ARTICLE AD BOX
شهدت مدينة لاهاي الهولندية يوم الرابع من يونيو، تقديم الترجمة العربية لكتاب : “الغازات السامة ضد عبد الكريم. ألمانيا و إسبانيا و الحرب الكيماوية في الريف 1922-1927 ” بحضور الباحث الألماني رودبيرت كونز و مترجمَي الكتاب من الالمانية إلى العربية إضافة إلى الناشر .
و قد أدار هذا اللقاء الذي احتضنته قاعة مسرح De Vaillant، الدكتور محمد البطيوي، الأستاذ بجامعة لوفان البلجيكية و المتخصص في الدراسات الاقتصادية ، الذي حضر من بروكسيل خصيصا للمشاركة في هذا الحدث الهام .
و افتتح البطيوي المعروف بمعارضته الشديدة لنظام الحسن الثاني النشاط بكلمة موجزة ، رحب فيها بالضيوف و بالحاضرين الذين غصت بهم جنبات القاعة ، قبل أن يسترسل في سرد بعض انطباعاته بعد قراءته للنسخة العربية، التي اعتبر أنها أنجزت بحرفية عالية ، تجرد فيها المترجمان من كل ذاتية ، ملتزمَين في الآن نفسه بالدقة في نقل المفاهيم الأساسية في الدراسة من الالمانية إلى العربية، بأسلوب سلس يساعد على القراءة و يزيد من متعتها.
الأسباب العشرة
بعد ذلك تم بث مساهمة المترجم عبد المجيد عزوزي، التي بعثها في شكل فيديو مسجل، بعد أن تعذر عليه القدوم شخصيا إلى لاهاي. و خصص عزوزي ، الذي تكلف بمهمة مراجعة وإخراج النسخة العربية، كلمته للجواب عن سؤال : ما جدوى إعادة ترجمة كتاب” الغازات السامة ضد عبد الكريم ” .
و أكد في مداخلته على أن هناك أكثر من سبب واحد يبرر هذا الإصدار الجديد، مكتفيا بذكر عشرة منها فقط . على سبيل المثال، حسب رأيه، أن كل ترجمة هي إعادة إحياء النص الأصلي، و في نفس الآن إحياء لموضوع الدراسة في حد ذاته ، أي لجريمة قصف مناطق الريف بالاسلحة الكيماوية، حتى لا يطاله النسيان.
كما أن الكثير من المعطيات بحاجة إلى تحيين ، وهو ما توفقت فيه النسخة الجديدة . إضافة إلى أن العمل الجماعي، الذي يتميز به هذا الإصدار، والتواصل المستمر بين المترجمين و المؤلفين، ساهما في تجويد الترجمة و في تجاوز الكثير من الهفوات والأخطاء التي قد تشوب مثل هذه الأعمال. قبل أن يختم مترجم كتاب ” ايث ورغاير” و روايتي ” الثور البري” و “الريفي” مداخلته بتأكيده على أن هذا الإصدار الجديد إضافة نوعية إلى خزانة المكتبة الريفية.
فرنسا والحرب القذرة
أما الباحث الألماني رودبيرت كونز فإنه اكتفى في كلمته باللغة الألمانية، بالتعبير عن سعادته للمشاركة في هذا اللقاء مرحبا في نفس الوقت بالحاضرين ، قبل أن يعطي الكلمة للمترجم حسن الغلبزوري الذي كان قد كلفه بالقاء عرضه باللغة العربية كي يتسنى لأغلب الحاضرين فهم ما يود قوله على حد تعبيره.
وتجدر الإشارة الى أن اللجنة المنظمة تكلفت بطبع نسخ من عرض كونز بثلاث لغات ، الألمانية و العربية والهولندية، تم توزيعها أثناء اللقاء على الحاضرين.
وأشار كونز في عرضه ،إلى أن قرار إصدار نسخة عربية لدراسته الألمانية، الصادرة قبل ثلاث عقود، تم اتخاذه ذات صبيحة من ربيع سنة 2016 في الطريق بين الحسيمة والناظور . مضيفا أن الفضل الأكبر في ذلك يعود أساسا إلى نداء اطلقته طالبة ريفية في مداخلتها في الندوة التي انعقدت في نفس الفترة بالحسيمة حول راهن البحث في موضوع حرب الريف.
و أكد أنه يأمل، من خلال إصدار ترجمة جديدة و جيدة ،على حد تعبيره، أن يستفيد الباحثون وكذا القراء العاديون في المغرب أو في البلدان الأخرى الناطقة بالعربية، و أن يتمكنوا من الاطلاع على المصادر الألمانية التي ورد البعض منها في الكتاب. لينتقل إلى الحديث عن الوثائق الأساسية التي اعتمد عليها لإنجاز دراسته ، خاصة المذكرات الشخصية للدكتور شتولتسنبرغ ، التي ملأت الفراغ الذي تركه شح المصادر الإسبانية فيما يخص الاستراتيجة التي تم اتباعها للقضاء على ثورة الريفيين ، ألا وهي تلويث القرى و الطرقات و الحقول و مواقع المياه بالغازات السامة،
ليخلص إلى أن الحرب كانت تستهدف كافة السكان، أي أنها كانت موجهة ضد المدنيين بالدرجة الأولى. لينتقل بعد ذلك إلى إلقاء الضوء على الدور الفرنسي في هذه الحرب القذرة، محاولا الإجابة عن سؤال مدى استخدام الفرنسيين للأسلحة الكيماوية المحظورة في حربها ضد القبائل الريفية .

فمقابل الإنكار الفرنسي المستمر إلى حدود اليوم ، هناك حقائق استقاها الكاتب من مصادر متعددة تثبت تورط فرنسا بدورها في إستخدام الغازات السامة ، منها مثلا، حادثة تروال بالقرب من تاونات ، التي تؤكدها برقية بعث بها القنصل الإسباني بفاس إلى رؤساءه بتطوان إضافة إلى تقرير صدر آنذاك في صحيفة التايمز اللندنية.
وفي إشارة ضمنية إلى مشاريعه المستقبلية المتعلقة بالبحث في موضوع حرب الريف، أعلن الباحث الألماني في عرضه على عزمه البحث في الأوضاع في الريف بعد إنتهاء الحرب سنة 1927 ، آملا في الحصول على معلومات موثوقة من التقاريرالعسكرية الإسبانية الخاصة بنزع سلاح القبائل.
بعد نهاية هذا العرض الغني بالحقائق الجديدة ، أُعطيت الكلمة للمترجمين. حيث صرح عبد المجيد عموري بأن هذا اللقاء ، يعني بالنسبة إليه نهاية مشروع استمر الاشتغال عليه أكثر من سنتين. أما زميله حسن الغلبزوري، فقد قدم شكره لكل الحاضرين الذين تجاوز عددهم، حسب معلومات اللجنة المنظمة أكثر من 120 شخص، معلنا في نفس الوقت استعداده للجواب على اي سؤال يتعلق بعملية الترجمة .
من حادثة هامبورغ إلى كارثة الريف..
بعد إنتهاء مداخلات الضيوف تناول الدكتور البطيوي الكلمة ليشير إلى ميزة أخرى لهذا الإصدار الجديد، مشيرا في هذا الإطار بالخصوص إلى هوامش المترجمين الواردة في الكتاب، التي اعتبرها إضافات مهمة تساهم في تيسير القراءة، و تصحيح بعض المعطيات الواردة في النص الأصلي بحس يطبعه التواضع الأخلاقي للمترجمين.
و تم الانتقال إلى فقرة الأسئلة والتي شهدت تفاعلا كبيرا من طرف الحاضرين، ما يؤكد مرة أخرى مدى إهتمام الأجيال الجديدة بتاريخ هذا الجرح الريفي ، رغم مرور قرن من الزمن على الجريمة . و في جوابه على سؤال عن سبب اهتمامه بموضوع حرب الريف، طرحه أحد الحاضرين، صرح كونز بإن البداية كانت سنة 1980 ، حين كان يشتغل كصحافي تحقيق في التلفزيون الألماني، مكلفا بإنجاز برنامج حول حادثة تسرب مواد كيماوية في الباحة الخارجية لمصنع شتولتسنبرغ بمدينة هامبورغ نهاية السبعينات من القرن الماضي مما تسبب في مقتل طفلين . حيث إطلع انذاك على مذكرات الدكتور هوغو شتولتسنبرغ و زوجته مارغريت ، ليكتشف لأول مرة موضوع حرب الريف .
و بدافع الفضول استمر في بحثه، رفقة زميله ديتر مولر المتخصص في التاريخ العسكري، الذي استمر لمدة عشر سنوات ليتوج بإصدار دراستهما المتميزة بداية التسعينات تزامنا مع اندلاع حرب الخليج ، التي استحوذ فيها موضوع الأسلحة الكيماوية من جديد على عناوين الصحافة العالمية.
واختتم اللقاء بتوقيع الكتاب من طرف المترجمين والكاتب الألماني وبتقديم الناشر فريد ايت لحسن لهدايا رمزية لجميع المشاركين في إنجاز هذا المشروع و للمنابر الإعلامية التي كانت حاضرة.
وتجدر الإشارة في الختام إلى النشاط الموازي لهذا اللقاء المتمثل في معرض الكتاب الذي قام بتنظيمه والإشراف عليه العديد من الشابات والشبان من أبناء الجيل الثالث والرابع ، و الذي شهد عرض ما يقارب المئة عنوان من الإصدارات الجديدة ، أغلبها حول الريف، تتوزع على حقول التاريخ والأدب والفكر و لقى إقبال منقطع النظير.
.jpg)
منذ 3 سنوات
4







