شمس طلال سلمان ما غَرُبَت… إنما تبزغ من جهة الأمل

منذ 2 سنوات 6
ARTICLE AD BOX

هلْ بلغ به الأسى أقصاه، حتى يستجمع كل أحزانه، ويُغادرَ مُتسلِّلا إلى تلك القصيدة التي رعى تشكلها، خلال عقود، بأوزانفاعلينبكلالمفاعيلوليكون فيها تفعيلة أخرىخالدة وفوّاحة بنسائم الأملهو طلال سلمان، الصحفي العربي اللبناني، الذي توقّف نبض قلبه في هذه الحياة، ليعزف وجِيبُه في سماءات مطلق الحياة لحْن عذوبة الحياة في تشبعها بالمثل وبالكفاح من أجل المثُللسنوات تجرّع الرّجل خيبات، انْكسارات ونزيف جروح هذا الوضع العربيكابر برصيد الأمل الذي غذّى نفسه به، وجعلهُ زوّادتهعلى الطريقولعقودكتاباتهعلى الطريقلم تكن مجرد مقالات، مجرد افْتتاحيات، مجرد نصوصكانت إضاءات سياسية بقلم شاعر، منحوتات استشرافية بإزميل مفكر وتشريح جراحي لمشرط سياسيوكلها كانت كائنات متناسلة من قلم صُحفي، مهما تَزيّتْ وتوسّلت بمفردات مجالات سياسية وثقافية وعلمية أخرىهو الذي جعل الصحافة عقيدته، مبتدأ يومه وخبره وابتهالات في محرابالسفير“…

آراء أخرى

  • الحديث النبوي وثقافة السؤال

  • مجموعة بريكس تبدد أوهام القيادة الجزائرية

  • حدود الهيمنة ما بين السياسي والإعلامي

السفيركانت الجريدة الأكبر والأعمق من صحيفةكانت لِوحدها وطن عربي كامل، شاسع ومفتوح على هذا الوطن العربي المثْخن بالجروح وبالنكسات، والضّاجّ بالأنَّاة والآهات، في تدافُعها وتضادِّها مع الآمال والتطلّعات المخفورة بزغاريد التوْق للفرحهي جريدة توغلت في برْزخ لُجّة اضْطرام تحولات وأعاصير التاريخحتى نضب مِدادها ونفذ صبرها وبُح صوتها وهي تُؤَذِّن بالقول العربي في لبنان، ولا تفهموتعزف اللحن اللبناني في الوطن العربي ولا تطربوباتت هي بلا صوت، بعد أن مارست لعقود كونها صوت من لا صوت لهمإرادتُها، إرادته،  خارت في مواجهة موضوعهافأقفلها صاحبُها، سنة 2017 ، ومعها خسرت الصحافة العربية والسياسة العربية والأمل العربي معقَلا أو موقعا أو صرحا في صراعات الوجود، أو بستانا معنويا لزراعة الورود

حياة المناضل، الأديب والصحافي طلال سلمان، خط لها غايات بصلابة جبال وتاريخالبقاع، أوّلاها فلسطين، الغاية الأولى، الدّائمة الرّاسخة والأخيرةالوطن العربي، وحدةً واستقلالاً، المسلك الذي يوصل إلى فلسطين، والديمقراطية ثقافة وممارسة، في الدولة وفي المجتمع، الغاية التي هيّ نسْغُ الغايات والتي تنصهر فيه الوسيلة بالغايةغايات ناء وطن عربي بكامله على حملهابعثرها، أتلفها، ضيّعها وأهال عليها غبار معارك مفاخرات قبَلية أو غبار تقادم لتعثرات ولإرْجاءات ولانحرافات عن مسار التجدّد التاريخيفكيف لا ينوء صدر طلال سلمان برعايتها ويعتلّ بثقلها ويتوجع بموَلدات العجز فيهالهذا غادر طلال إلى مُطلق الذاكرة العربية،نازحامن دمار ارتجاجات هذا الواقع النسبي، المحدود والضعيف المدىهناك، سيُعادإنتاجهإشعاعا إعلاميا، سياسيا وقيْميًا يرش التربة العربية، الإنسانية والسياسية والثقافية بما اختمر فيه، هو، من مبادئ ومن مُحرّضات على التقدّم، وعلى الفرح وعلى الكرامة، الوطنية والثقافية

نشترك في المغرب مع النسيج الإعلامي، والسياسي والثقافي العربي في ألم فقْد علم، دافق التركة الإعلامية والأدبية وخفاق بالنسائم القوميةوننفرد عن ذلك النسيج بحقنا في دموع مغربية على غياب قلب لبناني بعض نبضه، وأكثر من بعضه، كان مغربياعرفته منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، في لقاء بالرباط في سياق نشاطلمنتدى الفكر والحوار، وغمرَني بهواه المغربي البادي من سِعة امتلاكه للقضية المغربية، في بُعديْها الوطني والديمقراطي، امتلاكا ثقافيا وسياسيا عميقا، أصيلا وصادقاوسأعرف، وأخْبِرُ، فيما بعد، ثَراء علاقاته الإنسانية المغربية، علاقات إنسانية دافئة بالمبادئ وبالتواطؤاتالثقافية والسياسية، مع ثُلّة من قادة الحركة الوطنية والتقدّمية المغربية،  على مدى ثلاثة أجيال، في محورَيْها، المتداخليْن، السياسي والإعلاميأمثال عبد الرحمان اليوسفي، محمد البصري (الفقيه)، محمد باهي، وبعدَهم عبد الغني أبو العزم وعمر الشرقاوي، ثم عبد الإله بلقزيز، وكاتبُ هذا النصعدا عن صِلاته بفاعلين مغاربة آخرين، دائمة أو متقطعة، في بيروت أو في المغربالمغرب الذي زاره كثيرالنقُل عشِقه، كما أفضى لي مرةوكان قبِل دعوتي لزيارة المغرب، رسميا، لولا أزمة الكوفيد التي أفشلت برنامجا دسما لتلك الزيارة، هو من طلب أن تكون أحد مَحاورهقضية الصحراء المغربية“… وفي هذه القضية بالذّات كان أستاذا وأحد أعرفُ الصحافيين العرب بتفاصيلها وبمؤدياتها وبخلفيات إشعالها ضد المغربهو لم يكن عربيا وحدويا بالشعارات وبالادّعاءكان كذلك بالفعل وبالحجة وبالبرهانوبالثقافة وبالبيان.

أستعيد شريط لقاءاتي معه، في الرباط، في بيروت، في باريس، في الجزائر، في تونس، في الأردن، في سياق مجالس وطنية فلسطينية أو مؤتمرات قومية عربية، وعلى مدى حوالي أربعة عقود  لقاءات كانت كلها كانت تتمحور الشأن العربي المشتركوأيضا غنية بملاحظاته أو بتساؤلاته أو بإحاطاتهحول قضايا مغربية، من موْقع المغربي المقتنع بعدالة القضية الوطنية المغربية، والمتفهِّم لعُسْر الهضْم المثَقّفِيِّ العربيِّ لتعقيدات المنجز الديمقراطي المغربيفي آخر حديث هاتفي لي معه، قبْل حوالي ثلاث سنوات، تذكرنا اتفاق التعاون (سنة 2010) بينالسفيروالاتحاد الاشتراكيوقال لي الشاعر عبد الحميد الجماهري (مدير تحرير الاتحاد الاشتراكي)، هو اليوم مُؤْتمن على صوْن مضمون وروح الاتفاق، بدون السفير، إعلاءًا لخصوبة الصحافة العربية وحِرصا على نفَس الاستمرارية فيها، بتنوع الاجتهادات وتفاعل الاهتمامات قوميا

مِثلُ طلال سلمان مُفاعل إعلامي قوي لا يخمد بطاقة الاشتعال الذاتي، دائم الإشعاعأبدا

المصدر