بين جيل z وأجيال بداية الأبجدية

منذ 6 أشهر 3
ARTICLE AD BOX

إن مقياس الوطنية لا يخرج عن دائرة حب الوطن ، الإنسان والتراب ،  وأن ليس هناك ما يميز بين حبات العقد الواحد المرصع بالمجوهرات ، فالأجيال المتعاقبة على أرض هذا الوطن الزكية لا تمييز بينها ، لأن في عروقها حب الوطن ، ومن يحب الوطن لا تخاف منه إن غضب او احتج لأنه لن يفوت الوطن بخطوة واحدة لو أصابه مكروه، فكيف يتهم بالخيانة او ما شابه ذلك ، فالمغربي واحد لا فرق بينه مع غيره ولا يمكن لأحد أن يزايد عن آخر في المواطنة والوطنية ، فكل المغاربة عبارة عن قطعة ضرورية لا بديل لها ليكون المغرب كما نعرفه وكما نريده أن يكون بلد الأمن والأمان والسلم الاجتماعي والمساواة والحريات وتوزيع الخيرات بنوع من التساوي، بلد يسعى للديموقراطية والعدالة حسب قدراته وسرعته ولكن بإصرار ، مهما جاءت فترات هيمنة قطعة أو مجموعة لتنال أكثر من الباقي فالجيل الحاضر يبلغ الجيل القادم ولا جيل يسكت على الظلم والنهب والفساد  ، وبالتالي ما نراه من نهج سياسي لا يستقيم مع مطالب الشعب وخاصة الشباب الذي ينتظر الكثير من رجال السياسة الذي يجب أن ينحصر عملهم في التفكير الدائم في مستقبل أبنائنا من حيث الصحة والتعليم والتشغيل وفتح الآفاق لهم في مجال التطور العلمي والتكنولوجي والرقي الإنساني والحقوقي واتساع الحريات التي تبني المواطن  الذي بدونه لا يمكن لأي كيان أن يستمر ضمن المجموعة الدولية مستقلا محافظا على سيادته وقراره السياسي ، بعيدا عن الأطماع الدولية خاصة في ظل السياسات المهيمنة وتصاعدها شرقا وغربا ، مما يوجب أن يتم تحصين بلادنا من خلال تقوية الجبهة الداخلية بإقامة ترسانة من بنيات يكون جوهر أهدافها الممارسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمة والتربوية وممارسات علمية ومراكز للبحوث الطبية والصيدلانية وفي كل المجالات لتقوية وجودنا كبلد وهويات متميزة لها طاقات وإضافات لا يمكن التغاضي عنها أو الاستهانة بها.

آراء أخرى

  • المدرسة.. ما بين دعم حرية التفكير والابتكار وتكريس النمطية والسلبية

  • الوزراء ينسحبون من الشاشات: أزمة تواصل أم هروب من الغرق؟

  • "جيل زد" من أجل مجتمع حي وقادر على الإبداع

فالأجيال المغربية تتوارث النضال السياسي كل وفق تطور زمنه وحسب الظرفية التي يعايشها ، فلا يمكن اعتبار النضال درجات فهو نفسه ذاك الإصرار على التغيير من أجل الأفضل ، هو ذلك الاندفاع الرصين في المطالبة بالحقوق والتحرر من كل ما يهين او يذل المواطن أو ينقض من حريته في التعبير وإبداء الرأي وانتقاد السياسة من أجل بديل يحقق آماله ومطالبه، و من أجل صون الكرامة ، من أجل الحفاظ على الحقوق والدفاع عن الحريات ، من أجل اقتلاع الفساد   ومحو الظلم الاجتماعي والاقتصادي وتوسيع الحريات وضمان أسس الديموقراطية ، من خلال الوعي والمعرفة التي تمكنها المدرسة والتربية ومراكز البحث العلمي ليكون المواطن فردا مستقلا في رأيه وحرا في تعبيره ومسؤولا في قراراته رافضا لكل أساليب التضليل والتدجين. فلذا نجد التاريخ النضالي حافل وزاخر بالمواقف المسؤولة ويحتوي كتاب التاريخ المغربي رجالات كتبوه بدمائهم، هناك من عرفنا ومن لم نعرف لأنهم كانوا كالجندي المجهول إلا أنه لولاه لضاع الوطن ، لكنا في خبر النسيان ، فهم ذاكرتنا من أجل البقاء هنا  ، والنضال السياسي سلسته مستمرة من خلال هذه الأجيال التي قدمت وتقدم تضحيات لمواجهة الهيمنة والاستغلال والقمع و”الحكرة “، فجيل  “زاد ” ما هو إلا حلقة في سلسلة طويلة أضافت لمسيرات النضال المغربي طرقا وأساليب غير معهودة ، اختزلوا  السياسة في بضع كلمات (الصحة ، التعليم ، الشغل ومحاربة الفساد) وهذا لن يسيئ لمطالبهم شيئا ولن يحيدهم عن طريق النضال أو نعتهم بالتخلي عن السياسة فهي حاضرة في قلب تلك القطاعات ، أليست السياسة هي البحث عن ما هو الأصلح للشعب؟  من بنيات   استشفائية و تعليم يغذي العقول ، وثقافة  تعلو  بالنفوس بالإحساس بالكرامة والحرية وتوسيع الآفاق المستقبلية وامتلاك مكانة المساواة أمام القوانين والحقوق والواجبات دون الشعور بالدونية والغبن وسط مجتمع لا تقدير فيه للإنسان كفاءة وقدرة  وابتكارا ، بل مازالت هناك ممارسات تخترق صفوف المجتمع بالتراتبية الظالمة والتمييز المقيت تجاوزا للقانون وقفزا على كل المبادئ الأخلاقية والطبيعية وتبخيسا لحق الإنسان في العيش الكريم والرفع من نخوته عوض إذلاله من خلال إخراجه من دائرة العناية المركزة تماما كما تقدم للطبقات الميسورة والتي لها في مركز القرار من يرعى مصالحها.

أما نحن أجيال بداية الأبجدية فلا حديث لنا عن ماض نضالي خضناه بكل تضحية ممكنة، فيه صفحات سوداء لا نريد أن نعيدها ولو كسرد حكواتي لأجيال “ز” وننغص عنهم نشوة الابتكار في الشأن السياسي وقراءة السياسة وفق زاويتهم التي تتماشى مع عقليتهم وعصرهم. ولو فقط مررنا من محطات النضال لأجيال الماضي ولم نفصل فيها ، لأخذ ذلك  وقتا طويلا ، لكننا في مرحلة لا تسمح بالنظر للوراء بل للمستقبل وتغيير الحاضر المتردي من خلال سياسات حكومية لا شعبية ولا تمسك بخيط العدالة ولو  بنسبة تقارب  50 في المئة ، بل تصدر قراراتها التي تجد الحلول دوما على حساب المحرومين والمهلكين أصلا ، لذا جاء هذا الجيل الجديد ليحاول أن يخرج عن تلك النمطية التي دخلت فيها الأحزاب اليسارية ومن شعاراتها التي لم تلق القبول أو التفت عليها الحكومات المتوالية لتركب عليها أحزاب من صنع الإدارة                       وكان مآل النضالات لأجيال الماضي كلها تسقط في الفشل ولم تستخلص منها الدروس، لأن النظام السياسي عرف كيف يفرق ويفكك البنيات الصلبة في نضالات الأحزاب اليسارية المطالبة بالديموقراطية وإرساء أسسها الحقيقية من خلال دستور غير ممنوح بل تضعه لجنة تأسيسية ، كما هو معمول به في الدول الديموقراطية ، و تكون الانتخابات من إعداد جهة محايدة ومستقلة وليس على يد الداخلية التي تكون هي الحكم والخصم في آن واحد في عملية الاستشارات الشعبية .لهذا وغيره  ، وصلنا لنفق مسدود ، لا المواطن يثق في الانتخابيات والمؤسسات المنتخبة ولا يشارك في العمليات السياسية، سواء من داخل تلك المؤسسات ولا من خارجها ،فأصبحت الساحة السياسية فارغة إلا من مكونات من صنع النظام السياسي التي تحولقت حوله نخبا مجوفة من حيث  التطلعات المستقبلية لتقدم البلاد وسمو مكانة الوطن ، بل همها فقط جمع الأموال والسيطرة على خيرات البلاد دون توزيع عادل لها بين مكونات المجتمع المغربي ، الى أن اصبح المغرب مغربين ، مغرب الأغنياء الكبار واتباعهم، ومغرب الفقراء والمحرومين من كل غطاء مادي او معنوي.ففي ظل هذا الانفصام السحيق للمجتمع المغربي ، طبعا يمكن توقع ما لا يحمد عقباه. لأن الظلم لما يصل لمستويات غير محتملة فالانفجار حتمي، وهذا طبيعي، لأن السياسة التي لا تقود للرقي بحياة المواطن وتضمن له مستقبله و تحقق له طرق الوصول لرغباته وطموحاته وآماله فهي سياسة عنيفة الوقع على الإنسان وبالتالي يمكن التأكيد أن عنف السياسات يولد عنف الاحتجاجات، وهنا لا نبرر لهذا ولا ذاك بل نضع العلامات التنبيهية لأصحاب القرار السياسي لمراجعة محتويات تلك القرارات ومساراتها وأهدافها وما هي الفئات التي تدخل في نطاقها ، ونقول لجيل “ز”  لقد ابدعتم مرحلة جديدة في السياسة بالرغم من أنكم لم ترفعوا شعارات كلاسيكية تهم النظام السياسي وتغييره ، بل أنتم أذكياء عرفتم أن الصحة والتعليم هما أس السياسة وعمقها ، فلا تنمية بلا صحة جيدة للمواطنين وبالتالي لا قدرة على العمل والإنتاج ، فالصحة أساس السعادة للشعوب والتعليم بدونه لن تقوم قائمة المعرفة والعلوم والوعي وتحرر الإنسان ومعرفة كينونته ، فالتعليم تور والجهل عار كما يقال ولا يطبق في مجتمعنا.

 بين  جيل” ز”  وأجيال الماضي تواصل نضالي وإن اختلف في طريقه وأدواته إلا أنه دوافعه هي هي ، انطلاقة الشرارة علامة عن تراكم الظلم وزيادة القمع وانتشار الفساد ، هيمنة السياسة التي لا تشغل الشباب ولا تعلمهم ولا تعالج آباء هؤلاء الشباب  الذين يعلمون واقع البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، فهم على دراية مما يقع واعين باللعبة السياسية التي تلعب في ساحة يقصي منها الشباب من خلال سن سياسات التجهيل  والبطالة وترك الفاسدين ينخرون ذخائر الاقتصاد الوطني ويستولون على القطاع العام باختراع قوانين الخوصصة وتحرير الأسعار والقضاء على صندوق الموازنة وهدم  مكتسبات المتقاعدين. 

كيف نستجيب لمطالب هذا الجيل، جيل أبنائنا وأحفادنا؟ أكيد ليس بالعنف والاعتقالات، لا أحد يريد رؤية تلك المشاهد المؤسفة، ولا نريد لشبابنا أن ينهج طريقة العنف في التغيير ، لأن العنف ليست طريقة حضارية ولا يقوم بها الشخص الواعي الذي ننتظر منه أن يكون مستقبلا من النخب السياسية ، لأن سلوك العنف لا مخرج منه ، فالتطرف يولد تطرفا أكثر منه وأعنف  .إن المسؤولية السياسية تقع على من أصدر القرارات المسببة في تلك الردود الشعبية والتي كانت منتظرة من قبل كل المراقبين الذين لا يقولون إلا الحقائق سواء في تقاريرهم للمسؤولين والتي بكل تأكيد لم تقرأ او لم تفتح أصلا، أما أولئك الذين يرددون “العام زين “  في قراراتهم للنخب الحاكمة فهم من أوصلوا المغرب لهذه الحالة التي لا تريدها ولو لعدوك  . لذا وجب نهج سياسة شفافة والتواصل المباشر بين الحاكم والمحكوم. واتباع سياسة تعطي لكل ذي حق حقه، فلا أحد فوق أحد أو مميز عن أحد، كلنا سواسية أمام القانون، ولنا نفس الحق في خيرات البلاد، طبعا وفق المجهود المبذول لكل واحد منا، فلا نريد امتيازا بل حقا.                                              

المصدر