ARTICLE AD BOX
تحليل إخباري: الانتخابات المقبلة بين إصلاح القوانين وتداعيات فضائح فساد البرلمانيين التي هزت ثقة المواطن في السياسة
الأحد 31 أغسطس 2025 | 19:11
مع انطلاق الإعداد للقوانين الانتخابية الجديدة، عادت الملفات القضائية المرتبطة ببرلمانيين حاليين وسابقين لتثير الجدل حول نزاهة العملية السياسية. هذه القضايا تعيد إلى الواجهة تساؤلات حول مسؤولية الدولة والأحزاب في توفير ضمانات الثقة. كما تطرح الحاجة إلى استعادة المصداقية لدى الناخبين وفي المؤسسات المنتخبة والتمثيلية والرسمية على حد سواء.
في الوقت الذي تستعد فيه وزارة الداخلية لإطلاق مسلسل تشاوري واسع مع الأحزاب السياسية قصد بلورة قوانين انتخابية جديدة قبل نهاية السنة الجارية، يطفو على سطح المشهد السياسي ملف بالغ الحساسية يتعلق بنزاهة المؤسسة التشريعية. هذا الملف، الذي يلاحق أسماء من برلمانيين حاليين وسابقين، يكشف عن تداخل الفساد بالسياسة ويعيد إلى الواجهة سؤال الثقة المفقودة في صناديق الاقتراع.
وإذا كانت توجيهات الملك في خطاب العرش يوم 29 يوليوز 2025 قد حدّدت أفقًا واضحًا للإصلاح القانوني، فإن وقائع المتابعات القضائية والاعتقالات والبراءات والجرائم المالية تثبت أن المشكلة أعمق من مجرد نصوص قانونية، وأنها متجذرة في صلب الممارسة الحزبية وفي الطريقة التي تُمنح بها التزكيات الانتخابية.
رغم أن البرلمان الحالي لا يضم أي عضو يقضي عقوبة سالبة للحرية داخل السجون، فإن ذلك لا ينفي وجود أربع حالات بارزة في قفص المتابعة. يونس بنسليمان، النائب عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ظل اسمه متداولًا منذ سنوات على خلفية ملف “كوب22”، وهو الملف الذي نقضت محكمة النقض حكمه الاستئنافي وأعادته لهيئة أخرى، مما أبقاه في وضعية متابعة قضائية مستمرة، مع ما يعنيه ذلك من أثر سلبي على صورة المؤسسة التشريعية.
محمد السيمو، عن الحزب نفسه، حظي ببراءة من تهم تبديد أموال عمومية في يوليوز 2025، فيما حصل محمد أبرشان، النائب عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على حكم بالبراءة في ماي 2025 بعد محاكمة شابتها اتهامات بالفساد الإداري والمالي في إقليم الناظور.
أما عبد العزيز الوادكي، عن الاتحاد الدستوري، فقد أُدين بحكم استئنافي “بما قضى” أي الإفراج بعد مدة التوقيف، في قضية تتعلق بتبديد أموال عمومية، لكن الحكم لم يكتسب بعد قوته النهائية.
هذه القضايا الأربع قد تبدو محدودة إذا قيست بعدد أعضاء المؤسستين (515 نائبًا ومستشارًا)، لكنها تعكس هشاشة الثقة وتغذي الخطاب الشعبي القائل إن البرلمان لم يعد مؤسسة محصّنة ضد شبهات الفساد.
صورة أكثر قتامة
لكن الصورة تصبح أكثر قتامة عندما ننظر إلى البرلمانيين السابقين الذين تم تجريدهم أو استقالوا ثم وُجدوا متورطين في ملفات ثقيلة. سعيد الناصيري، عن حزب الأصالة والمعاصرة، ما يزال معتقلًا منذ أواخر 2023 على خلفية ملف “إسكوبار الصحراء” المرتبط بشبكات تهريب دولية، إلى جانب عبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق والقيادي في الحزب ذاته. محمد بودريقة، القيادي في التجمع الوطني للأحرار، جُرّد من مقعده في يناير 2025 بعد أن تسلّمته السلطات المغربية من ألمانيا، وأدين في يوليوز من العام نفسه بخمس سنوات سجنًا نافذًا في ملف فساد مالي يرتبط بتسيير فريق الرجاء الرياضي وصفقات عقارية. محمد مبديع، الوزير والنائب السابق عن الحركة الشعبية، يقبع بدوره في السجن منذ 2023 على خلفية ما وُصف حينها بأكبر قضية فساد مالي تشهده الجماعات المحلية. محمد الحيداوي، النائب السابق عن التجمع الوطني للأحرار، جرى تجريده في دجنبر 2023 وأدين لاحقًا بثمانية أشهر نافذة في قضية “تذاكر المونديال” التي هزّت الرأي العام. محمد كريمين، عن حزب الاستقلال، خسر مقعده في مارس 2024 قبل أن يُحكم عليه بسبع سنوات سجنًا نافذًا في قضية فساد ببلدية بوزنيقة سنة 2025. القائمة تضم أيضًا سعيد الزيدي، عن التقدم والاشتراكية، الذي أُدين بسنة نافذة بتهمة ارتشاء وجُرّد من عضويته في يناير 2024، وياسين الراضي، عن الاتحاد الدستوري، الذي جرّد هو الآخر في مارس 2024 بعد صدور حكم نهائي في قضية فساد عقاري.
هذا التراكم من الملفات القضائية التي تمس أسماء تنتمي إلى مختلف الأطياف الحزبية، من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، ومن الاستقلال إلى الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، يكشف أن الأزمة ليست مرتبطة بأفراد معزولين بل هي بنيوية. الأحزاب التي يفترض أن تكون حارسة للنزاهة والديمقراطية الداخلية، تجد نفسها متهمة بأنها كانت منصة لتمكين شخصيات ذات نفوذ مالي أو شبكات محلية من مقاعد البرلمان، دون تدقيق جدي في خلفياتهم أو كفاءتهم أو مدى التزامهم بالقانون.
هذا الوضع يفضي إلى نتيجة واضحة: غياب الثقة الشعبية لا ينبع فقط من تاريخ التزوير أو التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية، بل يتغذى أساسًا من إدراك المواطنين أن التزكيات الحزبية كثيرًا ما تمنح لمن يملك المال والجاه أكثر مما تُمنح لمن يمتلك الكفاءة والنزاهة.
التحدي المطروح على الأحزاب اليوم ليس تقنيًا ولا قانونيًا فحسب، بل هو أخلاقي بالدرجة الأولى. صحيح أن وزارة الداخلية مدعوة لصياغة نصوص جديدة تضمن حياد الإدارة وتشديد الرقابة على التمويل الانتخابي ومراقبة الحملات، وصحيح أن الخطاب الملكي شدد على ضرورة أن تكون هذه القوانين جاهزة قبل نهاية 2025 حتى يتسنى تنظيم انتخابات شتنبر 2026 في ظروف شفافة، غير أن النصوص تبقى شكلية إذا لم تتغير طريقة اختيار المرشحين. المواطن المغربي، الذي يراقب ما يجري، ويتساءل: ما جدوى القوانين إذا كان من يعرض نفسه لتمثيله في البرلمان قد يكون متورطًا في قضايا فساد أو قد ينتهي به المطاف وراء القضبان؟
المتابع للشأن السياسي يدرك أن أزمة الثقة هذه ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات طويلة. منذ التسعينيات ظل النقاش حول المال الانتخابي وتزوير النتائج حاضرًا، لكن الجديد اليوم هو أن أحكامًا قضائية ثقيلة صارت تصدر بحق نواب سابقين، وأن المحكمة الدستورية باتت أكثر صرامة في تجريد المدانين من عضويتهم البرلمانية. هذه التطورات تعكس نضجًا في التعاطي القضائي، لكنها في الآن نفسه تضرب صورة البرلمان وتضع الأحزاب في موضع مساءلة. فكيف يمكن إقناع الناخب المغربي بالعودة بقوة إلى صناديق الاقتراع في 2026 إذا كان يرى في مواقع التواصل الاجتماعي صور برلمانيين يتنقلون من قاعة البرلمان إلى قاعة المحكمة قبل أن يقتادوا مذانين إلى السجون؟
استعادة الثقة
الواضح أن هذه الملفات تُلقي بظلالها على التحضيرات الجارية للانتخابات المقبلة. كل حزب اليوم مطالب بتقديم مذكرات تفصيلية لوزارة الداخلية بشأن الإصلاحات القانونية، لكن مصداقية تلك المذكرات ترتبط بقدرة الأحزاب على تنظيف بيوتها الداخلية أولًا. الدعوة إلى تعزيز تمثيلية الشباب والنساء، ومراقبة المال الانتخابي، وتوسيع صلاحيات المراقبة القضائية، كلها مطالب مشروعة، لكن ما لم تترافق مع إرادة حقيقية لإقصاء الأسماء المشبوهة من لوائح الترشح، فإنها ستظل شعارات معلقة. التجارب السابقة تؤكد أن الأحزاب غالبًا ما تضحي بالمعايير الأخلاقية لصالح المكاسب الانتخابية السريعة، وهو ما يفسر تكرار نفس الوجوه رغم قضاياها المفتوحة.
انتخابات 2026 تلوح إذن كمحطة مفصلية في تاريخ الممارسة السياسية بالمغرب. نجاحها في إعادة الثقة مرتبط بقدرة الدولة على توفير ضمانات قانونية صارمة، وبقدرة الأحزاب على تجديد نخبها. أما استمرار منطق التزكيات المشبوهة فسيؤدي لا محالة إلى تعميق العزوف الشعبي الذي ظهر بحدة في المحطات السابقة. المواطن المغربي لم يعد يقبل بالخطاب المزدوج، وهو يرى أن بعض ممثليه يحاكمون بتهم فساد بينما يُطلب منه أن يمنحهم صوته من جديد. التحدي الأكبر إذن لا يكمن في تجميل صورة القوانين الانتخابية، بل في استعادة المعنى الحقيقي للسياسة بوصفها خدمة عمومية لا غنيمة شخصية.
ملف البرلمانيين المتابعين أو المدانين أو المبرئين، سواء تعلق الأمر بالحالات الأربع الحالية أو بالأسماء السابقة التي سقطت تباعًا في السنوات الأخيرة، ليس مجرد قائمة قضائية، بل هو مرآة تعكس أزمة أخلاقية عميقة تضرب مصداقية المؤسسات التمثيلية. وإذا كانت الدولة تعوّل على استحقاقات 2026 لتدشين مرحلة جديدة، فإن الرهان الحقيقي يكمن في قطع الحبل السري بين المال الفاسد والسياسة، وإلا فإن البرلمان سيظل ساحة للاشتباه بدل أن يكون منبرًا للتشريع والمحاسبة.
.jpg)
منذ 8 أشهر
3







