”كاس البلار”

منذ 3 سنوات 3
ARTICLE AD BOX

عادل ايت واعزيز

''كاس البلار''

الثلاثاء 21 يونيو 2022 | 13:46

تحتضن الصينية  المغربية قطعا آسرة ومغرية تسدي للجلسة طراوة، حيث يصبح المشترك حديث اللحظة. إلى جانب الإبريق وحاويات الشاي والسكر (  البراد، بابور، الزنبيل) تطوف حول الصينية كؤوس البلار بكياسة، مزدانة بألوان مختلفة ونقوش مرصعة كأنها قوس قزح، تستأثر بنفسها وسلطتها.

آراء أخرى

  • الواقعية والاغتراب في الرواية الفلسطينية

  • هذا الاعتداء الفظيع والمريع!

  • من وقائع حج المغاربة - اسفي نموذجا

يحضى كأس البلار بأصالة ومكانة عريضة داخل الثقافة المغربية ويعبر عن علامة فارقة  في نصوص الأغاني والأهازيج الشعبية، إذ يمزق هذا الكأس نفسه أمام هاجس التواطؤات ، فتراه لايدخل إلا قصور و بيوت عليه القوم والملوك، ليؤدي دورا أمنيا لحماية شاربه، فينكسر كلما لامسه سائل مسموم أو أي تركيبة كيميائية، وأكثر قابلية ليرمم من جديد.

ويقابل زجاج البلار مصطلح الكريستال أو كريستالوس باليونانية الذي يعني الجليد أو البلور، وهو مزيج سحري من مواد أولية تسمح درجة تبلورها بتحول المادة من حالة سائلة إلى صلبة، ويدخل ضمن النفائس لغلاء سعرها ونذرتها وبأنواعه الطيعة.

وداخل أوراش ضخمة  مشتتة في مناطق عدة بالعالم يبدع الصناع والحرفيون في إذابة الكريستال تحت درجة حرارة تصل الى °1450 درجة ليصقل وينحت برموز وكلمات وألون مختلفة حسب ذوق الصانع أو طلب السوق. ويمثل ورش ”بكارا” بشرق فرنسا أهم ورش عريق لصناعة كؤوس وزجاج الكريستال.

لكن الثقافة المغربية الشعبية أبدعت أكثر وارتفعت بهذا الكائن الحي الى حدوده القصوى الجمالية، وجعلته موضوع حكايات وأشعار في اللحن والزجل والفولكلور، فحاول الزجال فتح الله المغاري  في ستينيات القرن الماضي أن يسبق زمنه ويشق بكناياته واستعاراته في الزجل اللامفكر فيه، في أغنية  له تحمل اسم ” كاس البلار” من ألحان عبد الرحيم السقاط :

إلى غاب كاس البلار

يبقى قلبي محتار

خايف عليه، يدور من دار لدار

من يد ليد نهار، نستنى فيه

(…)

وتحمل هذه الألحان دلالات مجازية قوية تؤثث لعلاقة بين عاشق ولهان وفتاة نادلة تمتهن الدعارة بإحدى الحانات، حيث شبه المعشوقة بكأس البلار لصفائها وجمالها النادر.

وإذا قمنا بإطلالة عن صورته في الثقافة الأمازيغية ندرك إدراكا عميقا الحظوة التي جناها كأس البلار على نفسه، فرفع من هالته، حاضرا في فن أحواش (فلكلور أمازيغي غنائي) بأهازيج مترنمة ترددها النساء وينتفي فيها التابو معبرة عن سريرة يقظة تأنسن الإنسان واضعة إياه في صفاوة كلية مع الغير ونجد في سبيل الذكر ما أنشدته فرقة ” أحواش نتفرخين ” :

مرحبا يويد اوغراس البلار

ودم نون اتيد يوين اورد اغراس اوى

(…)

ويمكن قياس مدى أصلية كأس البلار عن غير المزور، بتجربة بسيطة تتلخص في ملامسة إبرة أو شفرة لجنباته حيث إذا الكأس أصليا فستنجذب الإبرة إليه كالديناميت أما إن كان مزورا فسيبقى كل واحد في مكانه بلا أي تأثير.

وما دمت قد قمت باستفاضة بلورية، لا نستثني مأثورة للكاتب الكبير فيكتور هوغو :

‘’Le style est comme le cristal, Sa pureté fait son éclat.’’  الأسلوب مثل البلور، نقاوته تجعله يلمع. فكونوا مثل البلار لا يقبل السموم، ينكسر. لكنه قابل للترميم.

صحافي  متدرب

المصدر