سؤال التنمية

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

“أيها الداخلون إلى هنا، اطرحوا عنكم أي أمل”
دانتي، الجحيم، الكوميديا الإلهية.

آراء أخرى

  • الأزمة السياسية في كوريا الجنوبية: السلطة لا تحدها إلا السلطة..

  • طوفان الأقصى: يا قدس!

  • الحاجة لتربية إعلامية واستخدام أمثل للتكنولوجيات الحديثة   

1- التنمية: المنبع والمصب!

عبارةُ “التنمية” سائلة.
“التنمية” مطمح الجميع! الكل يفكر في ما يجعلها ممكنة، ولا أحد تقريبا يحركه، قبل هذا التفكير، التساؤل عن ماهيتها. يضمر هذا المطمح صراعا داخليا معتركه تحديدُ ما به تتهيأ شروطه.

إن التمثل الذي ألصق ب”التنمية” يفصح عن نفسه في مقولات الرفاه الاجتماعي ورغد العيش، وهو تمثل يستدعي بالضرورة مستوى دخل يتناسب والحاجيات. وهو تناسب يتحقق بتوفير فرص الشغل. ووحدها الاستثمارات المنتجة قادرة على جعل هذه الفرص ممكنة. من هذا المنطلق تأتي البنية التحتية كشرط حاسم في جعل هذه الإنتاجية ممكنة. بنية تحتية يتوزعها المادي والبشري. والبنية التحتية ذاتُها تتأسس على استثمارات عمومية يتوزعها المادي والبشري، والقانوني أيضا. ولا يتسنى للاستثمار العمومي أن يوجد في غياب إرادة سياسية تترجم المصلحة العامة، تلك التي تسري في التمثل الذي تفصح عنه مقولة الرفاه الاجتماعي. ذلك أن الإرادة السياسية المتجهة صوب هذه المقولة لا تصير ممكنة بغير الديمقراطية. تلك الديمقراطية التي يحصنها مبدأ الأصلح. وإن ديمقراطية لا تتسلح بمستوى وعيٍ قادر على شحن الطامحين إلى “التنمية” بروح الإنتاج المبدع لا تعدو كونها وَهم ديمقراطية.
“التنمية” عبارة سائلة.

وتدفق العبارة يخطئ منابعه الأصلية حين لا يذهب أبعد من الديمقراطية، حين لا يتقصى المنبع الذي منه يرتوي الطموح إلى جعل الرفاه الاجتماعي مجسدا على الواقع بمنأى عن الاستيهام. والمنبع الأصلي تدل عليه الخارطة جغرافيا والتجربة تاريخا.

2- وهم التنميةّ !

تحوز عبارة “التنمية” طاقة هائلة على الاحتواء. ولعل ما يفضح هذا الاحتواءَ تضخمُ العبارة وسريانُها عبر خطابات تغذِّي أوهامَها، وتهبها قابلية التلون. من هنا تفصح عبارات مثل: “التنمية البشرية”، “التنميةالمستدامة”، “التنمية الذاتية”، عن قوة التفافٍ مخيفةٍ تمتلكها العبارة الأم. فلئن كان البعض يرى فيها جُماع مخططات أو استراتيجيات أو براديغماً أو مفهوماً، فإن تفكيك هذه الرؤى ينبئ بأنها لا تعدو كونها تملصا مقصودا وحذراً من سؤال سمته الصلابة: ما السبيل إلى التقدم؟.

يبدو أن الوهم الذي يغلف عبارةً ما تكشفهُ أعطابه. وأعطاب “التنمية” تُلتَمس أولا في نشأتها. إنها في الأساس تسميةٌ لاستراتيجية انبثقت لكبح مشروع الدولة الوطنية، لعرقلة صيرورة فك الارتباط. إنها بالأحرى امتداد للسيطرة الكولونيالية، بحيث لا يقف هذا الامتداد عند الكبح والعرقلة، وإنما يتجاوز ذلك ليكرس شبح المركزية الأوربية من جهة، ويدفع خبراء الأطراف إلى الإفصاح عن ولعهم بهذه المركزية من جهة أخرى.

إن من يتنبه إلى هذا الوهم، الذي تكشفه أعطابه، يجد أن حفرياته تتصل بكون “التنمية” ترجمةٌ لإفلاسِ شعاراتِ التحضرِ التي بشرت بها الكولونيالية. لقد استيقظت الدول الخاضعة على وضعٍ تاريخي يتأسس على فجوة تفصلها عن المُستعمِر، فكان أن انصاعت لإملاءاتٍ تُضمِر إقرارا بالتخلف حين تتبنى الطرح “التنموي”. التنمية بعبارة أوضح إقرار بحالة التخلف وتثبيت لها. إنها مسايرة للوضع الذي فرضته الحقبة الكولونيالية وتحصين لهذا الوضع.

الطريف في هذا المقام أن تثبيت الوضع يتم عبر جبهتين، كلاهما يعيق صيرورة فك الارتباط. الأول يمارس ولعه بالمركزية الأوربية ويستقي منها أجوبته، أما الثاني فيلتفت صوب “مركزية ماضوية” يستمد منها رؤيته للحاضر والمستقبل. وبعيدا عنهما يُمارَس التفكير النقدي ويرتكن السؤال لعزلته الباردة.

تتجسد قدرات عبارة “التنمية” على التلون والاحتواء في شخص السيد الخبير! سيد يمتلك مهارة اللعب بالمعايير، ويقفز من معيار إلى آخر بخفة. لا تعوزه الأرقام والنسب والجداول والمنحنيات. يجد الحلول الشافية لما استغلق عن غيره، ويزيل الغشاوة. ذلك أنه “لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب”

3 – “التنمية” المجرورة!

قد تُسعفُ الاستعارات التي تتصل بفعل الجر في التخفيف من غرابة العنوان. فالمجرور في هذا السياق يتخذ وضعيةَ التابع؛ إنه المُلحق والهامشُ والذي يأتي بعدَ. ولو توقف الأمر عند هذه المعاني لكان الوقع أخفَّ على المجرور، ذلك أن فعل الجر لا يمكن فصلُه عن الإكراه الذي يرافقه: ليس أمام المجرور اختيار، حركةُ الجارِّ تتحكم في حركته، وليس له إلا الانصياع أمام القوة التي تجره، بل إنه في مقامات معينة يتهيأ لحركة الجر ويتيح نفسه لها.

والتنمية مجرورةٌ بدءاً لأنها نتاجُ “رسالة حضارية” استنفذت ممكنها؛ تلك الرسالة التي بررت بها الليبرالية وحشيتها الكولونيالية. ومجرورةٌ ثانياً لأنها ليست إبداعاً أملته الحاجة، وإنما هي محاولة لجعل الهيمنة تمتد وتَتأبَّد. المشاريع “التنموية”، والحال هاته، ليست أكثر من تعاويذ لدرء لعنة محدقة، إنها شعوذة تسندها الأرقام والمنحنيات والمؤشرات، شعوذة ينهض بها خبراء يباركون الوضع القائم ويجتهدون للإبقاء عليه. إنها باختصار شعوذة عالمة.

التنمية مجرورة أيضا لأنها تخضع لتدفقٍ يستنزف معانيها. على أن هذا التدفق يخطئ منابعه الأصلية حين لا يذهب أبعد من الديمقراطية، حين لا يتقصى المنبعَ الذي منه يرتوي الطموح إلى جعل الرفاه الاجتماعي مجسَّدا على الواقع بمنأى عن الاستيهام. والمنبع الأصلي تدل عليه الخارطة جغرافيا والتجربة تاريخا.

للتنمية المجرورة حفرياتها المتصلة بهذا التأبيد الذي تتكافل من أجله الليبراليةُ والأنظمة التي تخضع لهذا الجر. ففي سنة 1949 انعقد مؤتمر عالمي، تم فيه تعميد مصطلح التخلف في خطاب للرئيس الأمريكي الثالث والثلاثين. بعدها سيكون لهذا الميلاد الرسمي تبعاته على دول الأطراف، لتغدو التنمية تبريرا للتبعية وقبولا بوضع المُلحَق والهامش. وسيشتد عود هذا المولود وتتعدد ألقابه:

التنمية الاقتصادية: هذا اللقب الذي يلغي التقدم كمنظومة يتداخل فيها الاقتصادي بالفكري.

التنمية المستدامة: استدامةً تكشف عن قبول بوضع التابع بشكل أبدي.

والتنمية البشرية: بما هي نسخٌ ومحو لما تحقق، ومحاولة لاستدراك مركزية الإنسان، هذا الذي يشكل منسيَّ الليبرالية حين يلهج سدنتها بالحرية والعدالة والمساواة. ووراء إلغاء الإنسان التفافٌ على الصراعِ، محرِّك كل تقدم.

التنمية مجرورة لأنها جواب جاهز عن سؤال التقدم، وهي بهذا المعنى استسلام واعتراف بالتخلف. مجرورةٌ لأنها نكوص واعتذار عن خوض المعارك. إنها “فانتازم” الذين يخسرون المعركة دون أن يشاركوا فيها.

مجرورةٌ ختاما لأنها تثبيت للوضع وقبول بالتبعية بما هي قدر وحتمية. والطريف في هذا المقام أن تثبيت الوضع يتم عبر جبهتين، عبر رؤيتين تعيقان صيرورةَ فك الارتباط. الأولى تمارس ولعها بالمركزية الأوربية وتستقي من هذا “الولع بالغالب” أجوبتها، أما الثانية فتلتفت صوب “مركزية ماضوية” تستمد منها رؤيتها للحاضر والمستقبل. وبعيدا عنهما يُمارَس التفكير النقدي ويرتكن السؤال لعزلته الباردة.

المصدر