمة

لقد أعادت غزة المحاصرة منذ 2006 صياغة الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي والدولي، وأجبرت العالم على الاعتراف بأن القوة على الأرض لا تتحدد بالتفوق العسكري، بل بقدرة الشعوب على الصمود في وجه محاولات الإبادة والتجويع والتطويع.

فالهجوم المحموم على غزة طيلة سنتين بالتمام و الكمال،  لا يمكن تفسيره إلا بثقل الهزيمة ، فمن وقفوا سرا و علنا في صف إسرائيل، إعتقدوا  أن قوة النيران و الحرق و التدمير كافية لكسر إرادة المقاومة و إرباك حاضنتها الشعبية، لكن ما حدث في غزة لا يمكن تفسيره بموازين القوة، فهناك إعتبارات أخرى ذات أهمية بالغة في تغيير قواعد و قوانين المواجهة ومن ضمن هذه العوامل المؤثرة العقيدة الصلبة  و قوة الحق ووضوح المنهج و الهدف ..

•وجهان لعملة واحدة

هنيئا لغزة و للشعب الفلسطيني بهذا النصر الإستراتيجي و هنيئا للدكتور عزيز غالي وعبد العظيم بن ضراوي ، فقد تم إطلاق سراحهم من قبل قوات الاحتلال  ..و هنا لابد من فتح قوس والتأكيد على أن من يقف بجانب غزة وفلسطين ، يقف بالضرورة بجانب المصلحة الوطنية لوطنه ، فلا تعارض بين المصلحة الوطنية و المصلحة القومية ، لأن الكيان الصهيوني يعادي الجميع و خطره الساحق و الماحق يشمل كامل الإقليم العربي و الإسلامي..

•كلنا إسرائيليون

و في بلدي المغرب أبتلينا بطائفة تؤمن بأن مصلحة المغرب في الوقوف بجانب الكيان الصهيوني ، و هؤلاء هم دعاة  ” كلنا إسرائيليون ” ، و بعضهم يتبنى شعار حمال لأوجه “تازة قبل غزة” ، و الواقع أني  اتفق مع ضرورة الاهتمام بتازة ،   بل أرى أن تنمية تازة و استقرارها و رخاءها يصب في مصلحة غزة و لا تعارض بين الجبهتين و الموقعين  ، لكن من خلال تحليل المواقف وماهية الخطاب و غاياته، يظهر أن محور الاهتمام و بؤرة التركيز  الهجوم المشبوه على غزة و مقاومتها، صحيح تم تدمير غزة لأنها تعرض لعدوان عالمي و ليس فقط عدوان صهيوني، فغزة لم تحارب إسرائيل ، و لكن حاربت أمريكا و أغلب بلدان الغرب ، بل انضم لهذا الحلف الدولي حكومات عربية..

•لحظة مفصلية

وهذا ما يجعل من الاتفاق الراهن لحظة مفصلية في تاريخ الصراع و التحدي الأهم و الأخطر يبدأ بعد الاتفاق.فالتاريخ يخبرنا بأن  اتفاقيات وقف النار قد تكون مجرد ألية للمناورة و كسب الوقت وفخ سياسي  يعقبه إجراءات و تدابير أخطر بإتجاه ترسيخ الاحتلال وتشتيت الصف المقاوم، و إتاحة الفرصة لقراصنة الوطنية وللتسويات المطبوخة التي تتم خلف الكواليس بل من وراء ظهر المقاومة و حاضنتها الشعبية …لمزيد من التفاصيل أنصحكم بمشاهدة الحلقة 19 من برنامج “إقتصاد في سياسة” و التي سيتم بثها يوم الإثنين 13-10-2025 على الساعة 20.00 مساءا  بتوقيت المغرب والساعة 19.00 بتوقيت غرينتش و 22.00 مساءا بتوقيت القدس الشريف ،  على منصة اليوتيوب[ii]..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..

  كاتب و أكاديمي من المغرب

[i] – لمزيد من التفاصيل أنظر الحلقة 14 من برنامج “إقتصاد في سياسة ” بعنوان “مستشفيات الموت الداخل مفقود و الخارج مولود” على الرابط التالي  :

[ii] youtube.com/@TarikLissaoui

المصدر