ARTICLE AD BOX
تقدّم حركة «جيل زد» في المغرب حالة فريدة في المشهد الاحتجاجي العربي والمغاربي، إذ لا تنتمي إلى النماذج الكلاسيكية للحركات الاجتماعية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، ولا إلى الأنماط الأيديولوجية التي قادت انتفاضات سابقة. إنها ظاهرة جيلية رقمية تفجّرت في فضاء تكنولوجي، وتحركت خارج الأطر التنظيمية التقليدية للأحزاب والنقابات، حاملةً خطابًا أخلاقيًا عامًا يتقاطع فيه مطلب الكرامة مع مطلب الفعالية المؤسساتية والعدالة الاجتماعية.
من هنا، يصبح تحليلها ليس مجرد رصد لحدث سياسي عابر، بل محاولة لفهم تحوّل عميق في البنية الاجتماعية والسياسية للدولة المغربية، وفي علاقة الجيل الجديد بالسلطة والمجتمع.
إذا انطلقنا من المنظور الأكاديمي لعلم الحركات الاجتماعية، يمكن قراءة «جيل زد» من خلال تداخل ثلاث نظريات أساسية: الفرص السياسية، تعبئة الموارد، والإطارات الخطابية.
الفرص السياسية
وفق نظرية “الفرص السياسية”، جاء ظهور الحركة في لحظة هشاشة بنيوية للنظام السياسي، حيث تراجعت شعبية الحكومة بفعل الغلاء والفساد وضعف الأداء الاجتماعي، بينما احتفظ النظام المركزي بقدرته على المناورة وامتصاص الأزمات دون تفكك داخلي.
هذه اللحظة فتحت المجال أمام بروز فاعلين جدد في الفضاء العمومي، لكن انسداد قنوات الوساطة السياسية التقليدية دفع الشباب إلى خلق شكل احتجاجي جديد خارج المنظومة، مستعينين بالشبكات الرقمية بدل المؤسسات الحزبية.
ويشير هذا المنظور إلى أن نجاح أي حركة لا يتوقف على قوة الشارع فحسب، بل على انقسام النخبة الحاكمة أو انفتاح النظام على التفاوض. في الحالة المغربية، تبدو مؤشرات الانقسام ضعيفة، خصوصًا على مستوى البنية المركزية للسلطة التي لجأت في البداية إلى القمع، قبل أن تتدارك خطأها وتتبنّى سياسة الاحتواء، من خلال التسامح مع المتظاهرين وفتح قنوات الإعلام الرسمي لتفريغ الشحنة الاجتماعية من معناها السياسي. أما الحكومة، فهي كالعادة مجرد «كيس ملاكمة» معلق لتلقي ضربات الغضب الشعبي.
التعبئة والخطاب
استطاع «جيل زد» بناء شبكة رقمية فعالة مكنته من التحرك عبر منصات مثل “ديسكورد” و”تيك توك” في أكثر من عشرين مدينة في وقت قياسي، من دون حاجة إلى قيادة ظاهرة أو تمويل.
هذه القدرة على الحشد الرقمي تشبه ما وصفه الباحث الأمريكي تشارلز تيلي بـ”التعبئة من دون تنظيم”، وهي سمة للمجتمعات ذات الأنظمة السلطوية الصلبة، حيث يتحول الفضاء الرقمي إلى بديل عن الجمعيات والأحزاب.
غير أن هذا الشكل من التعبئة يبقى هشًا لسببين: أولًا، لأنه لا يخلق مؤسسات قادرة على الاستمرار أو التفاوض باسم الحركة. وثانيًا، لأن الفضاءات المفتوحة للنقاش، والهويات المجهولة للناشطين عليها، تكون معرضة للاختراق والتوجيه والتمييع، كما بدأ يُلاحظ مؤخرًا على منصة “ديسكورد” التي بات النقاش فيها موجّهًا أكثر فأكثر.
منذ بدايتها، أظهرت الحركة وعيًا بحدود الأيديولوجيات السياسية القديمة، فهي لا تتحدث بلغة اليسار أو الإسلاميين أو الحركات الطلابية الكلاسيكية، بل بلغة جيلٍ وُلد في عصر اللاوساطة، يؤمن بالشفافية والحق في الصحة والتعليم والكرامة كقيم كونية لا تحتاج إلى تبرير سياسي.
هذا الخطاب، رغم بساطته الظاهرية، يحمل قوة رمزية كبيرة لأنه يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس العقد الاجتماعي لا الولاء السياسي. لكنه في المقابل مهدد بالذوبان في المثالية الأخلاقية إذا لم يتطور إلى رؤية عملية للتغيير المؤسساتي، خصوصًا أن توجيه الخطاب مباشرة إلى الملك وضع الحركة في تماس رمزي مع مركز السلطة، مانحًا إياها شرعية أخلاقية واسعة، لكنه في الآن نفسه يضعها أمام اختبار سياسي دقيق في حال عدم التفاعل مع خطابها.
حسّ نقذي وضٌعف تنظيمي
يمثل «جيل زد» تحوّلًا في نمط الفعل الجماعي بالمغرب. فبعد حركات السبعينات اليسارية كـ«إلى الأمام» و«23 مارس» التي خرجت من رحم الجامعة والنقابة، واحتجاجات «إكديم إزيك» عام 2010 في الصحراء، وحركة 20 فبراير عام 2011، وحراك الريف سنة 2017، يأتي اليوم جيل جديد ابن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
هذا الجيل يمتلك حسًا نقديًا عاليًا لكنه يفتقر إلى التجربة التنظيمية. لا ينتظر إذنًا من أحد ليعبّر عن ذاته، ولا يؤمن بالزعامات الكاريزمية، بل يخلق رموزه لحظيًا من داخل الجماعة الرقمية، لذلك يصعب تفكيكه أمنيًا أو احتواؤه سياسيًا بالأساليب التقليدية، لأن طبيعته الشبكية تجعله متعدّد الرؤوس ومتجدّد الخطاب.
غير أن غياب بنية مؤسسية يجعل من الصعب تحويل هذا الوعي الجمعي إلى قوة تغيير مستدامة، ما قد يقود إلى أحد مسارين:
إما التحول إلى حركة إصلاحية اجتماعية ذات امتداد مدني، أو الذوبان في لحظة وجدانية قصيرة تترك أثرًا ثقافيًا أكثر منه سياسيًا.
لا ثورة ولا انتفاضة
يمكن النظر إلى «جيل زد» كظاهرة تمثل مرحلة من دورة تطورية جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع المغربي. فهي ليست ثورة ولا انتفاضة، بل عملية إعادة توازن بطيئة داخل النظام الاجتماعي قد تُنتج، على المدى المتوسط، نخبًا شبابية جديدة في المجتمع المدني والإعلام والتعليم، تنقل روح الحركة إلى داخل المؤسسات حتى وإن خمدت الموجة الاحتجاجية.
فالحركات لا تُقاس بعمرها الزمني، بل بالأثر الذي تتركه في الوعي الجمعي، وبالأسئلة التي تزرعها في المجتمع.
يصف البعض «جيل زد» بأنه حركة غضب شبابية، غير أن ما نعيشه يتجاوز الغضب إلى ما يسميه عالم الاجتماع الأمريكي جورج كاتسيافيكاس “الأيروس الجمعي”، أي تلك الطاقة الأخلاقية الهائلة التي تدفع الناس إلى الفعل الجماعي دون انتظار مقابل. لكن هذه الطاقة، مهما بلغت قوتها، لا تدوم ما لم تتحول إلى مأسسة وتنظيم وبناء أدوات اجتماعية قادرة على الاستمرار.
لذلك، فإن مستقبل «جيل زد» سيتحدد بقدرته على العبور من الانفعال إلى التنظيم، ومن الشارع إلى الفعل المدني.
كسر حاجز الخوف
«جيل زد» لا يريد أن يهدم الدولة، بل أن يعيد تعريفها. لا يرفع شعارات الثورة، بل يطالب بدولةٍ عادلة تحترم ذكاء مواطنيها. وإذا كان جيل 2011 قد رفع شعار “إسقاط الفساد والاستبداد”، فإن جيل 2025 يقول ببساطة: “نريد العيش بكرامة”. إنها الصيغة المغربية لما بعد السياسة، حيث يصبح الحق في الكرامة والمحاسبة جزءًا من الوعي اليومي لا من الخطاب الرسمي الحكومي والحزبي.
بهذا المعنى، فـ«جيل زد» ليس مجرد احتجاج على أوضاع اجتماعية، بل علامة على تحوّل عميق في البنية الذهنية لجيل بأكمله، جيل لم يعد يرى السياسة امتيازًا للنخب، بل حقًا للمواطنة، ولم يعد ينتظر الإصلاح من فوق، بل يبادر إليه من الأسفل، من الشارع ومن الفضاء الرقمي.
وإذا كان فشل الحركات السابقة نابعًا من عجزها عن الانتقال من الانفعال إلى المأسسة، فإن مستقبل «جيل زد» سيتوقف على قدرته على بناء هذا الجسر بين الصرخة والاقتراح، بين الوعي والقدرة، بين الحماس الأخلاقي والتنظيم العقلاني.
قد تخمد الموجة بعد أسابيع، وقد تُستوعب جزئيًا في خطاب رسمي جديد، لكن أثرها سيبقى طويلًا. فقد غيّر هذا الجيل لغة الخطاب، وأجبر السلطة على الإصغاء إلى صوتٍ لم يكن مألوفًا.
وفي المجتمعات التي تتغير ببطء، يكفي أن يتغير الخطاب حتى يبدأ النظام نفسه في التبدّل من الداخل. حتى إن لم يُسقط «جيل زد» الحكومة، فقد كسر حاجز الخوف وأسقط الصمت الذي كان يحكم العلاقة بين الشباب والدولة. ومن هناك، يبدأ كل شيء.
.jpg)
منذ 6 أشهر
9







