جدل “صفقة الأدوية” يهز أركان الحكومة.. تضارب مصالح بين وزيرين يفتح نقاشاً دستورياً وقضائياً وأخلاقياً واسعاً

منذ 5 أشهر 32
ARTICLE AD BOX

شهدت الأيام الماضية عودة النقاش حول تضارب المصالح داخل الحكومة الحالية إلى الواجهة، بعد تفجر قضية تفويت وزير الصحة صفقة أدوية لزميله في الحكومة، وزميله السابق في هولدينغ العائلي لأخنوش، سعد برادة.

ويعيد موقع “لكم” تركيب وقائع القضية التي أخذت أبعادا متعددة، انطلاقا من تفجرها في جلسة عمومية بالبرلمان، مرورا ببلاغ الوزارة، ومطالب تشكيل لجنة للتقصي، ودخول النيابة العامة على الخط، وصولا إلى الاجتماع الذي انعقد أمس الأربعاء بمجلس النواب، والذي عرف تقديم معطيات جديدة، إلى جانب تقديم وزير الصحة لروايته.

تفجر الموضوع وتحوله لقضية رأي عام

وتفجرت القضية حين أعلن عبد الله بوانو رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية يوم الخميس الماضي خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية داخل مجلس النواب، أن وزير الصحة منح لوزير آخر (سعد برادة) صفقة لاستيراد دواء كلوريد البوتاسيوم، بشكل استثنائي.

وقال بوانو في كلمته “لم نعد أمام وزارة الصحة بل أمام وزارة الصفقات التي تتم خارج القانون، حيث أبرم وزير الصحة صفقة جديدة حول دواء معين لصالح شركة وزير في الحكومة، تشتغل في المواد الصيدلية واستوردنا هذا الدواء من الصين، وعندما تم توزيعه تم سحبه مجددا من المستشفيات بحجة أن لغته الصينية غير مفهوم، علما أنهم يبيعونه بالثمن الذي يريدون”.

هذا الإعلان أثار نقاشا واسعا داخل البرلمان وخارجه، وتحول إلى قضية رأي عام، وهو ما دفع وزارة الصحة إلى إصدار بلاغ بعد ساعات، تحول بدوره إلى محط انتقادات، حيث لم ينف استفادة الوزير من الصفقة، وإنما سار في اتجاه تبرير استيراد دواء كلوريد البوتاسيوم بالندرة في السوق الوطنية، وأشار إلى أن الترخيص لهذا الاستيراد مؤقت وهم عدة شركات، بصورة استثنائية ووفق شروط صارمة.

الانتقادات التي طالت بلاغ الوزارة من عدة جهات، ومن بينها بوانو المعني الأول به، إلى جانب المعطيات التي جرى تداولها بشكل واسع على أنها تورط مباشر في تضارب المصالح بين وزيرين، دفعت وزير الصحة إلى استعمال المادة 133 من النظام الداخلي لمجلس النواب لأول مرة، وطلب عقد اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية في الموضوع، في حين اعتبرت المعارضة أن الرد الحقيقي ينبغي أن يكون عبر لجنة لتقصي الحقائق.

لجنة لتقصي الحقائق ودخول النيابة العامة

خلال الأيام الفاصلة بين طلب وزير الصحة عقد الاجتماع البرلماني وانعقاده الفعلي، عملت المعارضة البرلمانية على الحشد من أجل النجاح في تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول شبهات الفساد في صفقات الأدوية، ومختلف الاختلالات التي تحيط بهذا القطاع والتي كانت محط انتقادات من طرف مؤسسات دستورية ومن طرف الحكومة نفسها.

مشروع طلب تشكيل لجنة للتقصي، والذي توصل موقع “لكم” بنسخة منه، يوضح أن الهدف من اللجنة هو استجلاء الحقيقة حول ما أثير من شبهات في هذه الصفقات لترتيب الآثار الضرورية في حال ثبوتها، إلى جانب التقصي حول تنظيم سوق الأدوية وتوزيعها ودعمها، وما ارتبط بسلامتها ومشروعيتها، وبمعاييرها وشروط تقديمها، وبالمستفيدين منها، ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة اجتماعياً واقتصاديا وماليا، ومدى آثارها على ضمان الأمن الدوائي للمغرب.

هذه المساعي لتشكيل لجنة للتقصي، لم تصل إلى مستوى اختبار قدرة المعارضة على حشد ثلثي أعضاء مجلس النواب، بعد دخول القضاء على الخط، فبفتح النيابة العامة تحقيقا في الموضوع انغلقت في وجه البرلمانيين طريق تشكيل اللجنة، حيث يمنع الفصل 67 من الدستور تشكيل لجنة للتقصي في موضوع بين يدي القضاء، كما أن دخول القضاء على الخط، يحد بشكل كبير من إمكانيات النقاش العمومي، احتراما لهذه السلطة. وقد انتقد بوانو هذا الأمر، واعتبر أن على القضاء احترام البرلمان، متشبثا بأن هذا الموضع يتطلب التقصي البرلماني، لا تحقيقا قضائيا، قد لا تُعرف نتائجه.

معطيات جديدة في اجتماع اللجنة البرلمانية

خلال انعقاد اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب أمس الأربعاء، بحضور وزير الصحة ومدير الوكالة المغربية للأدوية، كشف رئيس المجموعة النيابية للبيجيدي عن معطيات جديدة، منها أنه وخلال سنة 2025 نصف طلبات العروض المفتوحة التي أطلقتها وزارة الصحة كانت غير مجدية، أي إنها فشلت في استلام أي عروض، وذلك بسبب الشروط المجحفة الموضوعة في هذه الطلبات.

هذا الفشل، حسب بوانو، يعطي للوزارة الحق في أن تلجأ مباشرة إلى مسطرة الترخيص الاستثنائي لاستيراد الأدوية، كما حدث مع دواء “كلوريد البوتاسيوم”، وهو ما يفتح المجال للتلاعبات والفساد وتضارب المصالح. واستعرض أن 13 دواء فيها خصاص سيتم اللجوء فيها لهذه المسطرة، إن لم يكن قد تم اللجوء لها بالفعل. وأوضح أن الوزارة ووكالة الأدوية تكون على علم بهذا الخصاص قبل 6 أشهر، وهناك محظوظون يحصلون على المعلومة، ويقومون بإعداد ملف بسيط للحصول على ترخيص استثنائي.

كما كشف بوانو أن شركة “فارما بروم” التي فازت بالصفقة والتي كان يترأسها الوزير قبل أن يتنحى عن الرئاسة بسبب مسؤوليتها الحكومية، يترأسها اليوم شقيقه حسن برادة، كما أن زوجة الوزير وأبناؤه مساهمون فيها.

هذه الشركة المحسوبة على وزير التربية الوطنية، فازت في سنة 2024 على صفقات بقيمة حوالي 8 ملايير درهم مع المستشفيات الجامعية، ولم تحصل على أي صفقة مع الوزارة، وفي سنة 2025 حصلت على صفقات بـ32 مليون درهم مع الوزارة، وبقيمة 50 مليون دهم المستشفيات الجامعية.

وزير الصحة يدافع عن نفسه

في معرض دفاعه عن صفقات وزارته، قال وزير الصحة أمين التهراوي، خلال الاجتماع، إن الوزارة تعقد الصفقات مع الشركات لا مع الأشخاص الذاتيين، وأكد أن جميع عمليات اقتناء الأدوية تتم حصرياً في إطار القانون، وتخضع لمنظومة الصفقات العمومية ومرسوم يحدد بدقة قواعد المنافسة وشروط المشاركة ومساطر الترشح ومبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.

وأوضح أن صفقة تزويد السوق بالبوتاسيوم (التي فازت بها الشركة المحسوبة على الوزير برادة)، أُسندت لشركة محلية منتجة، وفي إطار طلب عروض صارم، وليس لشركة مستوردة ذات ترخيص مؤقت كما ادعى ذلك عبد الله بوانو رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية.

وطالب الوزير بتقديم أي دليل على أن الإدارة لم تحترم القانون في إحدى الصفقات، أو أن الوزير تدخل بنفسه لمنح صفقة ما لجهة ما أو أنه خرق القانون، معتبرا أنه لا يمكن الحديث عن تضارب مصالح دون دليل وهناك هيئات رقابية.

وأشار التهراوي إلى أن وزير الصحة لم تعد له علاقة بالتراخيص الاستثنائية فهي من اختصاص وكالة الأدوية، وما يهم الوزارة هو توفر الدواء ووصوله للمواطن، وحذر من أن الحديث عن تضارب المصالح دون دليل يمس بمصداقية المؤسسات.

وأشار إلى أن التراخيص الاستثنائية لا تعني إعطاء الصفقة مباشرة لشركة ما، بل يأتي بعدما لا يتقدم أحد لطلب العروض، ويكون هناك خصاص، والشركات بحكم معرفتها بالسوق أكثر من الوزارة والوكالة فهي تعرف الخصاص الموجود في الأدوية وتعد نفسها لتقديم طلب الحصول على رخصة استثنائية.

وبخصوص صفقة “البوتاسيوم” أشار الوزير إلى أن الشركة المحلية التي كانت تزود السوق بهذا الدواء قامت بإصلاحات، ولم تستوف بعد المعايير لتجديد ترخيصها، وفي نفس الوقت شرعت شركة أخرى في الإنتاج (شركة برادة)، فلجأت لها الوزارة، وحين تستوفي الشركة الأولى المعايير، ستحصل على الترخيص، وسيصير للسوق مزودان، وسيتم تحقيق السيادة الدوائية.

غياب إطار قانوني لتنازع المصالح

الجدل الذي أثارته صفقات الأدوية، أعاد لواجهة النقاش غياب قانون لتجريم تضارب المصالح رغم تنصيص الدستور عليه، ووجود مسودة مشروع قانون حوله، ما يجعله الشبهات ذات الصلة خارج المحاسبة.

وسبق لهيئة النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن طالبت بإخراج هذا القانون. ونبهت في تقرير حول الموضوع، إلى محدودية الحالات المرصودة لتنازع المصالح، ليس لعدم وجود الظاهرة، بل بسبب العجـز عـن اسـتيعاب تمظهراتـها في غيـاب تحديـد قانوني للمفاهيـم المتعلـق بـها، وكـذا لقـدرة هـذا السـلوك الانحرافي عـلى الاختفـاء واسـتعصائه علـى الضبـط والتطويـق، في غيـاب آليـات قانونيـة ومؤسسـاتية ملائمة وناجعـة لمحاصرتـه.

وفي ظل التحايل على القانون بتفويت شركات المسؤولين لمقربين، أكدت هيئة النزاهة على أن التأطير القانوني لتضارب المصالح ينبغي أن يوسع الفئــات الخاضعـة، باعتـمـاد المفهــوم الواســع للموظــف العمومــي، مــع إدراج أطــراف أخــرى مرتبطـة بـه بعلاقـات مختلفـة كالقرابـة أو الصداقـة أو العمـل، أو الارتبـاط بكيانـات معينـة تجاريـة أو سياسـية أو غيرهـا.

المصدر