تساؤلات حول مشروع مرجة اسمير بمدينة المضيق

منذ 1 سنة 9
ARTICLE AD BOX

   بعد غياب طويل عن المشهد البيئي المحلي والوطني، بالرغم من النضالات والمطالبات المتكررة للمجتمع المدني المحلي والإقليمي، تعود مرجة اسمير إلى الواجهة وبإرادة سياسية واضحة للتهيئة، من خلال اتفاقية إطار لحماية وتهيئة وتثمين مرجة اسمير بمدينة المضيق، وتحت إشراف عام لوزارة الداخلية وتتبع دقيق لعمالة المضيق الفنيدق، وبحضور كل المصالح اللامتمركزة التقنية المعنية بقضايا المياه والغابات إلى جانب الجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث.

آراء أخرى

  • معضلة الإجهاد المائي بالمغرب!

  • "دماء الرقعة " نص سردي

  • حضور الخيال في السياسة من خلال أسطورة الدولة لإرنست كاسيرر

ويبدو أن الأمور قد بدأت تأخذ صيغة الاستعجال في التنزيل بعد صدور القرار العاملي بتاريخ 23 ماي 2024 بإحداث لجنة تتبع تهيئة وتثمين المرجة، ثم مراسلة مؤسسة محمد السادس للبيئة في 18 يوليوز الفائت، ليتم عقد دورة استثنائية لمجلس عمالة المضيق الفنيدق في 15 غشت الحالي، حيث تمت المصادقة بإجماع الحاضرات والحاضرين على جميع نقط جدول الأعمال، ومن ضمنها هذه الاتفاقية الإطار.

لقد رصدنا كمتتبعين للشأن المحلي العودة المتدرجة لموضوع المرجة في العديد من الوثائق الرسمية، بدءا من برنامج التنمية المندمجة PDI 2022-2026، حيث ورد ضمن المحور الرابع الخاص بمشاريع جماعة المضيق، والمتعلق بحماية البيئة والمحافظة على التراث الطبيعي، مشروع أول متعلق بتهيئة مرجة اسمير بتكلفة تقديرية تصل 14 مليون درهم، مع الإشارة إلى توفر الدراسة ووجود شركاء للمشروع هم: المياه والغابات، مجلس الجهة وشركة اسمير للاستثمار، ثم مشروع ثاني يتعلق بإنعاش الصيد الرياضي ببحيرة سد اسمير بتكلفة 2.200.000 درهم؛ وهي المشاريع التي سنجدها لاحقا ضمن برنامج التنمية الخاص بمجلس عمالة المضيق-الفنيدق 2022-2027، وبنفس التقديرات المالية، مع بعض التعديلات في الأسماء )مشروع تهيئة حوض اسمير( وعدم ذكر بعض الشركاء.

وبطبيعة الحال، لا يسعنا كفاعلين محليين دافعنا عن المرجة والوضع البيئي عموما، ضمن تنسيقية نشطاء البيئة خصوصا، إلا الترحيب بأي مشروع يساهم فعلا في حماية وتثمين ما تبقى من الموروث الطبيعي للمنطقة، ويعيد إحياء مرجة اسمير كمنطقة ذات أهمية إيكولوجية وبيولوجية، لذلك نجد في وثيقة مشروع الاتفاقية الإطار نقاط مهمة متعددة، نذكر من بينها:

• أهمية المشروع في حد ذاته، والذي سيكلف حوالي 86.7 مليون درهم لتحقيق أهداف متعددة أهمها الحماية القانونية للمرجة، والعمل على استعادة الأنظمة البيئية والهيدروليكية إلى جانب المشاريع المندمجة لتنمية البنية التحتية الإيكولوجية وفق نظرة شمولية تنسجم مع خصوصيات المنطقة.

• أهمية الإشارة في الديباجة المرجعية إلى القانون الإطار 12.99 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، بالنظر لما يتضمنه من مبادئ الاندماج، المسؤولية، المشاركة، ثم حقوق الولوج إلى المعلومة البيئية، مشاركة الساكنة في اتخاذ القرار البيئي، إلى جانب إمكانية تنظيم حوارات عمومية حول البيئة والتنمية المستدامة مع السكان والمتدخلين الاقتصاديين والاجتماعيين المعنيين…

• اعتبار مرجة اسمير منطقة ذات أهمية إيكولوجية وبيولوجية مصنفة وفقا للمعاهدة الدولية للحفاظ والاستخدام المستدام للمناطق الرطبة RAMSAR، علما أنها كانت قد اختفت من القوائم بعد انطلاق المشاريع المقامة منذ 2008، أما القوائم الوطنية والدولية الحالية، فتؤكد أنه تم تسجيل “بحيرة سد اسمير” ضمن 12 موقعا جديدا سنة 2019، بينما هي مسجلة في موقع الاتفاقية الدولية رامسار تحت اسم مرجة وسد اسمير Lagune et barrage de Smir، حيث تمتد على مساحة 837 هكتار، مع تنوع بيولوجي كبير يشمل أنواع كثيرة من النباتات والطيور والزواحف، مصحوبة بصور قديمة للمرجة قبل وأثناء التعمير الحالي، في حين تؤكد المعاينة الميدانية تضرر ذلك التنوع البيولوجي، رغم عودة بعض أنواع الطيور بعد توقف أوراش البناء داخل المرجة.   

• تظافر جهود أطراف متعددة من أجل تقديم كل أشكال الدعم والمواكبة التقنية والإدارية لتنزيل المشروع، مع تحديد دقيق للمهام والالتزامات، وخصوصا بالنسبة للحوض المائي اللكوس والوكالة الوطنية للمياه والغابات، واللذان سيتكفلان بأغلبية الأشغال والدراسات إلى جانب تمويل حوالي 80% من المشروع، مع الإشارة إلى إمكانية تحويل الأطراف المتعاقدة لمساهمتها المالية لوكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال باعتبارها صاحب مشروع منتدب.   

• استحضار المجتمع المدني كمجموعة البحث من أجل حماية الطيور بالمغرب GREPOM، إلى جانب جامعة عبد المالك السعدي للقيام بالدراسات والأبحاث، مع إيلاء الأهمية للجانب التربوي والتوعية والإعلام والممارسات الجيدة للتنمية المستدامة.   

لكن بالرغم من هذه العناوين الكبرى ذات الصبغة البيئية والمستدامة، تؤكد العديد من التجارب السابقة شرعية وجود تخوف عام وواقعي من إدراج المشروع ضمن المشاريع الموجهة لفئات خاصة محدودة دون باقي الساكنة، وهو تخوف مشروع يتعزز باعتبارات وقرائن وشواهد ميدانية عديدة، نذكر منها:

¬ التركز الحالي لمركب فندقي ضخم ومجموعة من الإقامات داخل تراب المرجة المقصود بالتهيئة، والتي أثرت بشكل فادح على التنوع البيولوجي وخصوصية المرجة كمنطقة رطبة، بالرغم من الاحتجاجات العديدة للمجتمع المدني قبل انطلاق مشروع “التعمير” حوالي سنة 2008.

¬ تزامن إحداث المشروع مع تشييد أحد الفنادق الفخمة المصنفة على الشاطئ قبالة المرجة، وبالتالي قد يكون الهدف تجميل محيط المركب الفندقي الجديد، وليس تثمين المنطقة الرطبة كما هو منصوص عليه في الاتفاقية الإطار، وما يُعزز هذا الاحتمال هو اقتطاع مساحة هامة من المرجة موازية لهذا المركب السياحي لإقامة مرآب للسيارات ومجموعة من المرافق الخاصة به، ترتبط به بممر تحت أرضي/ تحت الطريق الوطنية الرابطة بين المضيق والفنيدق.

¬ تعزيز هذا التخوف بشواهد ميدانية عديدة مرافقة لهذا المشروع كإغلاق ممر الشاطئ واد اسمير المحاذي للمركب الفندقي الجديد قبالة المرجة، والذي لازال موصدا بالرغم من المطالبات العديدة، وتأكيد “الجهات المختصة” في إحدى الجرائد الوطنية أن الأمر يتعلق بأشغال مؤقتة، لم نجد لها أثرا في معاينتنا الميدانية، غير أننا لاحظنا أن الفندق الجديد قد قام بإغلاق الولوج إلى الشاطئ بحاجز رملي، وهو ما يتناقض مع ما قالته الجهات المختصة حول عدم قانونية إغلاق الممرات العمومية، ومع قانون الساحل بطبيعة الحال.

¬ غياب أية ضمانات حول استمرار الولوج العمومي إلى المرجة، خصوصا مع تنصيص الاتفاقية على إحداث سياج وقائي يحدد محيط المنطقة المحمية لمرجة اسمير (نباتات، سياج خشبي)، مع أن الاتفاقية تشير من جهة أخرى إلى إحداث فضاءات بيئية وسياحية وثقافية تساهم في إنعاش المنطقة وتقوية جاذبيتها الترابية دوليا، وطنيا وجهويا، وإنجاز مشاريع لتهيئة المسارات البيئية والتربوية…

¬ التغييب التام للمجتمع المدني على صعيد عمالة المضيق الفنيدق وجماعة المضيق من أي نوع من المشاركة أو الاطلاع على تفاصيل المشروع، علما أنه ظل لسنوات طويلة الصوت الوحيد المدافع عن حماية المرجة، كما قام بتنظيم ندوات وأيام دراسية متعددة بمساهمة شركاء أجانب ووطنيين، لكن أبواب العمالة ظلت دائما موصدة في وجه التعبيرات المدنية المستقلة، كما تمتنع عن أي تواصل أو شفافية في التعاطي مع القضايا الجوهرية التي تهم الساكنة.

¬ اقتصار دور الجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث على تعبئة المساهمة المالية وتقديم الدعم اللازم لإنجاز المشروع، مع تكفل لجنة التتبع والتقييم التي يرأسها عامل عمالة المضيق الفنيدق من التأكد من حسن سير المشروع واقتراح الحلول وتدليل الصعوبات والمصادقة على برنامج عمل المشاريع والاتفاقيات الخصوصية وتقييم المشاريع المنجزة وإعداد التقارير الدورية….وهو مؤشر آخر على توسع مجال تدخل السلطات الترابية واحتكارها للقرار الترابي مقابل تراجع أدوار الجماعات الترابية، علما أن تساؤلات كثيرة ستطرح حول توظيف المال العمومي ونزع ملكية الأراضي الخاصة، في حالة ثبوت احتمال توظيف تهيئة المرجة من أجل أهداف تجميلية نخبوية خاصة.

¬ بموازاة ذلك الانحصار في أدوار الجماعات الترابية، تتكفل جماعة المضيق بتوفير المساهمة المالية والدعم، إلى جانب تسهيل الإجراءات الإدارية ومنح التراخيص اللازمة، مع أنه من المفروض أن تكون صاحبة المشروع وفقا للاختصاصات والمقتضيات القانونية الدستورية، والقواعد المعمول بها في الدول الديموقراطية، مع الإشارة أن الجماعة ستكون ملزمة بتوفير المساهمة المالية بالرغم من عدم وجود المشروع ضمن برنامج عمل الجماعة 2022-2027، لأنها غالبا لم تكن تتوفر على أي معلومة رسمية في الموضوع.

¬ وجود إمكانية لمراجعة الاتفاقية بموجب ملاحق تعديلية، باقتراح من لجنة التتبع وتوقيع باقي الأطراف، وهي تعديلات ومعلومات لن نستطيع الاطلاع عليها في حالة عدم عرض تلك الملاحق على مصادقة مجالس الجماعات الترابية.

لذلك، وأمام حالة التعتيم وعدم اليقين بخصوص تفاصيل وأهداف المشروع، تنتظر الساكنة المحلية والهيئات المدنية مهام عظيمة تتعلق من جهة بالتشبث بالمقتضيات الدستورية والقانونية المتعلقة بالحق في البيئة والتنمية المستدامة، وما يترتب عنها من حقوق الولوج إلى المعلومة والفضاءات العمومية والمشاركة في القرار البيئي الترابي والعمل على المساهمة الإيجابية والفعالة في حماية وتثمين مرجة اسمير من خلال تظاهرات وأنشطة علمية وإشعاعية وتعبوية واجتماعية وتربوية؛ ثم من جهة ثانية اليقظة والتعبئة في ظل سياسات بيئية إقليمية ومحلية مقلقة وغامضة، تزداد فيها صعوبات الولوج والمشاركة والحصول على المعلومة الموثوقة من أجل بناء مواقف واضحة ومسؤولة.

باحث في الحكامة الترابية وفاعل مدني.

المصدر