الانتخابات التشريعية في المغرب: ما الذي هو على المحك في 23 سبتمبر؟

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

في 23 سبتمبر 2026، سيجري المغرب سادس انتخابات تشريعية خلال عهد الملك محمد السادس، والرابعة منذ الإصلاح الدستوري لسنة 2011. هذا الإصلاح، الذي جاء في سياق حراك حركة 20 فبراير، أعاد إحياء الأمل في مسار ديمقراطي بعد محطة التناوب «الممنوح» سنة 1998 التي لم تحقق تطلعات واسعة. وإلى جانب ما أثاره من آمال، عزز الدستور الجديد صلاحيات البرلمان والحكومة، ووسع مجالات المشاركة السياسية، فضلاً عن توسيع نطاق الحقوق والحريات، سواء الفردية أو الجماعية. كما تميز عهد محمد السادس بانتظام تنظيم الانتخابات، واعتماد أطر قانونية وتنظيمية لتأطيرها، وهو ما ساهم أيضاً في تحسين تمثيلية النساء والشباب داخل مجلس النواب.

آراء أخرى

  • صلاة بباب دُكَّالَة.. أم استنبات لـ "إسرائيل جديدة" في المغرب؟

  • حصان طروادة

  •  سؤال الشفافية والإنصاف في الولوج إلى أراضي الجماعات السلالية واراضي أملاك الدولة

ورغم هذه الدينامية الدستورية وانتظام الاستحقاقات الانتخابية، فإن هذه التطورات لم تفضِ إلى ديمقراطية فعلية ولا إلى بروز نخب سياسية قادرة على تنفيذ إصلاحات هيكلية تستجيب بشكل ملموس للانتظارات الاجتماعية. ولا يزال المغاربة، شباباً وكهولاً، يعبرون عن مطالبهم خارج صناديق الاقتراع، من خلال الاحتجاجات، من أجل تحسين التعليم والصحة والولوج إلى العدالة وفرص الشغل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. ويبرز هذا التباين حدود مأسسة العملية الانتخابية، التي، رغم إسهامها في استقرار النظام، لا تزال عاجزة عن إنتاج سياسات عمومية فعالة وشاملة.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يطرح سؤال محوري نفسه: هل ستحدث هذه الانتخابات فرقاً حقيقياً، أم أنها تندرج ضمن استمرارية مسار انتخابي تتجدد فيه الوجوه وتتغير فيه الأدوار دون أن تتغير قواعد اللعبة أو طبيعة المنافسة؟ وما هي ديناميات السلطة والشرعية والولوج إلى الموارد السياسية التي تحكم هذا الاستحقاق؟ يعالج هذا المقال هذه الانتخابات من خلال ثلاث زوايا متكاملة: التوتر القائم بين مسار الديمقراطية ومنطق ترسيخ السلطوية؛ إعادة تشكيل الحقل الحزبي وتداول النخب بشكل مضبوط؛ ثم العزوف الانتخابي وتراجع الثقة في المؤسسات.

ديمقراطية أم صمود سلطوي؟

منذ تسعينيات القرن الماضي، تحتل المسألة الانتخابية موقعاً مركزياً في النقاش حول الديمقراطية. ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني، اعتمد النظام إصلاحين دستوريين (1992 و1996) في سياق تفاوض مع أحزاب «الكتلة»، التي ضمت الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية. وشكلت انتخابات 1997 خطوة متقدمة من حيث التشاور والحوار والشفافية وحياد الإدارة.

غير أن هذه الإصلاحات لم تؤدِّ إلى فوز انتخابي للمعارضة، بل أفضت إلى تعيين الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي على رأس حكومة توافقية إصلاحية. ومنذ ذلك الحين، ظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الإصلاحات السياسية تهدف إلى تعزيز انفتاح النظام لضمان استمراريته، أم تمثل مرحلة ضمن مسار ديمقراطي فعلي. وبعبارة أخرى، هل تندرج الانتخابات ضمن منطق الضبط وإعادة التوازن، أم تعكس تحولاً هيكلياً في النظام السياسي؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من استحضار الأدبيات التي تناولت الانتخابات في الأنظمة غير الديمقراطية والهجينة، وكذلك الدراسات الخاصة بالحالة المغربية.

بوجه عام، تُبرز هذه الأدبيات تعدد وظائف الانتخابات بحسب طبيعة النظام. ففي الأنظمة الديمقراطية، تُعد آلية تنافس لاختيار الحكام، أو «سوقاً سياسية» تقوم على حسابات الناخبين والأحزاب، كما تشكل إطاراً مؤسسياً يضمن التداول السلمي على السلطة.

أما في الأنظمة غير الديمقراطية والهجينة، فلا تعني الانتخابات بالضرورة منافسة عادلة أو تداولاً فعلياً للسلطة، بل تُستخدم في كثير من الأحيان كأداة لترسيخ سلطة الحاكم، واستقطاب النخب، واحتواء المعارضة، بل وأحياناً قطاعات أوسع من المجتمع. كما تُعد وسيلة لتوزيع الموارد والمنافع داخل شبكات الزبونية المرتبطة بالسلطة.

ومن هذا المنظور، قد تُعتبر الانتخابات وسيلة أكثر شرعية للوصول إلى المناصب السياسية، قائمة على قدرة المرشحين على تعبئة الناخبين، لكنها، بدلاً من تعزيز الديمقراطية، تُسهم في اختيار نخب موالية أو ذات نفوذ، وتوفر لها الحوافز للبقاء نشطة ومتماهية مع السلطة، بما يعزز استقرار النظام.

وتشير دراسات أخرى إلى أن تأثير الانتخابات في الأنظمة السلطوية يختلف بحسب السياقات، ويتوقف على كيفية إدماجها ضمن بنية السلطة. فهي قد تشكل أداة للتغيير أو وسيلة لتعزيز الاستقرار، تبعاً للدور السياسي المسند إليها.

وفي الحالة المغربية، تندرج الانتخابات ضمن مسار مؤسساتي مضبوط للتعددية، يتميز بمركزية المؤسسة الملكية. وقد أبرزت دراسات عديدة العلاقة بين السلطة المركزية والأعيان المحليين، ودور هؤلاء في تعبئة الناخبين. كما اعتُبرت الانتخابات مجالاً معقداً للتعبئة والتمثيل وإنتاج المعنى السياسي، دون أن تمس بالبنية الأساسية للنظام.

وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار انتخابات 2026 لحظة قطيعة، بل حلقة ضمن مسار من الاستمرارية والتكيف. ويكمن رهانها الأساسي في قدرتها على إعادة إنتاج هذه الآليات، مع استيعاب التحديات الجديدة، مثل إعادة تشكيل الحقل الحزبي، وتراجع الثقة الانتخابية، والتحولات الاجتماعية. كما تمثل فرصة لتقييم قدرة النظام على تجديد أدوات الشرعية وتنظيم التعددية، دون المساس بأسسه الجوهرية.

إعادة تشكيل الحقل الحزبي وتداول النخب

لا يزال الحقل الحزبي في المغرب يتسم بالتعدد والتشتت، ويخضع في الوقت نفسه لتأثير قوي من المؤسسة الملكية، حيث وُصف بأنه «تعددية حزبية تحت السيطرة». ويحول هذا التشتت دون بروز أغلبيات برلمانية متماسكة أو تحالفات حكومية مستقرة، كما يساهم في تمييع المسؤوليات السياسية، مع الحفاظ على توازن عام تحت إشراف المؤسسة الملكية.

وقد تجلت هذه الدينامية منذ أول انتخابات في عهد محمد السادس، مع تعيين إدريس جطو سنة 2002، واستمرت مع تجارب حكومية قادها حزب العدالة والتنمية في 2011 و2016، ثم التجمع الوطني للأحرار في 2021، ما يعكس قدرة السلطة المركزية على التأثير في المشهد الحزبي.

ولا تقتصر آليات الضبط على فترة الانتخابات، بل تمتد إلى ما قبلها وخلالها وبعدها، وتشمل أشكالاً مختلفة من التدخل، بما في ذلك في الشؤون الداخلية للأحزاب. ورغم وصول النخب الحزبية إلى البرلمان والحكومة، فإن هامش تحركها يبقى محدوداً، حيث تظل القرارات الاستراتيجية ضمن اختصاصات المؤسسة الملكية.

كما أن تجديد النخب لم ينجح في تحويل الشرعية الانتخابية إلى سياسات عمومية قادرة على تلبية تطلعات المواطنين، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية العملية السياسية في الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.

العزوف الانتخابي وتراجع الثقة في المؤسسات

تشكل مسألة العزوف الانتخابي أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستحقاقات التشريعية في المغرب. فمنذ سنوات، تعرف نسب المشاركة في الانتخابات تذبذباً، مع ميل عام نحو الانخفاض، خاصة في أوساط الشباب والفئات الحضرية. ويعكس هذا العزوف، في جانب منه، تراجع الثقة في جدوى العملية الانتخابية وفي قدرة المؤسسات المنبثقة عنها على إحداث تغيير ملموس في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وتشير عدة قراءات إلى أن هذا العزوف لا يرتبط فقط بضعف التعبئة الحزبية أو الحملات الانتخابية، بل يعكس أيضاً إحساساً متنامياً بعدم جدوى المشاركة السياسية عبر القنوات المؤسساتية. فبالنسبة لعدد من المواطنين، لا تُترجم نتائج الانتخابات إلى سياسات عمومية فعالة أو إلى تحسينات ملموسة في حياتهم اليومية، ما يعزز الشعور بالابتعاد عن الفعل السياسي.

وفي هذا السياق، يصبح العزوف الانتخابي مؤشراً على أزمة ثقة أعمق تمس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطرح تحديات تتعلق بشرعية المؤسسات التمثيلية. كما أن استمرار هذه الظاهرة قد يضعف من قدرة النظام السياسي على تجديد نخبته وضمان تمثيلية أوسع لمختلف الفئات الاجتماعية.

وفي المقابل، لا يعني العزوف انسحاباً كاملاً من المجال العام، إذ يلاحظ أن أشكالاً أخرى من التعبئة تستمر خارج الإطار الانتخابي، من خلال الاحتجاجات الاجتماعية أو المبادرات المدنية، وهو ما يعكس تحولات في أنماط المشاركة السياسية.

خلاصة

تُظهر الانتخابات التشريعية لسنة 2026 في المغرب أنها تندرج ضمن مسار يتسم بالاستمرارية أكثر مما يعكس قطيعة مع الأنماط السابقة. فهي تشكل لحظة لإعادة ترتيب التوازنات داخل الحقل السياسي، وتجديد النخب، دون أن تؤدي بالضرورة إلى تحول جوهري في قواعد اللعبة السياسية.

ويبقى الرهان الأساسي لهذه الانتخابات مرتبطاً بقدرتها على استعادة ثقة المواطنين، وتعزيز مصداقية المؤسسات التمثيلية، وترجمة المشاركة السياسية إلى سياسات عمومية تستجيب بشكل فعلي لانتظارات المجتمع. وفي غياب ذلك، قد تستمر الفجوة بين الدينامية الانتخابية والواقع الاجتماعي، بما يحمله ذلك من تداعيات على مسار التطور السياسي في البلاد.

ـ أستاذة العلوم السياسية، جامعة محمد الخامس بالرباط

ـ المصدر: موقع “أفكار”

المصدر