ARTICLE AD BOX
عادل الشياظمي
تهافت التهافت من ابن رشد إلى عبث البيضة
الجمعة 07 مارس 2025 | 10:32
هناك لحظات تسقط فيها الأقنعة، لحظات تكشف لنا هشاشة ما كنا نعتقده صلبًا، وتذكرنا أن العالم الذي نظنه محكم البناء قد يكون في الواقع مجرد لعبة توازن هش. ومن كان يتخيل أن البيضة، هذا العنصر البسيط على موائدنا، قد تصبح مفتاحًا لفهم وَهْم الاستقرار في الحداثة؟ نعم، البيضة. تلك القشرة الهشة التي ظننا أنها مجرد طعام، فإذا بها تتحول إلى استعارة عميقة لمأزق العالم الحديث، ذلك العالم الذي وعدنا بالوفرة المطلقة، لكنه يتهاوى عند أول اضطراب، كما تتهاوى بيضة سقطت على أرض المطبخ.
آراء أخرى
اخترت عنوان “تهافت التهافت” لأن المشهد الحالي يُذكّرني بذلك السجال الفلسفي القديم. كان الغزالي قد كتب تهافت الفلاسفة ليكشف تناقضات الفكر الفلسفي، فجاء ابن رشد ليكتب تهافت التهافت، مؤكدًا أن نقد الغزالي يحمل تناقضات أكبر. واليوم، نجد أنفسنا أمام تهافت جديد، لكنه ليس في ميدان الفلسفة، بل في ساحة الاقتصاد والسياسة. الحداثة، التي بشّرتنا بالكفاءة والاكتفاء، تجد نفسها عاجزة أمام أزمة نقص البيض. ترى، هل نحتاج إلى فيلسوف جديد يكتب تهافت العولمة ليكشف لنا أن ما كنا نظنه يقينًا ليس إلا وهْمًا بُنِي على أرض رخوة؟
الأنظمة الاقتصادية الحديثة تتحدث عن نفسها كما لو كانت آلة محكمة لا تخطئ، لكن يكفي أن يمرض سرب من الدجاج حتى تُصدم الأسواق العالمية، ويقف كبار الاقتصاديين في مؤتمراتهم الدولية متسائلين عن حل لهذه المعضلة العظيمة: كيف نوفر البيض؟ هل انتهت مشكلات الكون حتى تصبح البيضة أزمة عالمية؟ يبدو أن الحداثة، تلك التي غزت الفضاء وفككت الذرة، لا تزال تخشى فقدان البيض كما كان الملوك القدامى يخشون كسوف الشمس.
لطالما وُعِدنا بأن الاقتصاد الحديث هو أعجوبة هندسية، آلة دقيقة تعمل وفق منطق لا يقبل الخطأ، وأن الأسواق قادرة على التكيف مع أي طارئ. لكن فجأة، حين تصبح البيضة عملة نادرة، تنهار هذه المزاعم كلها. ترى، أين اختفى النظام العالمي؟ أين عباقرة العولمة الذين وعدونا بأن كل شيء سيكون متاحًا دائمًا وبلا حدود؟ أم أن كل ما فعلوه هو تحويل الأزمات المحلية إلى كوارث عالمية، بحيث إذا عطس دجاج في إحدى المزارع، أصيب الاقتصاد العالمي بالتهاب رئوي؟
إن البيضة ليست مجرد غذاء، بل رمز للعالم الذي نعيش فيه. قشرتها تبدو صلبة، لكنها قابلة للكسر عند أول ارتطام، تمامًا كما أن الحداثة التي تبدو قوية تنهار عند أول أزمة. العولمة، التي وُعِدنا بها كضمانة للاستقرار، لم تفعل سوى أن جعلتنا أكثر عرضة للانهيار. هل هذا ما قصدوه حين قالوا إن العالم أصبح قرية صغيرة؟ قرية تعاني نقصًا في البيض، بينما تقف على قمة التكنولوجيا؟
إننا نعيش في عالم يقدّم نفسه كمتين ومتوازن، لكنه في الواقع قائم على خيوط واهية، يمكن أن تنهار عند أول لمسة. البيضة، التي كانت ذات يوم عنصرًا بسيطًا في حياتنا، أصبحت اليوم رمزًا للهشاشة التي تحكم الحداثة. وكما كشف ابن رشد في تهافت التهافت عن تناقضات نقد الغزالي، تكشف لنا هذه الأزمة تناقضات الحداثة نفسها: نظام يُفترض أنه ذكي ومتين، لكنه يقف مشلولًا أمام نقص بسيط في سلعة واحدة.
ما كان يبدو مسألة اقتصادية أصبح لحظة تأمل فلسفي، وربما لحظة سخرية مرة. هل نحن فعلًا نعيش في نظام مستقر، أم أننا نسير فوق قشرة رقيقة تنتظر لحظة الانكسار؟ ربما الحداثة كلها ليست أكثر من بيضة ضخمة، نجلس فوقها، نأمل ألا تسقط بنا إلى مصير عبثي.
.jpg)
منذ 1 سنة
3







