صحيفة “ليكيب” الفرنسية: “لو كان كل شيء يُدار في المغرب كما تُدار كرة القدم لكان الأمر رائعًا!”

منذ 6 أشهر 15
ARTICLE AD BOX

صحيفة “ليكيب” الفرنسية: “لو كان كل شيء يُدار في المغرب كما تُدار كرة القدم لكان الأمر رائعًا!”

الجمعة 10 أكتوبر 2025 | 13:49

من أكادير إلى الدار البيضاء فالرباط، لا يمكن الحديث عن المغرب اليوم دون المرور عبر ملعب كرة القدم، الذي تحوّل من رمز للفخر الوطني إلى مرآة تعكس عمق الأزمة الاجتماعية، كما رصدت صحيفة ليكيب الفرنسية في ربورتاجها الأخير بعنوان “كرة القدم، قلب المغرب”.

في حي إنزكان الشعبي قرب أكادير، حيث تتشابك أصوات الباعة مع هدير سيارات الأجرة، ما زالت آثار الغضب واضحة بعد الحادث المأساوي في مستشفى الحسن الثاني، الذي أودى بحياة تسع نساء أثناء الولادة القيصرية. عند مدخل المستشفى، الذي صار رمزاً للغضب الشعبي، يمكن رؤية عمال يرممون واجهته تحت مراقبة قوات الأمن، فيما لا تزال الشعارات التي خطها المحتجون على الجدران شاهدة على الاحتقان: “سئمنا من الملاعب.. نريد مستشفيات!”.

هذا الغضب الاجتماعي لم يأتِ من فراغ. فمنذ أسابيع، يهزّ البلاد حراك جديد تقوده حركة “جيل زد 212”، التي خرج شبابها في مظاهرات سلمية للمطالبة بالعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات العمومية. ومع مرور الأيام، بدأت كرة القدم – أكثر رموز الفخر الوطني – تدخل على خط النقاش. فحين سُئل شاب غاضب في أحد الاحتجاجات عن رأيه، أجاب: “لو كانت الصحة والتعليم تُدار كما تُدار كرة القدم، لكان المغرب بخير”.

خلف هذه الجملة الساخرة تكمن مفارقة عميقة. فالمغرب الذي يفاخر بملاعبه الحديثة، من طنجة إلى بنسليمان، ويستعد لاحتضان نهائي كأس أمم إفريقيا المقبلة (كان 2025)، ثم مونديال 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، أنفق مليارات الدراهم في مشاريع رياضية عملاقة. فقط ملعب مولاي الحسن بالرباط كلّف نحو 80 مليون يورو. لكن في المقابل، لا تزال مستشفيات عمومية تفتقر إلى أبسط التجهيزات، ومدارس تئن تحت وطأة الاكتظاظ ونقص الأطر.

وتقول الباحثة السياسية نادية الهاشمي العلوي، كما نقلت ليكيب: “إنها مفارقة تُظهر دولةً قوية في تنظيم الأحداث الكبرى، لكنها ضعيفة في توفير الخدمات الأساسية”. وتضيف: “لقد أصبح الاستثمار في الرياضة مرآة تكشف خلل التوازن بين الطموح الدولي والمطلب الاجتماعي المحلي”.

لم يتأخر اللاعبون الدوليون بدورهم في التعبير عن هذا الوعي المتنامي. فقد كتب مدافع المنتخب نايف أكرد على حسابه في “إنستغرام”: “كل هذه المطالب مشروعة، وتعبر عن حبٍّ حقيقي للوطن”. فيما تساءل زميله عز الدين أوناحي في تغريدة أثارت الجدل: “الملاعب جاهزة.. لكن أين المستشفيات؟”. وردّ عليه الحارس ياسين بونو قائلاً: “نحن مع مطالب الشباب، لأننا جزء من هذا المجتمع”.

ياسين، طالب في كلية الطب بالدار البيضاء، يلخّص الموقف الشعبي قائلاً: “نحب الكرة، لكن لا يمكن أن نعيش فقط على الانتصارات. إذا كانت كل القطاعات تُدار مثل كرة القدم، لكان كل شيء على ما يرام. المشكلة أن الآخرين يملأون جيوبهم”.

وفي موازاة ذلك، يواصل الاتحاد المغربي لكرة القدم الترويج لصورة بلد جاهزٍ تنظيمياً. فخلال مؤتمر صحفي، قال رئيس الجامعة فوزي لقجع بثقة: “المغرب هو الخطة أ، المغرب هو الخطة ب، والمغرب هو الخطة ج”، في إشارة إلى جاهزية البلاد لاحتضان كأس الأمم الإفريقية رغم السياق الاجتماعي المتوتر.

لكن في الشارع، يظل الإحساس بالتفاوت صارخاً. فمن جهة تُرفع صور أشرف حكيمي على جدران الدار البيضاء في لوحات عملاقة ترمز إلى “بطل الأمة”، ومن جهة أخرى ترتفع لافتات تطالب بالعدالة والمحاسبة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية. مفارقة جعلت من كرة القدم – بحسب وصف ليكيب – “ديناً مدنياً” في المغرب، وأيضاً “لغة للاحتجاج”.

ويقول عالم الاجتماع المغربي عبد الرحيم بورقية، الأستاذ بجامعة الحسن الأول والمتخصص في سوسيولوجيا الرياضة: “في المغرب، كرة القدم ليست مجرد رياضة، بل هي ثقافة اجتماعية كاملة. إنها فضاء يختزل الديناميات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتنعكس من خلالها التوترات والتطلعات داخل المجتمع”.

ويرى بورقية أن “الكرة لم تعد فقط وسيلة للفرجة، بل أصبحت وسيلة للتعبير ولتجسيد شعور جماعي بالكرامة والانتماء. ومن الطبيعي أن تُستعمل رموزها في الخطاب الاحتجاجي، لأن الشباب المغربي يجد فيها لغة يفهمها الجميع”.

وعن ما إذا كان النجاح الرياضي يخفف من حدة الغضب الاجتماعي، يجيب: “كرة القدم تمنح لحظات فرحٍ واعتزاز، لكنها لا تُلغي الإحساس بالظلم. إنّها تكشف التناقضات أكثر مما تخفيها”. ويختم قائلاً: “حين تصبح كرة القدم المرآة الوحيدة التي يرى فيها المجتمع نفسه، فذلك يعني أن بقية المرايا – التعليم والصحة والعدالة – قد تحطّمت”.

المصدر