ARTICLE AD BOX
سومية منصف حجي
سكت دهرا ونطق اتهاما
الخميس 09 أكتوبر 2025 | 10:45
سومية منصف حجي
في مشهد من مشاهد العبث السياسي المغربي، خرج علينا الناطق الرسمي باسم الحكومة، بعد صمت طويل، ليرد على أسئلة الصحفي نوفل العواملة الذي استقبله في برنامجه على ميدي 1 تيفي . دار النقاش حول مطالب شباب “جيل”” Z الذي خرج لأنه لا يريد تعليما عموميا منهارا ولا مستشفى عموميا ما يجري بداخله يودي بحياة المرضى والنساء الحوامل ، ولأنه لم يعد يطيق السكوت عن الفساد على أساس أنه “موروث ثقافي” كما تحاول بعض العقليات أن تقنعه بذلك. مطالب تتجسد في صحة وتعليم في المستوى ومحاربة للفساد. ثلاث كلمات تختصر أزمة وطن بأكمله.
آراء أخرى
لكن يبدو أن هذه المطالب، أو الأصح الحقوق المكفولة دستوريا، والتي خرج هؤلاء الشباب في احتجاج سلمي للمطالبة بها والتي ووجهت بتدخل أمني لقمعها، قد أربكت ناطقًا لا يحب الاستماع إلا لصوت حكومته التي لم تعرف يوما معنى الاستماع لنبض الشارع. فعندما طرح الصحفي نوفل العوالمة سؤالا صريحا نقل فيه ما يقوله هؤلاء الشباب، فوجئنا برد السيد الوزير: “أسجل أنك الناطق الرسمي باسم المحتجين”. رد يضعنا أمام أكثر من علامة استفهام. رد لا يجيب على السؤال بل يحول الصحفي إلى متهم وكأنه متواطئ أو منحاز لجهة ما، في حين أنه يقوم فقط بعمله بكل مهنية. المهنية التي تحتم عليه أن ينقل ما يقوله الطرف الآخر مادام غير حاضر. فإذا به يواجه بموقف فوقي من محاوره يبين غياب ثقافة الحوار السياسي ويؤكد التوتر الكبير الذي تخلقه مثل هذه الأسئلة للحكومة. موقف يعيدنا للحظات سوداء في التاريخ السياسي المغربي عندما كان كل صحفي حر يخرج عن منطق “التطبيل” يتهم ب”التأليب على الدولة”.
ما وقع خلال هذا البرنامج يعتبر خرقا واضحا للفصل 28 من دستور المملكة الذي ينص على أن حرية الصحافة مضمونة ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة المسبقة، والصيغة التي طرح بها السؤال هي بمثابة تضييق معنوي علني، يحمل في طياته نوعا من الرقابة على الأسئلة الصحفية والمواضيع التي يتناولها الإعلام. نبرة الناطق باسم الحكومة كان فيها نوع من التخويف لصحفي كان يقوم بعمله بكل مهنية لإنه مطالب بطرح أسئلة باسم المواطنين والمواطنات، مطالب بنقل صوت الفئات الهشة ومطالب بإحراج مخاطبه عندما يتهرب من الإجابات . ماحدث هو رغبة ضمنية في السيطرة على الخطاب العام، بما فيه الإعلام لتفادي الإحراج السياسي والاجتماعي المتزايد والمعبر عن فشل هذه الحكومة.
رد الناطق الرسمي: ” أسجّل أنك الناطق الرسمي باسم المحتجين” لا يمكن اعتباره زلة لسان بقدر ما هو مؤشر على عقلية سياسية وحقوقية لم تغادر بعد مرحلة التحكم في الرواية الوحيدة. رد يأتي من شخص المفروض أن مسؤوليته تحتم عليه أن يكون أول من يحترم وظيفة الصحافة لا أن يكيل لها الاتهامات أو يسجل عليها موقفا فقط لنقلها مطالب فئة خرجت للشارع لتحتج. هل أصبحت الصحافة تهمة؟ هل صار كل صوت لا يطبل للحكومة خصما يجب شيطنته؟ مع الأسف، نحن أيضا “نسجل” أن الاهتمام الأول للسيد الوزير لم ينصب على المطالب بل فقط على أن “يسجل” أن الصحفي “يتحدث باسم المحتجين”.
الأدهى من هذا وذاك، هو أن السيد الناطق باسم الحكومة ببساطة “لم يسمع”بمطالب هذه الفئة المكونة من شباب مغربي خرج للشارع المغربي وتناولت كل المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، بل حتى الإعلام الدولي مطالبه بالصوت والصورة. ليته سكت ولم يسأل هذا السؤال، لعل الصمت كان سيكون أرحم من جواب لا يراعي ذكاء المواطنات والمواطنين ولا يحترم الشعارات الثلاث التي تتقاطع عند كلمة واحدة “الكرامة”. لكن الكرامة، على ما يبدو لا تدخل في اختصاصات السيد الناطق الرسمي الذي يبرأ الحكومة لأنها “لم تسمع” أو هو لم يسمع والأمر سيان. وهو بذلك لم يزغ عن الحقيقة والواقع الذي يقول أن الحكومة فعلا لا تسمع.
في عالم السياسة، السكوت أحياناً موقف. لكن حين يتكلم الناطق باسم الحكومة، بعد صمت طويل، ليهاجم صحفياً فقط لأنه نقل مطالب الجيل الجديد، فإننا أمام شيء أعمق من العبث: نحن أمام حكومة ترفض أن تسمع. فبدلاً من أن يطمئننا الناطق الرسمي بأن الحكومة تصغي، تشتغل، وتتفاعل، اكتشفنا أن أولويته القصوى هي رصد “الناطقين الرسميين” باسم من يطالبون بالعيش الكريم. يا سادة، لا أحد بحاجة لمن “يسجل” عليه مواقف، نحن لسنا في محكمة تفتيش، ولسنا تلاميذ ننتظر ملاحظات المعلم على دفتر السلوك. نحن في مغرب ما بعد دستور 2011، الذي يبدو أن البعض قرأه بالمقلوب أو اختزله في جملة واحدة: “اسكت تسلم”.
وإن كان لا بد من تسجيل، فها نحن نسجل نحن أيضاً، كمواطنين، أن هذا الرد الرسمي ليس فقط انفصاماً عن نبض الشارع، بل أيضاً دليل قاطع على أن الحكومة الحالية تُصاب بالذعر كلما واجهها سؤال صريح. نسجل أن مناصب المسؤولية في هذا البلد تحوّلت من مواقع للإصغاء والعمل إلى أبراج عاجية لا تسمع ولا ترى إلا ما يرضي غرورها. ونسجل أخيراً، بمرارة أن حرية التعبير في هذا البلد قد تُمنح لك… بشرط ألا تُعبّر.
أما الصحفي، فدعونا نطمئنه: أن تكون ناطقاً باسم مطالب الناس ليس تهمة، بل شرف. أما أن يكون المرء ناطقاً باسم حكومة لا تسمع، فذلك فعلاً ما يستحق التسجيل… في دفتر التاريخ، تحت بند: “الوقائع التي تثبت أن الديمقراطية ليست على ما يرام”.
@عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية
.jpg)
منذ 6 أشهر
12







