تعديل حكومي بطعم السخرية والانتقام

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

عبد المولى المروري

تعديل حكومي بطعم السخرية والانتقام

السبت 26 أكتوبر 2024 | 13:15

مهما تعدد القراءات حول التعديل الحكومي الذي هم حكومة عزيز أخنوش، ومهما ألقي عليها من مساحيق التجميل من أجل إخفاء عيوبها وعوراتها، فإن كل تلك المحاولات تقف عاجزة أمام واقع البؤس السياسي الذي ولدت فيه، وتتحرك ضمنه.

آراء أخرى

  • التعديل الحكومي بمنطق انتهازية السياسة

  • تعديل حكومي أم عقاب سياسي؟

  • تعديل أخنوش الحكومي والتمرد على أوامر الكفاءة والاختصاص!

إن تغيير وجوه محروقة لن يغير من واقع الإفلاس السياسي شيئا، ولن يصلح ما أفسدته انتخابات 8 شتنبر، ولن تعطي شرعية لحكومة مطعون في شرعيتها ونزاهتها، ولن تعالج أمراضها التي راكمتها، ولا فضائحها التي خلفتها..

فهذا التعديل فارغ من أي تصور جديد، وخال من أي رؤية تنموية واضحة، ومفتقر لأي أفق يبعث الأمل في إصلاح عشرات الأعطاب التي همت كل مناحي ومجالات المغرب..

فما عساها أن تضيف هذه الحكومة في نسختها الثانية؟ وما الذي ستعالجه أو تصوبه أو تقومه أو تصلحه؟ فالاعوجاج كان في ولادتها، والضعف كان في مكوناتها، والانتهازية كان في أعضاءها، والنقص كان في برامجها، وافتراس الشعب كان في مشاريعها، والمصيبة العظمى كانت في رأسها ورئاستها..

فعلى خلاف كل التوقعات، وضدا على كل النداءات والمطالبات (كتاب الضبط، المحامون، العدول، المجتمع المدني …) تم تثبيت #عبد_اللطيف_وهبي على رأس وزارة العدل.. بمعنى أن وزير العدل وبالرغم كل الفضائح والمشاكل والأزمات والمخالفات والمصائب التي ارتكبها خلال مدة استورازه القصيرة، سيظل جاثما على صدور المغاربة لأطول مدة ممكنة، لأن مهمته لم تنته بعد.. ووظيفته المسخر من أجلها لم تستكمل بعد نهايتها..

ربما ما تزال هناك مهام أكثر “قذارة” من سابقاتها تحتاج وجاه أرعن قادر على إتمامها، صاحبه يتوفر على مخزون كبير من الوقاحة والسماجة والتكبر التي قل نظيرها للترويج لمدونة الأسرة الجديدة التي تأخر أوان إخراجها، ربما كان ذلك التأخر مرتبط بالنسخة الحكومية الثانية من أجل الترويج لها على أحسن وجه.. تشريعات أخرى تهم التقليص من مساحة حقوق الإنسان.. وفرض قوانين جديدة هناك إجماع ونضال مستميت ومتواصل على رفضها ومعارضتها…

شخصيا لم يكن عندي أدنى شك في استمرار وزير العدل الحالي في مهامه ومهمته في النسخة الثانية للحكومة الأوليغارشية.. فهو أحسن من يدافع عن القوانين والتشريعات الفجة والغريبة المناهضة لهوية الشعب المغربي، والمتعارضة مع كل قيم حقوق الإنسان وحرية الرأي التعبير والنشر، وما فتئ يهدد بذلك في كل مناسبة وفي غير مناسبة..

إن استمراره على رأس وزارة العدل مؤشر واضح على وجود إرادة رسمية من أجل تقليص مجال حرية الرأي والتعبير عبر سن تشريعات وقوانين تخدم هذا الهدف، وعلى الإعداد لتشريعات توفر المزيد من الحماية للفساد الاقتصادي، وتوفر المجال الواسع لهيمنة الأوليغارشية على مفاصيل الحياة الاقتصادية والسياسية والإعلامية.. بمعنى أن ما ينتظر هذا الوطن أصعب مما مر عليه من مآسي ومصائب اجتماعية وإنسانية..

أما متعدد المهام #شكيب_بنموسى، فإن له وضع خاص ضمن المشهد المغربي، فتنقلاته بين العديد من المهام والمسؤوليات، التجارية والديبلوماسية، والحكومية، والإدارية لا علاقة لها بكفاءته، ولا بمواهبه، ولا بعبقريته، فكما هو معلوم لم  ينجح إلا في مهمة يتيمة واحدة، متعلقة بإدارته لشركة إنتاج وبيع الخمور، أما ما دون ذلك من المهام الرسمية فلقد كان حليفه المخلص والثابت هو الفشل الذريع، سواء عندما كان وزيرا للداخلية، أو سفيرا في فرنسا، أو مسؤولا عن إعداد النموذج التنموي الخيالي الجديد الذي اصطدم بصخرة الواقع المغربي العنيد.. وآخر مغامراته الفاشلة ما عرفه قطاع التعليم من ترد وانهيار وسقوط وتراجع رهيب..

وضعه على رأس المندوبية السامية للتخطيط يضع أكثر من علامة استفهام عن سر وأهداف هذا التعيين، فرغم كل المؤاخذات التي يمكن أن تسجل على سلفه السيد أحمد الحليمي العلمي، فقد قام بتعرية الحكومة الحالية، وكشف عن العديد من سوءاتها وسيئاتها في مجالات الفلاحة وعلاقتها بالمخطط الأخضر الفاشل، والبطالة التي تسببت فيها الحكومة الحالية، والعديد من الأرقام والإحصاءات الدقيقة التي حاولت الحكومة يائسة التستر عليها، الأمر الذي تسبب فيما يشبه الملاسنات والتصريحات متباينة ومتناقضة، بينت بما لا يضع مجالا للشك عن وجود أزمة وخلافات بين المؤسسات الدستورية للبلد.

يبدو أن مصير إدريس الكراوي الذي كان رئيسا لمجلس المنافسة، ومصير إدريس اليزمي الذي كان رئيسا للمجلس الوطني لحقوق الإنسان هو نفسه مصير أحمد الحليمي العلمي، عندما تصدر تقارير ومعطيات لا ترضي جانبا من مسؤولي الدولة، فيكون الإعفاء الفوري هو المصير المحتم، واستبداله بمن يجود بتقارير على مقاس ورضى النافذين الكبار..

فهل تعيين شكيب بنموسى مندوبا ساميا للتخطيط هو مؤشر على دخول مرحلة جديد من الأرقام والإحصائيات والمعطيات التي ستسعى إلى تغطية وجه الحكومة والدولة بمساحيق التجميل استعدادا للانتخابات المقبلة؟ أو من أجل امتصاص الغضب الشعبي والمتزايد بعرض وترويج واقع مزيف ومضلل؟ أو خدمة لأجندة خارجية؟ أو لكل هذه الأسباب مجتمعة؟ الجواب على هذه الأسئلة سيظهر في قادم الأيام من خلال الأرقام والمعطيات التي ستصدرها مندوبيته في حلتها الجديدة..

ما تبقى من تعديل حكومي لا يكتسي أهمية تذكر، لأنه يندرج في إطار إشغال الرأي العام المتلهف لأي تغيير، وملء الساحة الإعلامية بخطاب جديد من البروبكاندا، مع ما يحمله هذا التعديل من ترسيخ لواقع الابتذال السياسي عندما يتم استوزار شخص كان يرقص على نغامات “مهبول أنا”، أو تعيين وزراء في مجال التربية والتعليم لا يكادون يفقهون قولا ولا يحسنون صنعا.. مما يعني المزيد من الانهيار والتردي في هذا القطاع البئيس.. هذا فضلا عن تميز هذا التعديل بغلبة المحسوبية والولاءات على حساب الاستحقاق والكفاءات..

إنه تعديل بطعم السخرية على المواطن، وبطعم النكاية بالشعب الذي عبر عن امتعاضه الشديد لهذه الحكومة ورئيسها ووزراءها الفاشلين، إنه تعديل بلون الانتقام والاستخفاف بمصالح الوطن الذي قدر له أن يعيش عقودا من الزمن تحت الفساد الاقتصادي والاستبداد السياسي..

للأسف الشديد مصيبة هذا الوطن ليس في الاستبداد والسلطوية فحسب، وليس في عودة الحكومة الأوليغرشية فقط، وليس في ظهور جنس من الصحافة والإعلام الساقط والمطبل.. بل الأدهى من ذلك كله، ومصيبة هذا الوطن في سياسييه الانتهازيين والوصوليين، وفي مثقفيه الجبناء والمرتزقة، وفي علماء الدين الكسالى والخاضعين، وفي مجتمعه المدني الضعيف.. “كما تكونوا يولى عليكم”، و(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

المصدر