“فيدرالية اليسار” والمسألة السورية

منذ 2 سنوات 4
ARTICLE AD BOX

منتصر ساخي

"فيدرالية اليسار" والمسألة السورية

الثلاثاء 23 ماي 2023 | 10:23

“انهزام أخلاقي وراء الإشادة بعودة النظام السوري إلى الجامعة العربية”

آراء أخرى

  • السودان بعيون فوكوياما

  • العثورعلى بقايا أحدِ أقدمِ المَسَاجد التي بُنِيت في الأندلس 

  • سؤال حيادية الاعلام في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان

اعتراض وطلب سحب موقف الحزب الإيجابي من النظام السوري
إلى الأخ الأمين العام لفدرالية اليسار الديمقراطي،
إلى الإخوة والرفاق أعضاء المجلس الوطني،

لم أتمكن بفعل تواجدي بالخارج وظروف العمل حضور أشغال المجلس الوطني للحزب المنعقد ببوزنيقة يومي 13 و14 ماي. أرسل لكم هذه الملاحظات لتسجيل رفضي وامتعاضي من النقطة العاشرة التي جاءت في البيان الصادر عن المجلس حول المسألة السورية والتي جاءت كالتالي:

“يسجل المجلس الوطني بإيجابية عودة سوريا لمؤسسات الجامعة العربية، ويطالب بإصلاح هذه المؤسسة الرسمية، وإرساء قواعد الديمقراطية بالبلدان العربية والمغاربية، بما يمكنها من تحقيق استقلالها، وخدمة مصالح شعوبها و ضمان حقوقهم، كما يطالب برفع الحصار على الشعب السوري”

وأنا أوجه رسالتي هذه للمجلس الوطني، أعي جيدا أن هذا الموقف يعكس للأسف رأي أغلب أعضاء الأجهزة الحزبية ولذا أود مشاركة كل مناضلي الفدرالية موقفي حول الموضوع. فهو يظهر من دون شك جهلنا الكبير بواقع المسألة السورية ويجعلنا نأسس لقيم وتصورات غريبة عن قيم اليسار ومسار الصراع من أجل تحرر الإنسان من السلط الاضطهادية ـ إذا كان هذا الهدف هو مبتغى سياسة اليسار عموما. فالمسألة السورية تبرز من جديد تكلس حركية القوى اليسارية عبر إظهار مدى ابتعادنا عن الواقع واستمرارنا في اجترار أيديولوجيات وأفكار قديمة حتى وهي تتحول إلى آلية لأبشع مظاهر التخلف والاستبداد والقهر، وحتى وهي تصير بعيدة عن نبض الشعوب وقواها الحية في التغيير.

فموقفي الذي أطلب طرحه مختصرا على مستوى الحزب يمكن التعبير عنه بوضوح كالتالي:

استمرار الحزب واليسار في تبرير قتل مئات الآلاف من السوريين باسم مناهضة التدخل الأمريكي والإمبريالي في المنطقة هو دليل على الانهزام الأخلاقي والسقوط الفكري المدوي. فمختلف التبريرات التي جاء بها اليسار في المنطقة منذ 2011 حتى اليوم ـ والتي التحق بها حزبنا عبر هذه النقطة العاشرة في بيانه ـ تخفي حقيقة تيار خرب الفكر اليساري وخرب إمكانية تأسيس فعل نقدي واع بدوره التاريخي داخل المجتمع، أي فعل قادر على طرح خطاب مقنع ومستند لرغبة التحرر التي تحرك الشعوب.

الافتخار بعودة سوريا إلى الجامعة العربية هو احتفال بمجرم قتل شعبه وفرض على الملايين حياة الخيام والتهجير واللجوء. فالذي عاد لحضن الجامعة هي سوريا إدارة الأسد وليس الشعب السوري المقسم عقب حرب النظام إلى مناطق عديدة (من الإدارة الذاتية الكوردية في الشمال الشرقي، إلى الوصاية التركية في الشمال ومناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، مرورا بإدلب وملايينها من السوريين تحت الخيام ثم المستعمرات الروسية ومناطق النفوذ الأمريكي، إلخ.)

الاحتلال الأمريكي والنفوذ الغربي الاستعماري لم يكن يوما متنافيا في المنطقة ـ كما في التاريخ الاستعماري عموما ـ مع تسلط أنظمة استبدادية وفاشية مثل النظام البعثي والأحزاب البعثية في المنطقة. مقاومة الاحتلال الأمريكي والأوربي الذي يمثله التحالف الدولي لا يعني أبدا الارتماء في أحضان فاشية رجعية يمثلها في المنطقة النظام البعثي المجرم وحليفه الاستعماري والاستئصالي الروسي.

ثلاثة عناصر تقف حاجزا أمام تطور الفكر داخل مكونات حزبنا كلما استحضر المسألة الدولية. أولا هناك جهل إرادي بالواقع وذلك بناء على أيديولوجيا “القومية العربية” التي شكلت في لحظة تاريخية سابقة إمكانية بناء “جبهة تاريخية” لم تنجح، قبل أن تتحول إلى إرث سلبي شل حركة اليسار وفكره. ثانيا، التأثر بفكر بعثي فاشي طبع بعمق سلبي التيارات السياسية في المنطقة دون أن يقدم تاريخيا وحاضرا أي أفق آخر غير تفسيرات سطحية وخرافية طالما تحولت إلى عنصرية قاتلة وحرب اجتثاث ـ أو تبرير لهذه الحروب. ثالثا، آفة التأرجح وضرورة التموقع بين قطبين استعماريين اثنين ممثلين في الغرب الاستعماري وروسيا التي تقدم نفسها وريثة للسوفيات في حين أن سياساتها الخارجية ليست سوى جزءا لا يتجزء من تاريخ يمين متطرف عنصري واستعماري منافس للعنصرية الغربية. هذا في الوقت الذي ينظر جزءا واسعا من مناضلينا لجرائم الاستعمار الروسي وكأنها تختلف في طبيعتها عن الغرب، وينظر للغزو الروسي على أنه تحرير، كما ينظر للفاشية البعثية على أنها وطنية إيجابية. فالبعثية التي خربت الماركسية والتصورات الاشتراكية والمناهضة للاستعمار منذ الستينات، لاتزال تهدد كل فكر نقدي يحاول تجديد نفسه داخل اليسار.

إنها المسارات التي نبه إليها قادة الفكر اليساري المناهض للاستعمار في المنطقة منذ النشأة ـ من الشهيد المهدي بنبركة إلى فرانز فانون وغيرهم ممن عبروا عن رفض الاستعمار والاستبداد معا كيفما كان مصدرهما. فهذه الرسالة دعوة لربط الصلة بالواقع وفتح حوار جدي حول هذه النقاط الثلاث : مآلات القومية، آفة البعثية ومأساة الاستعمار الغربي والروسي وغيرهما في المنطقة.

في انتظار ذلك الحوار، أتقدم بطلب سحب النقطة العاشرة المتعاطفة بوضوح غريب ومؤسف مع إجرام بشار الأسد في سوريا، وذلك حتى لا تبقى وصمة عار على جبين الحزب.

فهذه المنطلقات الأيديولوجية وإن كانت تبدو مسألة تخص التاريخ والسياسة الخارجية، فهي في الواقع تنعكس على صورتنا في الحاضر وعلى مواقفنا من عدد من القضايا الوطنية والدولية.

*عضو بالمجلس الوطني للحزب
بروكسيل، 20 ماي 2023

المصدر