في تأملات فكرية مُحفزة على النقاش نُشرت مؤخراً، يتقدم الأستاذ حميد بوشيخي، المشهود له بالتزامه الراسخ في خدمة الفكر الاستراتيجي الوطني، بقراءة نقدية صارمة، لا مهادنة فيها، للحصيلة التي أفرزتها خمس عشرة سنة من تطبيق دستور 2011. ومن خلال تسليطه الضوء على الفصل 47، الذي ينص على أن الملك يختار رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، يطرح الأستاذ بوشيخي أسئلة جوهرية تتعلق بنسبية التمثيلية السياسية، وتخليق الحياة العامة، ونجاعة العمل الحكومي.
وينطلق هذا الطرح، المتسم بالصرامة والبراغماتية، من تشخيص يشاطره فيه العديد من المراقبين؛ ألا وهو استمرار الارتفاع في نسب العزوف الانتخابي، وبلوغ « السباق نحو المقاعد » ذروته برعاية من « الأعيان المحليين »، وهو ما يؤدي أحياناً إلى إفراغ البرامج الانتخابية من عمقها ومحتواها. ولتجاوز هذه المعضلة، يقترح بوشيخي نموذجاً قائماً على « الثقة المتفاوض بشأنها »، يتولى بموجبه رئيس حكومة مستقل، يعينه الملك، صياغة خارطة طريق مسبقة، قبل أن يشرع في استمالة الهيئات السياسية لتشكيل « أغلبية مشاريع ».
وإذا كانت الغاية المتمثلة في التخليق والعقلنة التدبيرية للدولة غاية محمودة ونبيلة، فإن الوصفة الدستورية المقترحة تثير إشكالات نظرية وعملية كبرى. ذلك أن هذه الأطروحة، بقلبها لمنطق البناء الديمقراطي، قد تؤدي إلى إضعاف الركائز الأساسية للمسؤولية السياسية، ووضوح المسارات الانتخابية، فضلاً عن تقويض وظيفة المؤسسات الوسيطة.
أولاً: الشرعية تُبنى بالتحالف
تستند الركيزة الأولى في نقد الأستاذ بوشيخي إلى ضعف التمثيلية الحسابية للحزب الفائز؛ إذ يذكر مدعوماً بالأرقام أن الأحزاب التي تصدرت الاستحقاقات الثلاثة الأخيرة لم تكن تمثل سوى فئة طفيفة من كتلة الناخبين المسجلين لا تتجاوز 12 في المائة في أحسن الأحوال. وهذا أمر لا مراء فيه، لكن هذا الاستنتاج يعزل الحزب الفائز عن بيئته المؤسساتية.
ففي ظل نظام الاقتراع اللائحي النسبي، لا يطمح أي حزب إلى حيازة الأغلبية المطلقة بمفرده؛ إذ تكمن جوهرية النظام البرلماني في أن شرعية الحكم لا تُقاس ليلة ظهور نتائج الدور الأول، بل تولد لحظة تشكيل الأغلبية البرلمانية. وإذا كان حزب رئيس الحكومة لا يحوز في البداية إلا على نسبة مئوية ضئيلة، فإن الجهاز التنفيذي الذي يقوده يستند في نهاية المطاف إلى تحالف يمثل، في مجموع أصواته، أغلبية الأصوات المعبر عنها داخل مجلس النواب.
وفي هذا السياق، كانت التحالفات الحكومية المتعاقبة في المغرب تمثل دائماً قاعدة برلمانية عريضة ومريحة على العموم. ومن ثم، فإن وصف القاعدة المقررة في الفصل 47 بـأنها تؤدي عمليا إلى الهيمنة الحكومية لحزب معين يعد مجافاة لزاوية الرؤية الصحيحة؛ فرئيس الحكومة ما هو إلا المهندس الأول لورش جماعي، تفرض عليه هندسة البرلمان خوض غمار التفاوض، وتقديم التنازلات، والإنصات لشركائه. وهذا عينه ما نشهده في أعرق ديمقراطيات التحالف، من برلين إلى لاهاي، حيث يدير المشهد قادة ينتمون لأحزاب حازت على 15% أو 20% من الأصوات، ويمارسون الحكم بشرعية تامة باسم تكتل أغلبّي متفاوض عليه.
ثانياً: من الديمقراطية الصاعدة إلى التكنوقراطية النازلة
تتجلى نقطة التحول الأكثر عمقاً في هذه مقالة الأستاذ بوشيخي في تصورها لكيفية إعداد البرنامج الحكومي. إن مقترح صياغة خارطة طريق مسبقة بقلم رئيس حكومة معين، ثم عرضها بعد ذلك على الأحزاب لنيل تزكيتها، يمثل انقلاباً تاماً على عقد الديمقراطية التمثيلية.
ففي هندسة الديمقراطيات المعاصرة، تنبع شرعية السياسات العمومية من القاعدة نحو القمة في إطار مسار صاعد؛ حيث يصوت المواطن لصالح مشروع انتخابي يحمله حزب ما، ومن خلال تقاطع هذه المشاريع المصوت عليها أو التوليف بينها، يولد البرنامج الحكومي. أما القول بأن البرنامج يسبق التحالف، فمعناه إعلان صريح للاستقالة البرامجية للهيئات السياسية؛ إذ لن تعود الأحزاب حينئذ مختبرات للأفكار أو قنوات لتطلعات الشعب، بل ستتحول إلى مجرد « وكالات للمنتخبين »، تنحصر مهمتها في توفير المقاعد للمصادقة على نص صِيغَ بمعزل عنها.
ولِمَ قد يتوجه الناخب إلى صناديق الاقتراع إذا غدا خياره البرامجي، سواء كان ليبرالياً، أو اشتراكياً، أو محافظاً، مجرد متغير شكلي للتأثيث؟ فإذا كان البرنامج مصمماً سلفاً وفق إملاءات تكنوقراطية، يفقد التصويت ركيزته العقلانية الأولى. والنتيجة أن الوصفة المقترحة لمحاربة العزوف قد تؤدي إلى عكس مبتغاها: أي ترسيخ قناعة لدى المواطن بأن التوجهات الاستراتيجية محصنة تماماً ضد تأثير الورقة الانتخابية.
ثالثاً: معضلة ربط المسؤولية بالمحاسبة
يقوم جوهر الآلية الديمقراطية على مفهوم أصيل هو المحاسبة الانتخابية. ولكي يتسنى للمواطن معاقبة المسؤولين الحكوميين أو مكافأتهم، لا بد للمشهد السياسي أن يكون واضحاً وجلياً. غير أن نموذج « الثقة المتفاوض بشأنها » حول شخصية مستقلة من خارج الأحزاب يؤدي إلى تذويب هذه المسؤولية.
فإذا كان رئيس الحكومة تكنوقراطياً مستقلاً، على غرار تجربة الأستاذ إدريس جطو عام 2002، ولكن من دون الأغلبية الحزبية التي توفرت له حينها، فأمام أي قاعدة ناخبة سيحاسب على إخفاقاته عند نهاية ولايته؟ إن عدم انتمائه لأي هيئة سياسية يعفيه، بحكم التعريف، من العقاب الانتخابي. هذا الغموض البنيوي يفتح الباب على مصراعيه للعبة « تبادل التهم » المستمر؛ ففي حال حدوث أزمة، ستلقي أحزاب التحالف باللائمة على الفريق التكنوقراطي أو على الآلية التي أفرزته، في حين سيشتكي رئيس الحكومة من غياب الولاء السياسي للأحزاب.
علاوة على ذلك، فإن تحالفاً موسعاً ومنزوع السياسة يمحو الحدود الضرورية الفاصلة بين الأغلبية والمعارضة. وفي غياب معارضة واضحة، مسلحة ببرنامج بديل وذي مصداقية، يصاب النقاش السياسي بالاختناق. إن إعدام وضوح المسؤوليات السياسية هو حرمان للمنظومة من صمام أمانها السلمي الرئيسي.
رابعاً: الرؤية التدبيرية للدولة ومخاطر الموت السريري للأحزاب
يعكس مقال حميد بوشيخي نزعة معاصرة قوية: التطلع إلى استبدال التداول السياسي بالحكامة التدبيرية المقاولاتية. تُفهم الدولة هنا على شاكلة مقاولة كبرى، يشغل فيها رئيس الدولة منصب رئيس مجلس الرقابة، ويضطلع رئيس الحكومة بدور المدير العام، في حين تمثل الرؤية التنموية خارطة الطريق الاستراتيجية.
وإذا كان هذا المنظور يقدم ضمانات للنجاعة التقنية على المدى القريب، فإنه يحمل في طياته مخاطر نسقية على المدى البعيد. فبإعلاننا أن الأحزاب السياسية أضعف من أن تتحمل قيادة الجهاز التنفيذي، فإننا نضفي شرعية ضمنية على عدم جدواها المؤسساتية. وإذا كانت الأحزاب لا تصنع القائد، ولا تضع البرنامج، ولا تمارس المعارضة، فإن وجودها ذاته يغدو نافلة من القول وزيادة لا معنى لها.
والحال أن النموذج التنموي الجديد، الذي كان الأستاذ بوشيخي أحد مهندسيه اللامعين، قد شدد بالذات على الضرورة التاريخية لإبراز أحزاب قوية، ذات مصداقية وجرأة لقيادة الإصلاحات. وإن مأسسة عجز الأحزاب عبر تعديل دستوري سيعني التراجع عن هذا الطموح. ولسنا هنا بصدد خطر حلها القانوني، بل بصدد « موتها السريري »؛ إذ لن تجذب بعد ذلك مناضلين تحركهم المبادئ والمواقف، بل ستستقطب نفعيي السياسة المحلية، المدركين بأن اليافطة الحزبية ليست سوى مركبة للمآرب الشخصية للظفر بمقعد هامشي في تحالف تم إعداده سلفاً.
خامساً: ما البدائل لتخليق الحياة السياسية دون تراجع ديمقراطي؟
إن التشخيص الذي وضعه حميد بوشيخي بشأن تغول المال ونفوذ الأعيان يتسم بالوجاهة المطلقة. غير أن الرد على هذا التحدي الكبير ليس دستورياً، بل هو تشريعي وأخلاقي؛ فلا يمكن مداواة ديمقراطية مجهدة عبر تقليص أثر الاقتراع العام.
ولتطهير فضائنا السياسي مع الحفاظ على روح الفصل 47، ثمة روافد أخرى، أكثر ديمقراطية، جديرة بالتفعيل:
1. إصلاح القانون الانتخابي: عبر تشديد صارم للمراقبة على نفقات الحملات الانتخابية وآليات الشفافية المالية، لتحييد التأثير غير المشروع للمال في صناديق الاقتراع.
2. الإنهاء الفعلي لحالة الجمع بين الانتدابات: بمنع مطلق للجمع بين الصفة البرلمانية ورئاسة الجماعات الكبرى أو الجهات، مما سيسهم في تفكيك الإقطاعيات المحلية وإخلاء الساحة لكفاءات علمية وبرامجية.
3. فرض الديمقراطية الداخلية: بإلزام الأحزاب قانوناً بآليات شفافة لانتقاء النخب، لكي يرجح ميزان الاستحقاق الفكري والكفاءة على القدرة المالية البحتة لتمويل الحملات.
خاتمة
إن الفصل 47 من دستور 2011 ليس مجرد قاعدة حسابية صماء؛ بل هو رمز الانتقال إلى شرعية التعاقد المؤسس على صوت المواطن. وإن الارتداد عن هذا المكتسب، بدعوى أن الفاعلين السياسيين لم يستبطنوا بعدُ متطلبات وظائفهم، يعادل مأسسة دستورية للتراجع والنكوص.
إن التحديث السياسي للمغرب لن يتأتى بالالتفاف على الأحزاب، بل بإجبارها على إصلاح ذواتها تحت مجهر الناخبين. وبين النجاعة الباردة للحكامة التكنوقراطية، والتعلم الديمقراطي الشاق أحياناً للتمثيلية الشعبية، يعلمنا التاريخ أن الخيار الثاني وحده الكفيل بإرساء القواعد المتينة للاستقرار الاجتماعي المشترك. ومن خلال صون هذا الرباط المقدس بين ورقة تصويت المواطن وقيادة الجهاز التنفيذي، نحمي روح دستورنا ونصون مستقبل نموذجنا التنموي.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







