ARTICLE AD BOX
نشر بلال التليدي، ناشط ضمن تيار الإسلام السياسي المغربي ومنتمي لحزب “العدالة والتنمية“، مقالا بجريدة أجنبية هي “القدس العربي“ ـ المنبر ذي التوجه الإيديولوجي القومي / الإسلامي ـ والتابع منذ 2013 لإمارة قطر، المقال بعنوان “هل توظّف إسرائيل الورقة الأمازيغية لدعم الانفصال في المغرب“ ؟، وهو مقال جاء بعد أيام قليلة من نشر مقال شبيه على الـ“فيسبوك“ من طرف إعلامي معارض ينتمي لنفس الحساسية الإيديولوجية هو سليمان الريسوني. يتفق المقالان معا على نفس الفكرة: أن الأمازيغية “ورقة“ تستغلها إسرائيل لتقسيم المغرب وضرب سيادة الدولة، ولهذا يحملان أربع خصائص مشتركة:
آراء أخرى
1) نزعة الحسم المطلق المنافي للعلم والموضوعية، والهدف ليس فقط هو الإقناع بأن الأمازيغية “ورقة“ في مؤامرة أجنبية، بل التشكيك في الأمازيغية نفسها والسكوت عن أنها سياسة رسمية للدولة المغربية، والمكون الأصلي الجوهري لهوية البلاد.
2) التعسف في تأويل النصوص والمواقف عبر الخلط بين مواقف الحركة الأمازيغية ونوايا باحثين إسرائيليين، بشكل خال من النزاهة الفكرية.
3) نفحة انتقامية ضدّ الحركة الأمازيغية المغربية ونشطائها باعتبارهم متورطين في مخطط أجنبي للتقسيم ومشاركين فيه.
4) تقديم معطيات غير صحيحة ولا أساس لها من باب الإشاعة الهادفة إلى التهويل، كمثل زعم الريسوني بوجود مركز يُدعى “المركز الإسرائيلي للدراسات الأمازيغية“ بحيفا منذ 2003، وهو مؤسسة لم نجد لها أثرا في أي مرجع أو وثيقة كما سنبين.
5) استعمال مفرط ومبالغ فيه لعبارات التهويل والتخويف بغرض الإثارة والتحريض. فقد ورد في مقال بلال التليدي: “توصيات صادمة ومخيفة“ / “أطروحة انفصالية خطيرة تهدد كيان الدولة المغربية وسيادتها“ / “الأمر لا يتعلق فقط بتشجيع نزعات الانفصال وتهديد التساكن بين المكونات المتعايشة في المغرب، بل يتعلق برهان سياسي توسعي صهيوني“ / “الأطروحة الخطيرة التي تهدد استحقاقاتها الأمن والاستقرار بالمغرب“ / “ ولا ينبغي من اليوم الاستهانة بمخاطر تحركات الحركة الأمازيغية المتطرفة في المنطقة“. إلخ..
وهو نفس الأسلوب الذي اعتمده سليمان الريسوني عندما كتب “ تفاصيل خطيرة جدا“ / “ قنبلة موقوتة زرعتها وزارة الخارجية الإسرائيلية في قلب الهوية المغربية“، “ بين عامي 2005 و2008، عمل المركز سرا على ترجمة 4700 وثيقة و15 كتاباً فرنسياً عن الأمازيغ“ والمقصود هنا المركز الخيالي الذي لا وجود له على أرض الواقع، ولم نجد له أثرا في أي مرجع أو مصدر حتى الآن، كما لا نجد أثرا لكل هذا المجهود العلمي المذكور، والذي لم يقدم لنا سليمان الريسوني أي دليل علمي أو معطيات واضحة حوله. وقد طرحنا السؤال على الذكاء الاصطناعي فكان جوابه: “ما يُتداول منذ سنوات حول وجود “المركز الإسرائيلي للدراسات الأمازيغية“ الذي تأسس سنة 2003 في حيفا أو تل أبيب، لا يستند – فيما يظهر من المصادر المتاحة – إلى أي وثائق أكاديمية أو مؤسساتية موثوقة يمكن التحقق منها“. وقدم الذكاء الاصطناعي ثلاث ملاحظات أهمها الملاحظة التالية: “غياب الأثر المؤسسي، حيث لو كان هناك مركز أكاديمي بهذا الاسم منذ 2003، لكان من المفترض أن نجد له موقعًا رسميًا، أو منشورات علمية، أو مؤتمرات موثقة، أو ارتباطًا بإحدى الجامعات الإسرائيلية المعروفة“.
والأهم أن الذكاء الاصطناعي يضيف “بكل ذكاء“ العبارة التالية: “ويبدو أن هذا الادعاء انتشر أساساً في سياق السجالات الإيديولوجية حول الهوية الأمازيغية، حيث استُخدم أحياناً لربط الحركة الأمازيغية بإسرائيل أو بالخارج دون تقديم أدلة موثقة“.
ويضيف سليمان الريسوني لا فضّ فوه:” أُطلق برنامج لتجنيد نشطاء رقميين. وتلقى اثنا عشر شاباً مغربياً تدريباً في حيفا لمدة ستة أشهر“ (كذا)، من هم هؤلاء الشباب المغاربة، ما هي أسماؤهم ؟ وهل هم مناضلون داخل الحركة الأمازيغية ؟ إذا كان الامر كذلك فماهي التنظيمات التي ينتمون إليها ؟ وكيف أعمل في مجال الأمازيغية منذ 46 سنة دون أن أعرف عنهم لا أنا ولا غيري من قياديي الحركة الأمازيغية أي شيء ؟ طبعا لعبة “سري جدا جدا“ المعتادة تبقى هي الملاذ الأخير لهؤلاء، ولكننا نسألهم: إذا كان هذا “مخططا سريا“ فكيف عرفتم بوجوده ؟ ما الذي أعطاكم هذا الامتياز؟.
ويضيف الريسوني قائلا: “في سنة 2006 عُقد المؤتمر الدولي الأول للدراسات الأمازيغية في تل أبيب، بحضور سبعة وثلاثين باحثًا من أوروبا والولايات المتحدة“. لماذا باحثون من أوروبا والولايات المتحدة تحديدا وأين هم الأمازيغ المختصون في لغتهم ببلدان شمال افريقيا ؟ طرحت السؤال على الذكاء الاصطناعي حول هذا المؤتمر فكان الجواب كالتالي:” لم يُعقد أي “مؤتمر دولي أول للدراسات الأمازيغية“ في تل أبيب. الأخبار التي تم تداولها في هذا الشأن غير دقيقة، وكل المؤتمرات الدولية الأكاديمية الكبرى للدراسات الأمازيغية تُعقد عادةً في دول شمال إفريقيا (مثل المغرب والجزائر) أو في الدول الأوروبية (مثل فرنسا وألمانيا)”. ويمكن للقارئ الكريم أن يقوم بنفسه بهذا التمرين ليتبين حقيقة الأمر.
والغريب أن سليمان هذا انعطف في مقاله بمكر ظاهر للحديث عن المواقع والمنصات المعادية للدين الإسلامي (والتي اعتبرها كلها من صنع إسرائيل) كما لو أنها مرتبطة بالحركة الأمازيغية، بينما يعرف الجميع بأن الحركة الأمازيغية باعتبارها حركة علمانية لا تطعن في الأديان، وتحترمها جميعها باعتبارها معتقدات للأفراد والشعوب، وتتحدث عن “الإسلام الأمازيغي“ الوسطي والمعتدل المخالف للإسلام “الإخواني“ و“السلفي“، ولكنها ترفض رفضا باتا أي توظيف سياسي للدين أو أي استعمال له في المسّ بحقوق الإنسان، ومنها الحقوق الثقافية واللغوية للمغاربة. فالتمييز بين الدين وتوظيفاته الإيديولوجية أمر أساسي بالنسبة لنا.
والطريف جدا أن الريسوني وضع مراحل محدّدة للمخطط الإسرائيلي بشأن الأمازيغية في تجاهل تام للسياق الوطني المغربي، على الشكل التالي:
“تطورت الاستراتيجية عبر أربع مراحل منهجية:
من 2009 إلى 2012: ترسيخ الهوية الأمازيغية ككيان منفصل.
من 2013 إلى 2016: ربط هذه الهوية بقيم التسامح والانفتاح كبديل عن “الإسلام العربي المتطرف“.
من 2017 إلى 2020: الترويج للإلحاد الجديد كقناع لهوية “متحررة“.
من 2021 إلى 2024: هجوم مباشر على المعتقد الديني نفسه تحت شعار حرية الفكر الجذاب“. (كذا !)
لكن الريسوني لم يتحلّ بالنزاهة الكافية ـ بسبب العمى الإيديولوجي الذي يصيب عادة المعارضين الراديكاليين ـ لكي يخبر مواطنيه المغاربة بأن الفترات التي يتحدث عنها هي تلك التي شرعنا فيها بإرادة الدولة المغربية في تفعيل الاعتراف السياسي والدستوري الرسمي باللغة والثقافة الأمازيغيتين، وأن هذا البرنامج فتح أوراشا كبيرة يتم فيها الاشتغال على الأمازيغية في إطار تصور وطني موجود في مرجعيات الدولة، وليس باعتبار الأمازيغية “كيانا منفصلا“، فالدولة المغربية أعلنت في دستورها لغتين رسميتين باعتبارهما لغتي مؤسسات في المغرب، و“إرثا لكل المغاربة بدون استثناء“. وهذا هو القرار الذي ينبغي التعريف به وليس المخططات “السرية جدا جدا“ والتي لا يعرفها إلا سليمان الريسوني.
والغريب أن تتحول “قيم التسامح والحرية“ في الثقافة الأمازيغية إلى مؤامرة بدورها ضدّ “الإسلام العربي المتطرف“، فما نعرفه هو أن التطرف لا دين له ولا عرق، وأن السلطات المغربية أول من يحارب التطرف الديني عبر تفكيك الخلايا وتجفيف ينابيع الإرهاب وإبعاد الخطباء “الدواعش“، كما لم يسبق لنا أن اعتبرنا التطرف الديني “عربيا“ لأنه أفغاني وإيراني وباكستاني ونيجيري أيضا، وأول من تضرّر من التدين الإرهابي العرب أنفسهم، كما أن من كبار المتطرفين الدينيين بالمغرب مواطنون أمازيغ.
ونفس الشيء يقال عن الترويج “للإلحاد الجديد“ و“الهجوم المباشر على المعتقد الديني“، وهي عبارات تدلّ على مقدار التخبط والخبل الذي أصاب الكاتب الذي لا يعرف أنه يتحدث عن ظواهر مختلفة لا رابط بينها، ولا علاقة لها بالأمازيغية، وأن وراءها تيارات شبابية عالمية لا تعدّ ولا تُحصى، كما أنها ظواهر بحاجة إلى روية وإعمال نظر وليس إلى عقلية وهوس المؤامرة. ويمكن للقارئ بهذا الصدد أن يطلع على مقالاتنا حول تحليل ظاهرة الإلحاد والسخرية من الأديان في الأوساط الشبابية ببلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وأسبابها الحقيقية.
ويتضح الوجه الإسلاموي والقومي العربي الإقصائي فيما كتبه سليمان الريسوني في العبارات النزقية التالية:” تسعى إسرائيل إلى فصل المغرب عن جسد العالم العربي لجعله نموذجا مغاربيا مستقلا عن العالم العربي، يوجه علاقاته وحروبه وقراراته بعيدا عن القضايا الكبرى التي تهم 500 مليون عربي“. ولا أدري من أين جاء الكاتب بهذا العدد الضخم من السكان “العرب“، وكيف حدد هويتهم بنفسه، وأين وضع الأمازيغ والكرد والأقباط والأشوريين والزنوج وكل المكونات اللغوية والثقافية لبلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط التي هي الأغلبية الساحقة من السكان، وكيف تغاضى عن أن سياسة المغرب الخارجية في علاقته بدول الجوار المغاربي ودول الشرق الأوسط تعدّ سياسة متوازنة لا تزج بالمغرب في أتون الصراعات المسلحة، كما تعتمد سياسة حذرة تجاه دول ما يسمى محور المقاومة“ التابع لإيران، التي قطع المغرب علاقاته معها معتبرا إياها دولة معادية بحكم سعيها إلى تقسيم بلدنا بتحالف مع الجزائر.
فلنقم بوضع هذه العبارات وغيرها مما ورد في المقالين المشار إليهما على محك النظر النقدي، مع الانتهاء إلى الكشف عن الخلفيات الحقيقية المحركة لهذه المواقف التي أصبحت تطفو على سطح شبكات التواصل الاجتماعي مؤخرا، مع إبراز أهدافها الحقيقية.
وقبل ذلك وجب التأكيد أولا على أن هذين المقالين (الريسوني والتليدي) قد جاءا متأخرين بما يقرب من 25 سنة، لأن الهدف الرئيسي لخطاب “الورقة الأمازيغية ومخطط التقسيم“ ـ والذي هو خطاب قديم ـ إنما كان أكذوبة الهدف منها الحيلولة دون الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين في مرجعيات الدولة وسياساتها، والحال أن هذا الاعتراف قد تحقق وعلى أعلى مستوى، وانتصر الخطاب الأمازيغي انتصارا ساحقا على مناوئيه من القوميين العرب والإسلاميين، مما جعل الحديث عن “مخطط خارجي للتقسيم“ مجرد حالة شرود خطابية، تكشف في الواقع عن رد فعل نفسي تجاه ثلاثة أحداث، سنبينها في نهاية المقال.
انطلق التليدي من أن “الأوراق المختلفة التي تصدرها مستودعات التفكير الأمريكية والإسرائيلية تعطي صورة عن موقع المسألة اللغوية والإثنية في السياسات الموجهة للقرار السياسي، فواشنطن وتل أبيب تعتبران الحقوق اللغوية والثقافية للأقليات بؤرة التوتر والتناقض التي ينبغي التحكم فيها للضغط على كثير من النظم لتحقيق مصالحها الاستراتيجية“. وهذا كلام صحيح لكنه بصيغة “ويل للمصلين“، لأن صاحب المقال الذي ينتمي إلى الحركة الإسلامية لا يجرؤ على القول بأن أمريكا وإسرائيل تعتمدان أيضا وبنسبة عظمى على الحركات الدينية السياسية والمجموعات الطائفية المسلحة في تفكيك دول الشرق الأوسط، بل أكثر من ذلك ظهر مفعول مخطط التقسيم في المجموعات الدينية التي تسببت في خراب شامل بالمنطقة، ويكفي التذكير بأن “الحوثيين“ في اليمن و“جبهة النصرة“ في سوريا و“داعش“ في العراق و“الإخوان“ ومليشياتهم في ليبيا و“حزب الله“ في لبنان، و“أنصار الشريعة“ في منطقة الساحل، والتي تتصدر جميعها مشاهد الخراب، ليست مجموعات إثنية ولا لغوية، بل مجموعات دينية اعتمدت التطرف العنيف خطابا وممارسة وظهر أثرها على الواقع بشكل لا يقبل الشك ولا الحديث عن مراكز سرية ولا مؤتمرات.
بل أكثر من ذلك فأخطر مخطط لتقسيم بلدان الشرق الأوسط نظّر له برنار لويس وآخرون وصفوا احتمالات التفكك التي قد تنتج عن التناقضات الداخلية في المنطقة، معتبرين عاملين أساسين هما الطائفية الدينية من جهة والاختلافات الإثنية والعرقية من جهة أخرى، ولا أدري لماذا لم ير صاحب المقال في مؤامرات القوى الخارجية إلا الجانب الثاني عوض الأول المتحقق واقعيا.
وما أكد هذا المخطط الفعلي هو ما حدث سنة 2011، عندما سعت أمريكا بتحالف مع دويلة قطر (حاضنة “الإخوان المسلمين“)، لإسقاط أنظمة المنطقة وحمل “الإخوان“ إلى عرش السلطة والحكم، ولولا يقظة شعوب المنطقة لما فشل ذلك المخطط الرهيب، الذي لم يعتمد مجموعات“ لغوية إثنية“، ولا استعمل الأمازيغية، بل استعمل تيار الإسلام السياسي. فكان على صاحب المقال حرصا على قدر من الموضوعية أن يميز بين مخطط التقسيم “غير الفعال“ حتى الآن، وهو الورقة الأمازيغية ببلدان شمال إفريقيا، ومخطط التقسيم الناجح بامتياز، وهو ورقة الإسلام السياسي والطوائف الدينية والخلايا النائمة واليقظة.
ومن باب التذكير أن نشير إلى أن قناة “الجزيرة“ القطرية هي أول منبر إعلامي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط خصّص منذ إنشائه سنة 1996 برامج بكاملها للقضية الأمازيغية بالمغرب، قبل كل القنوات المغربية نفسها، ولم نكن نعلم آنذاك عندما كنا نشارك بكل حماس في تلك البرامج التي تعد بالعشرات، بأن مهمة القناة هي نفس ما نسبه صاحب المقال لمراكز البحث الإسرائيلية: استعمال القضايا اللغوية والإثنية من أجل إثارة الشقاق بين أبناء البلد الواحد، لكن مخطط “الجزيرة“ سقط في الماء لأننا لم نكن أبدا نستعمل وسائل الإعلام الأجنبية من أجل الإضرار بالمصالح الوطنية أو إضعاف الدولة المغربية، لم نكن نتجاوز طرح مطالبنا الديمقراطية والدفاع عنها، ونقد الإيديولوجيات الأجنبية المناوئة كالقومية العربية والإسلام السياسي، ولم نتحدث أبدا في يوم ما لقناة “الجزيرة“ عن أن المغاربة منقسمون إلى “أمازيغ وعرب“، كنا دائما نتحدث عن أمازيغية لكل المغاربة، كما هو شأن العربية وكل اللغات الأخرى.
وما دام صاحب المقال قد تحدث عن “مراكز التفكير الأمريكية والإسرائيلية“ التي تقوم بدراسات جهنمية بغرض التقسيم، والتي “تتجاوز خلاصاتها المعطيات العلمية إلى تقديم توصيات إلى صناع القرار السياسي، وكيف ينبغي أن تكون سياساتهم تجاه المسألة الأمازيغية“، فنتساءل ـ ونحن نعلم بوجود هذه الدراسات بالفعل، وإن لم نكن مطلعين على التقارير المخابراتية، نتساءل إن لم يكن حريا به أن يتحدث أيضا بالمقابل ـ من منطلق الموضوعية العلمية ـ عن الدراسات التي أنجزت طوال العقود السابقة في إطار مراكز البحث التابعة للإخوان المسلمين، ولقطر ولإيران، والتي كان الهدف الرئيسي منها هو معرفة وتحليل الواقع في المنطقة من أجل السيطرة والهيمنة الاستراتيجية، التي أضرّت ببلدان عديدة إضرارا خطيرا واقعيا وليس متخيلا أو مفترضا، وكاد لهبُها أن يصل إلينا لولا يقظة الدولة والمجتمع. فلسبب موضوعي هو تواجد عصابة “الحوثيين“ في اليمن “غير السعيد“ مثلا، لا وجود لدولة اليمن ولا لجيشها الوطني، كما لا تستطيع حتى الآن تصدير أي شيء من خيراتها، وهو مثال حيّ على نتائج دراسات مراكز “الحرس الثوري“ الإيراني. وبالمناسبة ليست عصابة “الحوثي“ حركة “لغوية أو ثقافية“ بل طائفة دينية مسلحة عميلة لنظام أجنبي هو إيران، كما هو شأن “زzب الله“ العميل في لبنان تماما.
فلا أحد يقول بأن الدراسات العلمية التي تقوم بها مراكز بحث أمريكية وإسرائيلية حول منطقتنا هي دراسات “علمية محضة“ بدون خلفيات وأهداف سياسية، لكن مواجهتها لا يكون بأسلوب كاتب المقال، بل بما نقترحه في نهاية تعقيبنا هذا.
وقد ركز كاتب المقال على الباحث الإسرائيلي “مادي بريس وايزمان“، الأستاذ بجامعة تكساس الأمريكية والباحث بمعهد “موشي دايان“، الذي أصدر كتاب “هوية الحركة الأمازيغية، تحديات دول شمال إفريقيا“ سنة (2011)، والذي اعتبره صاحب المقال أنه يسعى إلى للتأسيس لـ“أطروحة انفصالية خطيرة تهدّد كيان الدولة المغربية وسيادتها“، فلنفحص أدلة الكاتب على ما يقول من خلال إحالته على كتابات وايزمان:
يبدأ الكاتب بهدف الكيد للحركة الأمازيغية وفاعليها بالقول: “مناسبة الحديث عن هذه الأطروحة الخطيرة التي تهدد استحقاقاتها الأمن والاستقرار بالمغرب، أن عددا من نشطاء الحركة الأمازيغية، يعتبرون بريس مادي وايزمان مرجعا ملهما للحركة الأمازيغية، بل ويعتبرونه متحدثا أكاديميا يختصر تطلعاتهم، ويعفيهم من التعبير المكلف عن مواقفهم المضمرة“، وهو تعبير علاوة على ما فيه من تجني، ينطوي على خبث إيديولوجي كبير. لأن الحقيقة أن نشطاء الحركة الأمازيغية يعتبرون البحث الذي أنجزه وايزمان بحثا موضوعيا نقل بأمانة ما أخذه عنهم، ولكنهم لا يعتبرونه “ملهما“، لأنهم الذين قدموا له جميع المعطيات خلال البحث الذي قام به بالمغرب من خلال مقابلات كثيرة سجلها معهم، وهذا معناه أن مواقف الحركة الأمازيغية موجودة عقودا طويلة قبل مجيء وايزمان وليس هو من “ألهمها“ لهم، وكان على صاحب المقال المؤدلج أن يحرص على انتقاء عباراته بهدف الحفاظ على قدر من الموضوعية، مع تجنب الرغبة في الكيد والدسّ، فقد استقبلتُ بنفسي الباحث وايزمان مرتين خلال إنجازه لبحثه وأجبت بوضوح على جميع أسئلته كما نفعل سنويا مع عشرات الباحثين من مختلف دول العالم، والذين يهتمون بمطالبنا وأنشطتنا، ولم أجد فيما نشره أي تحريف لما أخبرناه به، فما كان ينبغي أن يكتبه صاحب المقال هو التالي :” يعتبر نشطاء الحركة الأمازيغية البحث الذي قام به ويزمان بحثا علميا موضوعيا عكس بأمانة مواقفهم وآراءهم واختصر تطلعاتهم“، وليس أنهم يعتبرونه “مرجعا ملهما“، لأنه لم “يلهمنا“ أي شيء، فقد قمنا ببناء خطابنا عقودا قبل حتى أن نعرف بوجوده. وإنما تكمن أهمية الكتاب الذي أصدره بالولايات المتحدة في أنه شمل عدة دول مغاربية، ولم ينحصر كما هو شأن معظم الأطروحات والدراسات على حالة محددة أو بلد بعينه.
ومن باب الأمانة كذلك، كان على كاتب المقال أن ينبه القارئ إلى الفارق بين دراسة علمية ميدانية قام بها الباحث الإسرائيلي، وبين التقارير المخابراتية التي يكتبها لرؤسائه على ضوء ما انتهى إليه، إذ هناك فرق كبير بين الأمرين، فالمعطى العلمي قابل للتوظيف السياسي، لكن ذلك التوظيف لا يعني أن المعطى العلمي غير صحيح. وهذا نقاش أثرناه مرارا حول الدراسات الاستعمارية، التي تتضمن معطيات ثمينة جدا من الناحية العلمية، لكن البعض بغرض الالتفاف عليها يُصدر حولها أحكاما معيارية سطحية فيقع في الخلط دون تمييز.
فالورطة التي وقع فيها صاحب المقال أنه اعتمد فكرة “التقسيم“ كمنطلق للحديث عن “الورقة الأمازيغية“ في المختبر الإسرائيلي، لكن جميع ما قدمه من نصوص إنما تعني أن الكاتب الإسرائيلي يبحث عن حركة تساهم في تسهيل التقارب بين المغرب وإسرائيل وليس “تقسيم المغرب“ أو المسّ بسيادته، وذلك اعتبارا لكون هذه الحركة في خلاف مع التيارين القومي العربي والإسلامي. بينما التقارب كان موجودا أصلا في سياسة الدولة المغربية منذ عقود ولا علاقة للأمر لا بالأمازيغية ولا بحركتها.
لكن صاحب المقال يبلغ ذروة الإساءة إلى الفاعلين الأمازيغيين عن قصد واضح، عندما كتب العبارة التالية حول موقف النشطاء الأمازيغيين من كتاب ويزمان:” بل ويعتبرونه متحدثا أكاديميا يختصر تطلعاتهم، ويعفيهم من التعبير المكلف عن مواقفهم المضمرة“، ما هي المواقف المضمرة المقصودة ؟ وكيف عرفها الكاتب بينما هي “مضمرة“ وغير ظاهرة، إنه التخمين والرجم بالغيب، ومحاكمة النوايا، مع الكثير من الرغبة في الإساءة، وهو أسلوب بعيد كليا عن الأمانة، فما لا يعرفه الكاتب الذي يبدو أنه غير مطلع على أدبيات ومذكرات وكتب ووثائق الحركة الأمازيغية، هو أن كل ما أشار إليه الباحث الإسرائيلي على أنه مواقف للحركة الأمازيغية (ولا يوجد فيها ما يتعلق بتقسيم المغرب أو المسّ بوحدته) مدون في نصوص مكتوبة ومنشورة، بل وفي مذكرات موجهة إلى الدولة المغربية ومؤسساتها، وليست وثائق سرية. كما يبدو واضحا أن الكاتب وهو يلوي عنق العبارات ويتعسف في التأويلات أنه يسعى إلى إرضاء المنبر الأجنبي الذي يكتب فيه.
كتب صاحب المقال يقول وهو بمعرض الحديث عن تقارير الباحث الإسرائيلي: “التأسيس لرهان سياسي للحركة الأمازيغية، يناقض هوية الدولة، وهوية كل التيارات التي تتقاطع معها كلا أو جزءا، والسعي في طريق تحقيق الانفصال أو على الأقل المطالبة بالحكم الذاتي“. ويبدو الارتباك واضحا في الجمل التي قام بصياغتها كاتب المقال، فما هو الرهان السياسي للحركة الأمازيغية الذي يناقض هوية الدولة والتيارات التي تتقاطع معها ؟ ولماذا وضع الحكم الذاتي بجوار الانفصال كما لو أنهما يعنيان نفس الشيء، وكأن الكاتب لا يعلم بأن الحركة الأمازيغية تأسست وأقامت خطابها على نقد الخطاب الرسمي حول الهوية باعتباره خطابا اختزاليا قائما على “العروبة والإسلام“ لا غير، وأن التيارات التي كانت تدور في فلك هذه الأطروحة الإقصائية مثل تيار القومية العربية والإسلام السياسي كانت أيضا إقصائية وغير ديمقراطية في مفهومها للهوية، فقد اختزل القوميون الهوية في “العروبة“، بينما اختزلها الإسلاميون في الدين الإسلامي، وأنكر التياران معا ولمدة طويلة كل مظاهر التعددية في اللغة والدين والثقافة، إلى أن داهمتهم التحولات المتلاحقة فاكتشفوا بأن خطاباتهم صارت من مظاهر أزمة الدولة المركزية، وأنها لا تجيب على الأسئلة الجديدة التي عكسها الواقع المغربي. وقد بادرت الدولة بإصلاح أطروحتها والاستجابة لمطالبنا الديمقراطية، بينما ظلت فلول التيارين تجرّ معها مفاهيم متهالكة وخطابات متقادمة.
فالعطب في فكرة الباحث الإسرائيلي والذي وقع فيه كاتب المقال أيضا هو تجاهل التصحيح الرسمي الذي قامت به الدولة المغربية منذ سنة 2001، والسكوت عن انتصار الخطاب الأمازيغي الذي تأكدت مفاهيمه وأطروحته دستوريا وسياسيا بعد ذلك.
وإذا كان وايزمان قد انتبه إلى الصراع والتصادم الموجودين بين الحركة الأمازيغية والحركتين القومية والإسلامية، وهي أمور شرحناها له بتفصيل، مع سياقاتها ونماذج واضحة منها، فقد كان على كاتب المقال أن يدرك خلفيات ذلك الصراع وطنيا وليس أن يراه بمنظور الأجنبي، إذ يبدو كاتب المقال غير راض على التحولات التي نقلت الأمازيغية من هامش النسيان إلى مركز العمل المؤسساتي الرسمي، وكان هذا سبب استمرار تحامله القديم على فاعلين طالبوا بحقوقهم بأسلوب حضاري وترافعوا حولها بشكل سلمي وخطاب عقلاني، فكأن الكاتب كتب مقاله فيما قبل سنة 2001.
ومن العبارات الملغومة التي أوردها الكاتب والتي تنافي الأمانة العلمية وتدلّ على أن قصده ليس الحقيقة بل التحريض والإشاعة، قيامه بالخلط بين مواقف الحركة الأمازيغية والتوظيف السياسي لها من قبل باحث إسرائيلي، مما يوهم القارئ بأن ما يسعى إليه ذلك الباحث هو نفسه ما يطلبه الأمازيغ في حركتهم، يقول: “تتمثل الأطروحة الأساسية للأستاذ في مركز موشي ديان أن الأمازيغ هم الورقة الرابحة في التطبيع مع إسرائيل وفي إبعاد المغرب عن محيطه العربي، وحجته في ذلك، أن الأصول التاريخية للمغرب أمازيغية، وأن العرب طارئون دخلاء، وأنهم هم الذين تسببوا في توريط المغرب في صراع مع إسرائيل، بسبب أنهم أضفوا على الدولة طابعا دينيا (إمارة المؤمنين) وبسبب أنهم مرتهنون لتاريخ من الصراع مع إسرائيل، ولذلك فأفضل طريقة يمكن أن تعتمدها السياسة الصهيونية في المنطقة المغاربية برمتها، وضمنها المغرب، هو أن تعزز أطروحة الأصل «الموري للمغرب»، والهوية الأمازيغية الحصرية له، والطابع العلماني للسياسة الأمازيغية عبر التاريخ، وطروء الدين الإسلامي على تاريخ المغرب (نموذج إمارة برغواطة التي اختارت دينا آخر غير الإسلام، وقرآنا آخر غير قرآن المسلمين)”. ويبدو أن الكاتب يقوم بتصفية حساباته الشخصية مع مواطنيه من الحركة الأمازيغية باستعمال إسرائيل، فالحقائق التي يعلمها الجميع اليوم هي التالية:
ـ أن تطبيع الدولة المغربية مع إسرائيل لم يحتج مطلقا إلى الأمازيغية بل كان موجودا طوال فترة الملك الحسن الثاني عندما تم فتح مكتب إسرائيلي بالرباط، وقبله وبعده، وكانت الأمازيغية على هامش المؤسسات تعتبر من المحرمات السياسية بالمغرب عندما تطورت العلاقات بين المغرب وإسرائيل عبر عقود من التعاون الأمني والاستخباراتي السري والعلني، وعبر زيارة شخصيات قيادية في الدولة العبرية للمغرب في مناسبات رسمية، كمثل استقبال إسحاق رابين عام 1976 وزيارة شيمون بيريز في لقاء إفران (يوليو 1986)، ومؤتمر الدار البيضاء (1994) بمناسبة القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وزياراته الكثيرة المتكررة له ولنجله “نحاميا بيريز“ الذي قام بزيارة عمل إلى المغرب في نوفمبر 2022، دون ذكر الشخصيات الأخرى الكثيرة التي تعدّ من رموز دولة الاحتلال ومنها وزراء، ومسؤولون عسكريون كبار، ورؤساء للبرلمان. ولم يحدث ذلك قط تحت راية أمازيغية ولا باسمها.
ـ أن مسلسل التطبيع الحالي الذي تم التوقيع عليه سنة 2020 قد تمّ عبر قنوات كثيرة لا علاقة لها مطلقا بالأمازيغية لا من قريب ولا من بعيد، ونتحدى صاحب المقال أن يقدم لنا بتفصيل المحطات التي مر بها التطبيع الحالي الذي وقع عليه السيد سعد الدين العثماني في عهد حكومة يرأسها الحزب الذي ينتمي إليه كاتب المقال، هذا التطبيع الذي تم طبخه على نار هادئة لمدة غير يسيرة، والذي على كاتب المقال أن يطلعنا على دور الأمازيغية فيه.
ـ فيما يخص فكرة أن “العرب طارئون ودخلاء“، فالقارئ لا يعرف إن كان الأمر يتعلق بما يزعمه الباحث الإسرائيلي في تقاريره المخابراتية الموجهة للدولة التي ينتمي إليها، أم أنه من مواقف الحركة الأمازيغية، ولرفع اللبس ومن باب الأمانة فقد كان على كاتب المقال أن يضيف:” رغم أنه لا يوجد ضمن أدبيات الحركة الأمازيغية ما يشير إلى ذلك، حيث تنص مواقف الحركة وأدبياتها ومرجعياتها على أن “جميع المغاربة أمازيغ“ بحكم الأرض والموطن، وأن اللغة الأمازيغية ملك لجميع المغاربة وإرث مشترك مثل العربية تماما، وكما ينص على ذلك خطاب أجدير والدستور المغربي، ولا تمييز بين المغاربة بالأصل أو العرق الخالص“. لكن كاتب المقال لم يفعل لأن غرضه التشويش والخلط والتحريض.
ومن أدوات الخلط والتحريض الحديث عن “الحكم الذاتي“ والتضامن مع الكُرد العراقيين كما لو أنه شُبهة، فكاتب المقال لم ينتبه فيما يخص موضوع الحكم الذاتي إلى أن ما أورده الباحث الإسرائيلي موجود في بيانات ومذكرات الحركة الأمازيغية التي تقدمت بها علانية إلى الدولة المغربية، وليس “توصية صهيونية“ أو مخططا سريا، ذلك أن الإعلان الرسمي عن مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية أعاد إلى سطح النقاش العمومي مطلب الحكم الذاتي للجهات، والذي هو مطلب صميم للحركة الأمازيغية، وكذا مفهوم “الدولة الفدرالية“ الذي أثاره أيضا حزب النهج الديمقراطي غير ما مرة.
وقد كان تضامن الحركة الأمازيغية مع الكُرد أمرا بديهيا بحكم وجود ثمانية عناصر مشتركة بين وضعية الأمازيغ والكُرد، بجانب وجود فوارق بالطبع، لكن التضامن المشار إليه لم ينصّ مطلقا على ضرورة انفصال الكُرد عن الدولة العراقية أو التركية مثلا، بل كان تضامنا منبعه الإيمان بأن الإطار الديمقراطي ينبغي أن يضمّ الجميع، وأن الاضطهاد الذي تعرضوا له من طرف نظام البعث العربي الاشتراكي، والنظام العسكري التركي والسوري، لا يمكن السكوت عنه، بسبب احتقار لغتهم وثقافتهم وإنكار تاريخهم ورموزهم وتهميش مناطقهم. وبهذا الصدد يمكن الاطلاع على مقالنا في الموضوع المنشور بعنوان:” وحدة العراق، مطالب الكُرد، وموقف الحركة الأمازيغية“.
ولربما سيستغرب القراء إذا حكيت لهم عن مواقف القوميين العرب من اضطهاد الكُرد في العراق أو سوريا، حيث كانوا يقفون مع الأنظمة الاستبدادية بدون تردّد، ويعتبرون كل أشكال الإبادة التي تعرضوا لها مجرد “إشاعات مغرضة“، إلى درجة أنه عند تأسيس جمعية لحقوق الإنسان بالمغرب قبل أربعين سنة، كان من بين أعضاء مكتبها الأستاذ محمد شفيق، الذي دعا بقية الأعضاء إلى إصدار بيان استنكاري حول أحداث “حلبجة“ في العراق، والتي استعملت فيها الغازات السامة التي أودت بحياة آلاف الضحايا من الكُرد، وكانت صدمة شفيق كبيرة عندما أجمع بقية أعضاء المكتب على رفض إصدار أي بيان في الموضوع، مما أدى به إلى تقديم استقالته، معلنا بمرارة: “أدركت عندئذ بأن ما يقصدونه هو حقوق “الإنسان العربي“ وليس أي إنسان“، حدث هذا في منظمة حقوقية مغربية بينما اعتبرت المحكمة الجنائية العراقية العليا بأن هجوم “حلبجة“ إبادة جماعية بحق المواطنين الكُرد في العراق. كما أدان البرلمان الكندي الهجوم واعتبره جريمة ضدّ الإنسانية.
ـ أما عن كون العرب هم من “تسببوا في توريط المغرب في صراع مع إسرائيل بسبب أنهم أضفوا على الدولة طابعا دينيا (إمارة المؤمنين)”، فلا ندري هل يتحدث الكاتب عن تخمين الباحث الإسرائيلي أم عن رأي إمازيغن، فإذا كان يقصد فقط تخمين الباحث الإسرائيلي فهذا لا شأن لنا به، أما إن كان يقصد أن هذا ما أخذه الباحث عن الحركة الأمازيغية فلابد من التصحيح التالي: أن الحركة الأمازيغية لم تعتبر قط بأن المغرب متورط في صراع مباشر ضدّ إسرائيل، إذ ليس من بلدان “المواجهة“ ولا “محور الممانعة“ كما تسميه جريدة “القدس العربي“، والسياسة التي اعتمدتها الدولة المغربية بهذا الصدد كانت سياسة متوازنة تعتمد المساندة المبدئية لحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال في إطار الشرعية الدولية، وتساند كل “مبادرات السلام“ بما فيها تلك التي اتخذها الرئيس المصري أنور السادات والتي سماها الإعلام الرسمي المغربي آنذاك “مباردة تاريخية شجاعة“. ومن جهة أخرى يعلم الجميع ـ وكما هو موقف الحركة الأمازيغية ـ بأن “إمارة المؤمنين“ لم تجعل الدولة المغربية “دولة دينية“، بل اعتمدت منظورا حداثيا اجتهاديا في تدبير الشأن الديني والحيلولة دون أن تقوم التيارات الدينية المتشدّدة بتخريب البلد وإثارة الفتن، كما أن الدين الإسلامي في جميع الدول المغربية الأمازيغية قد تحدّد منذ القرون الأولى لاستقلال المغاربة سياسيا عن سلطة الأمويين والعباسيين، ولم يتم بمجيء العرب ولا هم من قرروه، فالممالك الأمازيغية الأولى ـ باستثناء برغواطة ـ ثم المرابطون والموحدون والمرينيون والسعديون والعلويون، كلهم اعتمدوا الدين الإسلامي بطرق مختلفة، ولم ينتظروا العرب ليفعلوا ذلك، مع توضيح أن الأمر هنا يتعلق بالأنظمة المركزية في الدول الإمبراطورية وليس بالنظم القبلية الأمازيغية التي كانت تقوم على أساليب تدبير محلية مغايرة تماما، رغم وجود الإسلام والمساجد والمدارس القرآنية. ووجب التوضيح كذلك بشأن انتقال الدولة المغربية بعد فترة الحماية إلى نموذج الدولة المركزية الحديثة، التي اعتمدت القوانين الوضعية على النمط الأوروبي (الفرنسي خاصة)، ولم تعد تعتمد الشريعة كنظام شامل، وما تبقى من القوانين ذات المرجعية الدينية ما فتئت تتعرض للمراجعات والتحيينات منذ الاستقلال ولم يتبق منها إلا النزر القليل في مجال الأحوال الشخصية، مع ترك باب المراجعات والإصلاحات القانونية مفتوحا على المستقبل إلى اليوم. ولا يخفى دور “إمارة المؤمنين“ في التحديث وإنجاح الإصلاحات القانونية والحفاظ على التوازن المطلوب بين التيارات المجتمعية المختلفة. وإذا كانت هذه المؤسسة قد نجحت حتى الآن في تحويل قوانين دينية إلى مدنية علمانية، فإنها لم تقم أبدا بالعكس، مما يفسر مناصرة الحركة الأمازيغية للدور الذي تقوم به إمارة المؤمنين عكس الحركة الإسلامية التي ما فتئت تعبر عن عدم رضاها (ويمكن بهذا الصدد الاطلاع على بيانات “حركة التوحيد والإصلاح“ و“العدل والإحسان“ ومواقف السلفيين ضد مراجعة مدونة الأسرة التي أقرها الملك بصفته “أمير المؤمنين“).
من جهة أخرى لابد من التنبيه إلى أن موقف الحركة الأمازيغية من القضية الفلسطينية ورد في الكثير من البيانات والوثائق، وينصّ على رفض الاحتلال واعتماد حلّ الدولتين، ورفض الخطاب القومي العربي حول فلسطين، وكذا رفض الخطاب الإسلاموي في نفس الموضوع، باعتبار أن القضية الفلسطينية ليست لا قضية عرق ولا قضية دين معين، بل تتجاوزهما إلى كونها قضية سياسية إنسانية تقتضي تحرير الأرض والإنسان وبناء التعايش بين الدولتين الفلسطينية والعبرية وفق ما تنص عليه الشرعية الدولية.
ـ أما عن “الأصل الموري“ للمغرب وتعزيز إسرائيل له واعتماده من قبل الباحث الإسرائيلي كتوصية لـ“تسهيل التطبيع“، فهو من الغرائب المضحكة، لأن الكاتب في اللحظة التي كان يكتب فيها هذه العبارات كان قد مضى على تطبيع الدولة المغربية (تطبيعا واقعيا وعلنيا) مع إسرائيل خمس سنوات، بينما يسعى لإيهام القارئ بأن الأمازيغية ورقة “لتسهيل التطبيع“ الذي تجري أوراشه على قدم وساق. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فما نعرفه حق المعرفة هو أن “الدولة المورية“ تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، أي إلى 1200 سنة قبل الإسلام و 2500 سنة قبل قيام دولة إسرائيل في عصرنا، وأن كلمة “مور“ تعني الأرض والوطن في اللغة الأمازيغية منذ أقدم العصور، وأن حديث الأمازيغ اليوم عن “الهوية المورية“ إنما يُقصد به عراقة الشعب المغربي على أرضه، وهذه حقائق لا سبيل لإنكارها، فإذا كان الباحث الإسرائيلي يجد فيها فرصة للتوظيف الإيديولوجي فلا يمكن اعتمادا على ذلك البحث عن الإساءة إلى الحركة الأمازيغية أو إنكار الحقائق التاريخية أو إدانة الأمازيغية، فقد ارتكبت الحركة الوطنية المغربية هذا الخطأ من قبل، عندما استغلت كتابات الباحثين الفرنسيين في عهد الحماية من أجل الطعن في الأمازيغية واعتبارها مخططا استعماريا للتقسيم، مما أدى إلى صراع قوي بين المغاربة حول الهوية والتاريخ امتدّ لعقود طويلة بعد الاستقلال بسبب تهميش وإقصاء الأمازيغية من المؤسسات، وانتهى باعتراف الدولة ومأسستها للأمازيغية هوية ولغة وثقافة. وطبعا لم يحدث أي تقسيم للشعب المغربي، بل اعتُبر ذلك خطوة ديمقراطية.
ـ أما عن “الطابع العلماني للسياسة الأمازيغية عبر التاريخ“، والذي اعتُبر بدوره ورقة في يد الباحث الإسرائيلي، فهذا لا يمكن تقسيم الشعب المغربي على أساسه، لأن مسلسل العلمنة اليوم في ظل الدولة الحديثة صار يشمل جميع مكونات الأمة المغربية بما فيها الدين نفسه، حيث خضع الإسلام المغربي لمسلسل تحديث وعلمنة تدريجي قصد ملاءمته مع حاجات الدولة والمجتمع الحاليين. كما صار الفقهاء موظفين لدى وزارة الأوقاف يحكمهم دستور البلاد ويخضعون لقوانينها العصرية ولمنطق المؤسسات الحديثة كغيرهم.
وتستمر الحركة الأمازيغية في نهجها الفكري العلماني في نقد حركات التطرف الديني العنيف وبعض التوظيفات للدين في عرقلة مسلسل التحديث وإحقاق حقوق المواطنة. ولا ندري ما علاقة مسلسل العلمنة والتحديث المشار إليه، والذي هو مسلسل طبيعي حتمه الانتقال إلى الدولة الوطنية الحديثة، ما علاقته بتقسيم المغرب من طرف إسرائيل.
ـ وأما عن “قرآن برغواطة“ الذي تم إقحامه بدوره (في إطار تصفية الحسابات) فيبدو أن كاتب المقال قد تجرد كليا من ضمير الكاتب لكي ينخرط في موجة التفاهة والإشاعة، فموضوع قرآن برغواطة أثير بمناسبة مناقشته في ندوة فكرية، وباعتبار ذكره في العديد من المصادر القديمة لتاريخ المغرب، والهدف من ذلك كان هو الإجابة على السؤال: لماذا تم السكوت عن تجربة الدولة البرغواطية لعقود طويلة، حيث تم تغييبها من التاريخ الرسمي، ولماذا اهتم بها فقط الباحثون الأجانب عن المغرب (الدكتور محمود إسماعيل من مصر أو الدكتور محمد الطالبي من تونس مثلا) فالهدف هو الإجابة عن سؤال معرفي، وليس “إحياء“ الديانة البرغواطية من جديد، فهذا أشبه بالنكتة، وذكرني هذا الموقف المضحك بما فعله المجلس البلدي لطنجة عندما كان يرزح تحت أغلبية حزب “العدالة والتنمية“، حيث رفض تنصيب تمثال ابن بطوطة في وسط المدينة لأنه “وثن“، كما لو أن الطنجاويين سيقومون بعبادته، فالمغاربة لا يحتاجون لقرآن برغواطة لكنهم بحاجة إلى معرفة تاريخهم وفهم الأسباب التي جعلت الدولة المغربية والنخب المتعلمة تسكت عن الدولة البرغواطية التي استمرت لأزيد من 400 سنة، ذلك أن التاريخ بوصفه مجالا للبحث العلمي يقتضي اتخاذ مسافة من الشخصيات والأعلام والوقائع، وفهمها فهما موضوعيا لا عاطفيا أو أسطوريا.
ومن الأمور المفتعلة التي تعسف فيها صاحب المقال عبر ليّ عنق العبارات لجعلها تنطق بما يريد قوله: “ على إسرائيل بناء على خصائص الحركة الأمازيغية وهويتها وما توفره هذه الورقة المربحة من إمكانات أن تعيد النظر في مفهوم اليهودي، وتدخل البعد البربري في إعادة تعريفه. ففي مقال بحثي له (يعني وايزمان) بعنوان: “سردية الماضي في خدمة المستقبل: هوية الحركة الأمازيغية والعلاقات اليهودية“ يقول بالحرف في أهم خلاصة في خاتمته: « أما بالنسبة لإسرائيل والعالم اليهودي على العموم، من الممكن الآن أن تبدأ في إدخال البعد البربري في المناقشات العامة حول من هو اليهودي“، ويضيف الكاتب في تأويل متعسف من عنده قائلا: “وذلك ربما بهدف خلق ذريعة توسعية، يمكن في يوم من الأيام أن تزعم إسرائيل أن لها إرثا تاريخيا في المغرب، وأن عليها أن تستعيده“، فكأن الكاتب يخاطب أطفالا صغارا أو يستهين بذكاء القراء.
فإذا اعتبرنا أن للباحث الإسرائيلي أهدافه في الكذب على الأمازيغ وتلفيق الأخبار، فإن من العيب أن يفعل ذلك شخص مغربي كان من المفترض أن يدرك بأن الحركة الأمازيغية تعتبر منذ نشأتها وربما قبل ميلاد وازيمان، بأن اليهود المغاربة ذوو ثقافة أمازيغية، لأنهم تواجدوا بالمغرب منذ القرن الخامس قبل الميلاد، فهذا ليس اقتراحا مصطنعا في المختبر الإسرائيلي، بل هو من المعطيات الأساسية التي بُني عليها الخطاب الأمازيغي منذ البداية، ولهذا إذا كنا متفقين مع المدافعين عن القضية الفلسطينية من حيث المبدأ، إلا أننا اختلفنا معهم اختلافا جوهريا في ما يخصّ العلاقة مع اليهود المغاربة سواء داخل المغرب أو خارجه. وهذا هو الذي جلب علينا نقمة إخواننا القوميين والإسلاميين، وليس جوهر القضية الفلسطينية الذي لا خلاف فيه. فنحن نرفض رفضا باتا أي خلط بين اليهودية والصهيونية.
لقد كان على كاتب المقال أن يورد كيف يسعى الباحث الإسرائيلي إلى التوظيف السياسي لأفكار الحركة الأمازيغية، وهذا قد لا نختلف حوله، ولكن لم يكن عليه أن يمارس المراوغة لمغالطة القارئ وإيهامه بأن مرامي الباحث الإسرائيلي هي نفسها مرامي الحركة الأمازيغية، فهذا ضرب من التجني غير مقبول، ولم يصدقه أحد في جميع الأحوال طوال الخمسين سنة الماضية.
والآن لننظر إلى الجانب الآخر من العملة، لقد ألف الباحث الإسرائيلي وايزمان كتابا بعنوان “قرن من السياسات العربية، من الثورة العربية إلى الربيع العربي“ سنة (2016)، ما هي النتائج التي خلص إليها الباحث ؟ وما هي التوصيات التي رفعها إلى حكام إسرائيل بشان النظام العربي والشخصية العربية والذهنية العربية ؟ وهل يمكن اعتمادا على البحث الذي أنجزه الباحث المذكور أن نعتبر كل ما هو عربي من لغة وثقافة “ورقة“ لتقسيم العرب، وأن نخلق التماهي بين أهداف الباحث الإسرائيلي والحركات القومية العربية ونشطاء العروبة والإسلام ؟
هذه أسئلة دالة جدا، وهي التي تظهر بأن عقلية التمييز تظل مستحكمة في بعض الأشخاص، الذي ينهون عن أشياء ويأتون مثلها، أو يتهمون غيرهم بأمور هم منغمسون فيها حتى العنق.
الآن ما هي مخططات التقسيم الحقيقية التي عشناها خلال الخمسين سنة الأخيرة، والتي سكت عنها الذين يربطون الأمازيغية بمختبرات إسرائيل ؟
لقد قدم الشعب المغربي تضحيات كبيرة طوال نصف قرن من أجل قضية الصحراء، بسبب وجود مخطط جهنمي للتقسيم قاده نظامان عسكريان قوميان عربيان، هما الجزائر وليبيا، وكان الهدف إنشاء دويلة تحمل إسم “الجمهورية العربية الصحراوية“ على أرض المغرب. في ذلك الوقت كان يقال لنا إن الأمازيغية عامل تقسيم بينما العروبة “تجمعنا“، وإذا بمخطط التقسيم يخرج من جبة العروبة نفسها.
ثم جاء خطر التقسيم وهدم الدولة مع الإسلام السياسي بتنظيماته وخلاياه، ومع التطرف العنيف والتفجيرات الإرهابية، والغريب أن الذين جاؤوا بهذه الآفة هم أيضا اعتبروا الأمازيغية مؤامرة استعمارية للتقسيم، ثم مؤامرة صهيونية بعد ذلك، لكن المغاربة واجهوا كل تلك المخططات القومية والإسلاموية بتلاحم طبيعي نسجته قرون من الاندماج، عبر عنها دستور 2011 الذي اعترف بكل المكونات التي كانت مسكوتا عنها، والتي رفضها القوميون والإسلاميون لمدة عقود، وطالبت بها الحركة الأمازيغية على مدى 45 سنة، حيث لم تطالب بالأمازيغية فقط، بل وأيضا بالمكون العبري اليهودي والمكون الإفريقي والمتوسطي، بجانب العناصر التي كانت الدولة والأحزاب تحتفي بها من قبل.
ما هو الخطر الذي عبر عنه الخطاب الأمازيغي منذ نشأته ؟ هل اعتمد أسلوبا غير العمل المدني السلمي والترافع العقلاني ؟ هل شكل عصابة انفصالية مثل البوليساريو ؟ هل أنشأ خلايا مسلحة مثلما يفعل الإسلاميون ؟ هل قام بتفجير مؤسسات أو قتل سواح أجانب ؟ هل وضع لوائح اغتيال لشخصيات عمومية ؟ وهل نفذ اغتيال شخصيات سياسية معارضة مثل عمر بنجلون ؟ هل بلور وثائق تفيد تصنيف المغاربة إلى أمازيغ وعرب والتمييز بينهما ؟ هل شكك في وجود المكونات الأخرى أم أنه أضاف إليها مطالبه الغائبة ؟ ثم هل قام الأمازيغ في يوم ما برفع صور أعداء الوحدة الوطنية في الشارع العام ؟ هل انضمت الحركة الأمازيغية لمناصري أنظمة معادية لبلادنا ؟ طبعا لا شيء من هذا فعلته الحركة الأمازيغية، لم تقم بأي من الأفعال المشينة التي قام بها الذين يتهمونها بالعمالة للأجنبي، لكنها رغم ذلك تتلقى الاتهامات من الذين لم يقبلوا أن تسير رياح التاريخ عكس سفنهم.
والآن نأتي إلى بيت القصيد، ما هي خلفية هذه الخطابات التي تربط الأمازيغية بالصهيونية وبمخطط التقسيم ؟ الحقيقة أن ثمة ثلاثة أحداث أدت إلى هذه الهجمة المتأخرة التي تعيد اجترار خطابات تنتمي إلى نهايات القرن الماضي:
1) الاعتراف السياسي والدستوري بالأمازيغية هوية ولغة وثقافة وإرثا مشتركا ومسؤولية لجميع المغاربة بدون استثناء.
2) تطبيع الدولة المغربية مع إسرائيل في اتفاقية علنية بوساطة أمريكية.
3) حرب الإبادة في غزة وما نتج عنها من مآسي تسبب فيها التيار الديني الإخواني بعد غلطة 7 أكتوبر غير محسوبة العواقب، والتي أودت بحياة ما يقرب من 80000 نسمة، وخراب غزة بالكامل.
هذه الأحداث الثلاثة لم يتم هضمها أبدا من طرف التيارين القومي والإسلامي، وهما تياران يتميزان بخارجانية الحساسية الإيديولوجية، وقد أدّت الوقائع الثلاثة إلى جعل ردود أفعالهما تتخذ شكل خطاب المؤامرة بغرض الانتقام الرمزي والتنفيس عن احتقان داخلي مزمن، بتقديم الأمازيغية “كبش فداء“ وآلية للتحريك ضدّ الدولة، وبموالاة أنظمة خارجية ثبت عداؤها الكبير للمغرب.
لقد كتب جيل دولوز مرة:” إن الكتابة من أجل التحطيم والتحريض هي أحط أنواع الكتابة“. وهي قولة تنطبق تماما على هذا النوع من المقالات والتصريحات، التي نرجو لأصحابها الشفاء والعودة الذهنية إلى بلدهم من المهجر الإيديولوجي الإخواني والقومي.
خلاصة للعقلاء:
ما الذي يصنع الانفصال حقا ؟ هل يكفي وجود مؤامرات خارجية ليتحقق التقسيم ؟ طبعا لا، إن المؤامرات تقتات من هشاشة الوضع الداخلي، ومن تصاعد الشعور بالحرمان والإقصاء والظلم.
ولهذا فصمام الأمان ضد المؤامرات الخارجية أيا كان مصدرها ليس هو خطابات الكراهية والتحريض والتهويل وإثارة النعرات وتوزيع الاتهامات وتغذية التناحر والتشرذم والإجهاز على المكتسبات، بل هو ترتيب البيت الداخلي عبر التوافق على المشترك الوطني، وإقامة العدل والمساواة، وترسيخ قيم وآليات الديمقراطية، والتوزيع العادل للثروة، وإعلان حرب شاملة على الفساد، حتى يشعر الجميع (باختلاف ألوانهم ولغاتهم وعقائدهم وأصولهم وتنظيماتهم) بالانتماء للدولة الجامعة، وبالاعتزاز بذلك الانتماء.
.jpg)
منذ 1 ساعة
1







