قراءة غرامشية في مشهد دولي يترنح بين الفوضى والصمت الأخلاقي

منذ 10 أشهر 6
ARTICLE AD BOX

في المشهد العالمي الراهن، لا يُعد التصعيد المتزايد بين إيران وإسرائيل مجرد صراع إقليمي، بل هو مؤشر على خلل أعمق في النظام الدولي. فالنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب الباردة بدأ يتفكك، وتتشكل مكانه اصطفافات جديدة وتحالفات هشة وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وتنامي دور الفاعلين الإقليميين وغير الحكوميين. لقد أدى تراجع قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات العالمية، إلى جانب فقدان الثقة في المؤسسات الدولية، إلى خلق فراغ ملأته الفوضى والعنف وردود الأفعال الاستبدادية. وفي خضم هذا الاضطراب، تصبح مقولة أنطونيو غرامشي الشهيرة: “العالم القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد؛ وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش”، وصفًا بالغ الدقة. فـ”الوحوش” هنا ليست كائنات خرافية، بل هي تجليات شاذة للتاريخ، تولد من رحم التناقضات، وتتحرك في غياب الشرعية والمسؤولية الأخلاقية.

آراء أخرى

  • انفجار المكبوت التطبيعي وصرخة "كلنا إسرائيليون"

  • طنجة الدولية.. اختبار فرضيتي التحول والتفاعل

  • "موازين" زمن الإبادة الجماعية

إن التصعيد بين إيران وإسرائيل ليس مجرد خلاف بين دولتين، بل عدسة يمكن من خلالها رؤية فشل الدبلوماسية العالمية، وانهيار القانون الدولي، وتراجع فعالية التعددية الأخلاقية. فالنظام الإيراني، المتمسك بهويته الثورية، يجد في عدائه لإسرائيل مرتكزًا أيديولوجيًا ووسيلة لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية. أما إسرائيل، المدعومة سياسيًا وعسكريًا من الغرب، فتمضي في استراتيجياتها العسكرية دون مساءلة حقيقية، فيما يدفع الأبرياء ثمنًا باهظًا: من الفلسطينيين في غزة، إلى اللبنانيين في الجنوب، إلى الإيرانيين تحت وطأة العقوبات. هؤلاء هم المستضعفون الذين أشار إليهم غرامشي؛ عالقون بين سرديات تمحو إنسانيتهم وسياسات تحرمهم من أبسط سبل الحياة الكريمة.

إن رد الفعل العالمي على هذه الأزمات يكشف عن بوصلة أخلاقية مختلة وإرادة دولية منقسمة. فقد أصبحت الديمقراطيات الليبرالية، التي لطالما تغنّت بحقوق الإنسان والنظام الدولي القائم على القواعد، إما متواطئة أو عاجزة. لغة السلام فقدت مضمونها، والمؤسسات متعددة الأطراف باتت بلا أنياب. وفي ظل هذا الفراغ، تستغل الأنظمة الاستبدادية الصراعات لتثبيت سلطتها، وتنتعش الخطابات المتطرفة في أوساط المهمشين. الوحوش هنا ليست فقط دولًا تمارس العنف دون مساءلة، بل أيضًا ثقافات سياسية تطبّع مع الفكر العسكري، وتُشيطن النقد، وتمحو وجود المدنيين. إننا لا نعيش مجرد لحظة أزمة، بل نعاين نتائج تراكمات عقود من التآكل الأخلاقي والسياسي.

ومع ذلك، فإن نقد هذه الديناميكيات لا يعني الوقوع في فخ الثنائيات التبسيطية. فليس من معاداة السامية أن ننتقد تجاوزات القوة الإسرائيلية، كما لا يُعد مثاليًا أن نُسلّط الضوء على البُنى القمعية داخل النظام الإيراني. ما هو مطلوب اليوم هو وعي تفكيكي، ما بعد كولونيالي ومتقاطع، يقرأ السلطة بمعايير أخلاقية تتجاوز العناوين والانتماءات. علينا أن نسأل: لماذا تُحسب حياة البعض بدقة، بينما تُمحى حياة آخرين من الذاكرة؟ لماذا يُربط أمن جماعة ما برعب جماعة أخرى؟ غرامشي يُذكرنا بأن كل صراع هو أيضًا صراع على المعنى، حيث تفرض القوى المهيمنة رؤاها للواقع، بينما يكافح المهمشون من أجل أن يُسمع صوتهم ويُعترف بوجودهم.

وفي خضم هذه التحولات، تقع على عاتق المثقفين مسؤولية مضاعفة: ليس تكرار الخطابات الجاهزة، بل مساءلتها، وتعقيدها، وإعادة إنسانية من جرى تهميشهم. قد تكون الوحوش بصدد الظهور، لكن هذا الزمن يحمل أيضًا إمكانات كامنة. المهمة لا تقتصر على التنديد بالعنف أو التوسل من أجل السلام، بل تتطلب تفكيك البُنى التي تنتج الصراعات، والسكوت الذي يغذيها. وفي الانحياز للأضعف، لا من منطلق أيديولوجي، بل من منطلق أخلاقي واضح، يكمن أمل بناء عالم مختلف. ولعلّ غرامشي كان على حق: فبفضل الوعي التاريخي وحده، يمكن تسمية الوحوش، ومواجهتها، وربما تجاوزها. وكما قال ريموند ريدينغتون في مسلسل “The Blacklist”: “يمكن أن يكون العالم مكانًا متوحشًا بلا رحمة إلى حدٍّ يُغفر فيه للمرء أن يظن أن الشر سينتصر في النهاية.” لكن الاعتقاد بانتصار الشر لا ينبغي أن يتحول إلى قناعة، بل إلى وعي محفز على المقاومة، وإرادة للمعنى في زمن يتكاثر فيه العبث وتتآكل فيه الحدود بين ما هو إنساني وما هو وحشي.

ـ  أستاذ التعليم العالي بالولايات المتحدة الأمريكية

المصدر